وكالة سوا الاخبارية - 6/20/2026 7:40:24 PM - GMT (+2 )
ما لم تشاهدوه بعد السابع من أكتوبر في قطاع غزة ، قد يكون أكثر قسوة ؛ إذ بات الناس يعيشون واحدة من أشد اللحظات الإنسانية وطأة في تاريخ فلسطيني مثقل بالأوجاع منذ 78 عاماً.
من بعيد، ربما يمرّ الناظر سريعاً أمام الشاشة الزرقاء، منبهراً بمشهد يبدو اعتيادياً: افتتاح مطعم، أو متجر، أو صالة أفراح تصدح بالموسيقى لكن تلك المشاهد، مهما بدت مفعمة بالحياة، لا تستطيع أن تعيد الفرح إلى قلب عروس زُفّت وحيدة على عربة يجرّها حمار، لتبدأ حياتها في خيمة لا تشبه بيتاً، وكأنها تنتقل من انتظار إلى فقد، ومن وهن إلى وهن.
السؤال عن حال غزة لم يعد يحتاج إلى تقرير اقتصادي أو مؤشرات معقدة؛ يكفي أن تنظر إلى الوجوه، الفقر لم يعد رقماً بعد أن تجاوز حدود الإحصاءات، بل أصبح أسلوب حياة مفروضاً، والبطالة لم تعد أزمة عابرة، بل وصفاً عاماً لجيل كامل ينتظر شيئاً لا يعرف اسمه.
الخارج من غزة كأنه يولد من جديد، أما الجالس فيها فيفاوض يومه على الحد الأدنى من الحياة؛ بالمناجاة والدعاء: يا ودود يا ودود، رحمتك يا ذا العرش المجيد.
في غزة اليوم، لم يعد أحد يعيش كما كان، لكن الجميع يحاول أن يتمسّك بما تبقى من إنسانيته، وهنا تكمن الحكاية كلها؛ فالأقسى في الحرب ليس الدمار وحده، بل أن تدفع الإنسان لأن يقضي يومه كله باحثاً عن أشياء كانت يوماً تفاصيل عادية: غذاء، دواء، مياه صالحة للشرب، طريق آمن، بيت لا تهزّه الأخبار، غرفة، ووسادة
يا أصحاب السعادة، بعد أن غابت السيادة، لم يبقَ سوى انتظار طويل يحمل اسماً واحداً: الأمل.
وفي زاوية أخرى من هذا الانتظار، ينهك المرض جسد أمل، بينما تقف هي ضمن طابور يضم نحو عشرين ألف مريض يحملون تقارير تحويل من الدرجة الأولى بانتظار السفر للعلاج، تحت عنوان واحد: أنقذوا أم ولا تتركوا عمر،لكن الموت البطيء يلاحق أحلامهم البسيطة؛ الحق في العلاج.
تلك هي الحياة هنا؛ موتٌ زؤام داخل الخيام، وإن اختلفت تفاصيل الوجع.
ومع انقضاء الشتاء الثقيل، دقّ الصيف الحارق أبواب الخيام، لتتحول الأيام إلى فصل واحد اسمه الانتظار.
لا يتغير شيء سوى الأمنيات المعلّقة على المباحثات وجهود الوسطاء؛ لعلّها تصنع فارقاً يعيد إلى قلوب النازحين شيئاً من الفرح، ويخفف العتمة عن الأشلاء تحت الركام، ويمنع اتساع الخسارة إلى ما هو أبعد… عند ذلك الخط الأصفر الذي لا يبتعد كثيراً عن الماء الأزرق، المتنفس الوحيد لغزة غرباً.
ربما أصبح المطروح على الطاولة قاسياً، لكنه في نظر المنكوبين أقل قسوة مما يُفرض على الأرض وتبقى الفكرة التي تتكرر كل يوم: الإنسان أولاً… والأرض باقية.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


