شبكة راية الإعلامية - 6/19/2026 9:50:17 PM - GMT (+2 )
الكاتب: بسام زكارنة
على مدى سنوات ربط المجتمع الدولي دعمه للسلطة الفلسطينية بتنفيذ إصلاحات سياسية وإدارية ومؤسساتية ومن حيث المبدأ لا خلاف على أهمية هذه الإصلاحات أو ضرورتها فتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وتجديد الشرعيات السياسية وتحسين كفاءة المؤسسات العامة أهداف مشروعة يتفق عليها الفلسطينيون وشركاؤهم الدوليون على حد سواء.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زالت المؤسسات الفلسطينية تمتلك الوقت والقدرة الكافيين لتنفيذ هذه الإصلاحات قبل أن تصل إلى مرحلة يصعب فيها الإنقاذ؟
إن أخطر ما في المقاربة الدولية الحالية أنها تفترض أن المؤسسات الفلسطينية ستبقى قادرة على العمل مهما تأخر الدعم ومهما تراكمت الأزمات لكن الواقع يشير إلى العكس.
فالإصلاح لا يمكن أن ينجح في مؤسسات تفقد تدريجياً قدرتها على أداء وظائفها الأساسية ولا يمكن مطالبة سلطة تعاني من أزمة مالية متواصلة بتنفيذ إصلاحات واسعة بينما تكافح في الوقت نفسه للحفاظ على الحد الأدنى من قدرتها التشغيلية.
لقد اتخذت السلطة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة خطوات استجابة لمطالب دولية متكررة شملت تشكيل حكومة تكنوقراط وتعيين نائب للرئيس وإجراء انتخابات محلية وتنفيذ تغييرات وإعادة هيكلة في عدد من المؤسسات والأجهزة الأمنية وإحالات واسعة إلى التقاعد واتخاذ إجراءات بحق شخصيات متهمة بالفساد وإجراء تعديلات في ملفات سياسية ومالية حساسة.
قد يرى البعض أن هذه الخطوات غير كافية وربما يكون ذلك صحيحا لكن من الصعب الادعاء بأن شيئا لم يتغير أو أن جميع المطالب الدولية قد تم تجاهلها.
وهنا يبرز السؤال المركزي:
إذا كانت الإصلاحات قد بدأت فأين الدعم الذي يساعد على نجاحها؟
وإذا كانت المؤسسات تستجيب للمطالب الدولية فأين الحوافز التي تشجع على مواصلة هذا المسار؟
إن الرسالة التي تصل إلى الشارع الفلسطيني اليوم هي أن قائمة الشروط تتوسع باستمرار بينما يبقى الدعم السياسي والمالي مؤجلا .
لكن الواقع لا ينتظر فالطبيب في المستشفى الحكومي لا يستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية في علاج المرضى بينما يواجه هو نفسه أزمة معيشية متفاقمة والمعلم لا يستطيع مواصلة رسالته التربوية لسنوات طويلة في ظل حالة دائمة من عدم اليقين المالي.
والموظف المدني والعسكري الذي يعتمد عليه استقرار المؤسسات لا يمكن أن يبقى إلى الأبد مطالبا بالصمود بينما تتراكم عليه الديون والالتزامات الأسرية.
إن الحديث عن أزمة السلطة الفلسطينية لا يتعلق برواتب موظفين أو عجز مالي فحسب بل يتعلق باستدامة البنية المؤسسية التي تقوم عليها الحياة الفلسطينية بأكملها فالسلطة الفلسطينية مسؤولة بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن معيشة مئات آلاف الأسر وعن إدارة المدارس والمستشفيات والمؤسسات المدنية والأمنية والخدمات الأساسية وأي تراجع إضافي في قدرتها على العمل لن يؤدي فقط إلى إضعاف مؤسسة حكومية بل إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية تطال المجتمع الفلسطيني بأسره.
وفي غزة تبدو الصورة أكثر إلحاحا فالجرحى والمرضى لا يستطيعون انتظار اكتمال برامج الإصلاح قبل الحصول على العلاج والأطفال الذين يعيشون في الخيام لا يستطيعون انتظار سنوات من المشاورات السياسية قبل الحصول على مأوى يحميهم من برد الشتاء وحر الصيف والعائلات التي فقدت منازلها لا تستطيع تأجيل إعادة الإعمار حتى تنتهي النقاشات الدولية حول الشروط والإجراءات.
أما في الضفة الغربية فإن المجتمعات الفلسطينية التي تتعرض لاعتداءات المستوطنين وحرق المنازل والمركبات والمزارع وسرقة المواشي والاعتداء على المزارعين والرعاة لا تستطيع الانتظار حتى يتبلور أفق سياسي جديد أو تبدأ مفاوضات مستقبلية قد تأتي أو لا تأتي.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح في بروكسل وواشنطن والعواصم المانحة ليس فقط: ما هي الإصلاحات المطلوبة؟
بل أيضا : ماذا سيبقى لإصلاحه إذا استمر تآكل المؤسسات الفلسطينية؟
إذا كنتم تريدون الإصلاح فعلا فإن سياساتكم الحالية قد تجعل الإصلاح مستحيلا فالمجتمع الدولي يتحدث باستمرار عن منع الفوضى ومنع الفراغ الأمني وضمان مستقبل مستقر لغزة بعد الحرب والحفاظ على الاستقرار في الضفة الغربية ومنع صعود قوى أكثر تشددا وحماية الاستثمارات السياسية والمالية التي ضُخت في بناء المؤسسات الفلسطينية خلال العقود الماضية.
لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب أولا الحفاظ على المؤسسات القادرة على تنفيذها.
أما إذا استمر التآكل الحالي فإن أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل قد تواجه واقعا جديدا يتمثل في انهيار الشريك الإداري والمؤسساتي الذي اعتمد عليه المجتمع الدولي لعقود وتعطيل أي خطة مستقبلية لإعادة إعمار غزة وزيادة احتمالات الفوضى وعدم الاستقرار وفقدان البنية المؤسسية اللازمة لتنفيذ أي اتفاق سياسي مستقبلي وضياع جزء كبير من الاستثمارات التي ضختها الدول المانحة منذ تأسيس السلطة الفلسطينية وتراجع فرص الحل السياسي لمصلحة خيارات أكثر تشددا لدى مختلف الأطراف.
إن المطلوب اليوم ليس التخلي عن الإصلاح ولا تجاهل المشكلات الحقيقية التي يعاني منها النظام السياسي الفلسطيني المطلوب هو إنقاذ إمكانية الإصلاح نفسها وذلك من خلال توفير دعم عاجل يمنع الانهيار المالي والمؤسسي والاعتراف بالخطوات الإصلاحية التي أُنجزت والبناء عليها واعتماد مبدأ “الدعم مقابل التقدم” بدلاً من “الدعم بعد اكتمال الإصلاح”.
فالإصلاح يحتاج إلى مؤسسات قادرة على العمل وإلى موظفين قادرين على الاستمرار وإلى مجتمع يمتلك الحد الأدنى من الأمل بالمستقبل.
وقبل فوات الأوان قد يكون السؤال الأهم أمام المجتمع الدولي ليس كيف يُصلح المؤسسات الفلسطينية بل كيف يمنع انهيارها أولا .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


