العدسة الناقصة
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: بسام زكارنة

من السهل أن يُختزل صراع طويل ومعقّد في لحظة واحدة صادمة،  حدث واحد قادر على أن يفرض نفسه على الوعي العالمي وأن يصبح هو الإطار الذي تُقرأ من خلاله كل التفاصيل التي تليه لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول تلك اللحظة إلى “العدسة الوحيدة” التي يُنظر من خلالها إلى الواقع كله.

لا شك أن ما حدث في السابع من أكتوبر كان حدثا مفصليا وصادما وأثار موجة واسعة من الإدانات حول العالم في ظل تقارير وشهادات عن سقوط ضحايا مدنيين غير أن الاقتصار على هذا اليوم وحده دون النظر إلى ما تلاه يخلق فهماً ناقصاً للصراع ويُنتج صورة غير مكتملة للواقع على الأرض.

لقد انشغل العالم في البداية بصدمة الهجوم ثم سرعان ما وجد نفسه أمام مشاهد ممتدة من الدمار والمعاناة الإنسانية في غزة ومع مرور الوقت لم يعد السؤال مقتصرا  على: ماذا حدث في ذلك اليوم؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا : ماذا حدث بعده؟ وماذا يحدث الآن؟ وما هي الكلفة الإنسانية المستمرة لهذا التصعيد؟

هنا يظهر جوهر الأزمة: العدالة لا يمكن أن تُبنى على ذاكرة انتقائية ولا على رواية تُرى من زاوية واحدة فقط فكما أن تجاهل ما حدث في السابع من أكتوبر غير ممكن فإن تجاهل ما تلاه من تداعيات إنسانية وسياسية يجعل الصورة مبتورة وغير قابلة للفهم الكامل.

لقد بدأ جزء متزايد من الرأي العام الدولي يعيد النظر في الصراع ليس من زاوية الحدث الواحد بل من زاوية المسار الكامل للأحداث بل إن كثيرين أعادوا قراءة السياق الأوسع للصراع بما في ذلك ما سبق السابع من أكتوبر من تراكمات تاريخية طويلة منذ عام 1948 بوصفه جزءًا من فهم أعمق لا يمكن تجاهله عند محاولة تفسير الحاضر وهذا التحول لا يرتبط فقط بالمواقف السياسية بل أيضا بما تنقله الصور والشهادات عن واقع إنساني معقد ومؤلم في غزة.

القضية الفلسطينية في هذا السياق لم تعد تُقرأ فقط كصراع سياسي تقليدي بل كاختبار حقيقي لمفاهيم القانون الدولي وحدود القوة ومعايير حماية المدنيين في أوقات الحرب ولهذا السبب يتصاعد الجدل حول المسؤولية والمحاسبة وحدود الشرعية في استخدام القوة خصوصا عندما يصبح حجم الكلفة الإنسانية عنصراً مركزياً في النقاش العالمي.

وفي المقابل يظل من الضروري التأكيد على أن أي قراءة عادلة للصراع يجب أن تعترف بكل الضحايا وأن ترفض استهداف المدنيين من أي طرف كان وأن تدرك أن دوامة العنف لا تنتج سوى مزيد من العنف ومزيد من الحروب مهما كانت المبررات أو السياقات.

ما يطرحه بعض الكتّاب ومنهم أصوات ناقدة من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه هو أن اختزال المشهد في السابع من أكتوبر وحده لا يفسر ما يجري وأن تجاهل ما تلاه من حرب مدمرة لا ينتج فهما بل ينتج عمى سياسيا وأخلاقيا كما أن فصل الحاضر عن جذوره التاريخية يجعل أي تحليل للصراع ناقصا وغير قادر على تفسير امتداداته الحقيقية.

ربما تكون الحقيقة الأكثر تعقيداً في هذا الصراع هي أنه لا يمكن لأي طرف أن يحتكر رواية الألم ولا يمكن لأي ذاكرة واحدة أن تلغي باقي الذواكر وفي النهاية فإن أي محاولة للوصول إلى مستقبل مختلف تتطلب الخروج من أسر العدسات الناقصة والنظر إلى الصورة بكل أبعادها: ما قبل السابع من أكتوبر وما بعده وما بينهما من تاريخ طويل ما زال يلقي بظلاله على الحاضر والمستقبل.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد