ماذا جنى ترامب ونتنياهو من الحرب ؟!
وكالة سوا الاخبارية -
2026/06/26

لو وضعنا جدل «بيزنطة» جانباً، وفكرنا بمن انتصر ومن هزم، في هذه الحرب التي لم يشهد لها الشرق الأوسط مثيلاً من قبل، ولو تساءلنا بدلاً من ذلك عن ميزان الربح والخسارة، بمنطق التجار الذين هم على شاكلة رئيس أكبر وأقوى دولة - ما زالت في العالم - وذلك بمقارنة ما أعلن من أهداف سياسية وعسكرية، للحرب التي شنها أولاً رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ، ثم انضم إليه فيها، وذلك في آخر فصولها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لاكتشفنا أن الحرب، دونما جدل، انتهت دون انتصار كامل أو هزيمة مطلقة لأحد الطرفين، ولكن دون تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية المعلنة بالكامل، لكن الأخطر والأسوأ، أنها انتهت بخسائر فادحة للجميع، والجميع هنا، ليس طرفيها وحسب، مع تعدد من شاركوا فيها، ولكن معظم دول المنطقة، والعديد من دول وشعوب العالم.

ولم يكن شعار وحدة الجبهات من جهة، أو تعددها على الجهة المقابلة، هو الذي تسبب في مشاركة أطراف عديدة في الحرب، التي يمكن وصفها دون تردد بأنها كانت حرباً إقليمية، ذهبت بما أوقعته من خسائر بشرية واقتصادية في الشرق الأوسط، بأكثر مما أحدثته الحربان العالميتان الأولى والثانية في هذه المنطقة، واستمرت الحرب ثلاث سنوات، بما يظهر حجمها واتساعها، فهي لم تكن عملية عسكرية خاطفة، ولا كانت حرباً كسابقاتها في أعوام 48، 67، 73، 82، التي لم يزد زمن آخرها على ثلاثة أشهر فقط، وشملت ساحة الحرب كل أرض دولة فلسطين، قطاع غزة والضفة الغربية، ومعظم لبنان، ومعظم الجنوب السوري، كذلك شملت جغرافيا واسعة من إيران، ومناطق عديدة من اليمن، وبالطبع ولأول مرة في التاريخ كانت الجغرافيا الإسرائيلية ساحة للحرب أيضاً، بينما وصلت نار الحرب في محطتها الأخيرة دول الخليج الخمس (الكويت، البحرين، قطر، الإمارات، السعودية)، إضافة للأردن والعراق.

أي أن هذه الحرب استمرت ثلاثة أعوام، وشملت معظم دول الشرق الأوسط، حيث وقعت الخسائر البشرية، التي اقتربت من مائة ألف ضحية، ونحو ربع مليون جريح، معظمهم فلسطينيون من قطاع غزة بالطبع، الذي تعرض لحرب إبادة وفق وصف القضاء الدولي، أما الخسائر الاقتصادية، فقد بلغت عدة مئات من مليارات الدولارات، المنظور منها تجاوز المئة مليار دولار، نصفها دفعته الخزانة الأميركية على الإنفاق العسكري، خلال أربعين يوماً من المشاركة في الحرب على إيران، ومثلها كانت تكلفة الحرب على الميزانية الإسرائيلية، أما المدى غير المنظور أو غير المباشر، فهو يصل إلى رقم فلكي، توزع على دول الخليج العربي، التي تعرضت للخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة، جراء استهداف إيران للقواعد العسكرية الأميركية على أراضيها، كذلك الاقتصاد العالمي تعرض لخسائر فادحة جراء إغلاق مضيق هرمز.

أما بشكل محدد وفيما يخص ميزان الربح والخسارة السياسي، وبالعودة إلى ما أعلنته إسرائيل أولاً من أهداف عسكرية وسياسية، لحظة إطلاق نار الحرب في أكتوبر 2023، وكانت حصرتها في غزة، وكان أبعدها وأشملها التهجير، لأنه يجب ما قبله من أهداف معلنة، ثم بعد عام تقريباً من الحرب، وبعد اغتيال حسن نصر الله، وإسقاط نظام الأسد في سورية، بدأ نتنياهو بإعلان هدفه الأبعد من الحرب التي صارت إقليمية بشكل واضح، وهو إعادة ترتيب الشرق الأوسط، وفق مشروع إسرائيل الكبرى.

وهكذا تواصلت الحرب أولاً، ولم تعد مجرد عملية عسكرية في قطاع غزة، لمعاجلة حماس ، أو «توفير» الأمن لمستوطني غلاف غزة الإسرائيليين، لتنتهي بإعلان نتنياهو ملامح خطته للشرق الأوسط الجديد، بعد تحطيم إيران، ومعاجلة الدول الأخرى، تركيا ومصر والسعودية، لدرجة أنه أعلن تحالفه مع الهند واليونان وقبرص، ما دفع على الفور، الرباعي الإقليمي: السعودية، مصر، تركيا وباكستان، للتقارب فوراً، في مواجهة ذلك الحلف الذي بدأ يظهر إلى العلن، أما هدف تحطيم إيران، فقد دفع نتنياهو إلى مزيد من الكشف عن نواياه التوسعية، حيث لم يكتفِ بحرب الإثني عشر يوماً، التي يفترض أنها حققت الأهداف العسكرية، من تعطيل البرنامج النووي، ومن توجيه ضربة للبرنامج الصاروخي، وذلك وفق ما أعلنه نتنياهو وترامب الذي شاركه في عملية «مطرقة منتصف الليل» في ضرب «فوردو»، وكان هذا في شن حرب الأربعين يوماً، بشكل مشترك بين أميركا وإسرائيل، والتي اقتصرت على إيران، لكن إيران ردت بالزج بحزب الله/لبنان معها في ذلك الفصل من الحرب.

أهداف نتنياهو وترامب من الحرب على إيران، السياسية والعسكرية، شملت إسقاط النظام، تدمير القوة الصاروخية والمسيرات، قطع علاقة إيران مع من تسميهم الوكلاء، أي حلفاءها الاقليميين، والسطو على مخزونها من اليورانيوم، الذي وصفه ترامب وصفاً غير دقيق وغير علمي، بالغبار النووي، وإذا كانت إسرائيل رأت في حربها على إيران عملاً ضرورياً لقيام إسرائيل الكبرى، فإن ترامب وجدها ضرورية لكبح جماح التحدي الاقتصادي الصيني للاقتصاد الأميركي، بسبب من كون إيران أهم مصدر للطاقة إلى الصين، بأسعار رخيصة ناجمة عن منعها من التصدير، ووفق مقابل باليوان الصيني، بما يهدد السيطرة العالمية الأميركية الناجمة عن اعتماد الدولار عملة تداول تجاري عالمي.

المعضلة التي واجهت نتنياهو فيما يتعلق بالفصل الأخير من الحرب، وهو الحرب على إيران، كانت عدم قدرة إسرائيل على تنفيذ ذلك وحدها، خاصة وهي تدرك حجم الجغرافيا الإيرانية، كذلك حلفاء إيران الإقليميين، وأبعد ما كانت إسرائيل تذهب إليه، هو استخدام قوتها المزدوجة في سلاح الجو، وفي الاستخبارات، وترجمة هذا كانت تتم عبر سلسلة الاغتيالات، التي طالت علماء البرنامج النووي، دون أن ينكسر البرنامج أو يتوقف، وقادة عسكريين مثل قاسم سليماني ، دون أن يدفع ذلك إيران لإنهاء استراتيجيتها المتمثلة بالصبر الاستراتيجي، والدخول في حرب مباشرة مع إسرائيل، تجبر أميركا والغرب على نجدتها، لكن مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وهو الذي سبق له ومزق اتفاقية أوباما مع إيران، وجد فيه نتنياهو ضالته التي لم يجدها في الرؤساء الأميركيين السابقين، لكن المشكلة الأخيرة كانت، أن ترامب لا يمكنه أن يخوض حرباً طويلة الأمد، فهو فقط يذهب إلى عملية عسكرية مثل «مطرقة منتصف الليل»، أو مثل عملية «دلتا» في فنزويلا.

وتجاوز هذه العقبة كان من خلال خطة إسقاط النظام، التي أعدها الموساد، استناداً إلى عملية اغتيالات تطال المرشد وقادة إيران، مع إعداد قوة اجتياح بري كردية إيرانية معارضة، اقتنع ترامب لكنه اشترط ستة أسابيع كحد أقصى للحرب، وتوقف فعلاً يوم الثامن من نيسان، لتنتهي الحرب دون إعلان، ولكن تأكد ذلك بعد توقيع مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران، وحيث ليس بمقدور إسرائيل أن تواصل الحرب دون أميركا، مع محاولتها في لبنان لإفشال مذكرة التفاهم، لذا إيران تصر على وقف الحرب في كل الجبهات، وإلا ألا تتدخل أميركا، في الحرب بين إيران وإسرائيل.

بالنتيجة، ورغم كل ما يتشدق به ترامب، من إنجازت، فإن الواقع يقول إن حربه لم يكن لها ما يبررها، لأنها انتهت بطحن الهواء، وهو يقول إنه فتح مضيق هرمز، الذي لم يكن مغلقاً قبل حربه على إيران، وإنه اتفق مع إيران على عدم امتلاكها للسلاح النووي، وهي أصلاً كانت قد وقّعت على هذا في اتفاق أوباما، وكان اليورانيوم الإيراني مخصباً بنسبة 3،67 % وهي النسبة السلمية، ورفعتها إلى 60% بسب خروج ترامب من تلك الاتفاقية، أي أن ترامب عمل بالمثل «كأنك يا أبا زيد ما غزيت»، والأهم أن إيران خرجت بالسيطرة على مضيق هرمز، بدرجة ما أو بهذا الشكل أو ذاك، وستظل تراوغ في مقايضة البرنامج النووي برفع العقوبات بالكامل، وربما أبعد من ذلك أن تواصل سياسة الغموض النووي، كما فعلت إسرائيل طوال عقود مضت.

أما نتنياهو، وبعد أن فشل مشروعه في الشرق الأوسط الجديد الاسرائيلي، فإنه فتح الباب واسعاً لقيام شرق أوسط جديد فعلاً، ترتبه دول المنطقة، أي مربع الدول السنية: مصر، السعودية، تركيا وباكستان، وفق تفاهم مع إيران، لإدارة الإقليم بما يحقق مصالح الجميع، وبما يجبر إسرائيل على حسن الجوار، بعد الدخول في ممر إجباري وهو قيام دولة فلسطين المستقلة، على حدود 67، وإن رفضت فلن تكون إلا عدة أعوام إضافية وتجد نفسها مخيرة بين «النبذ الإقليمي» وقرار التقسيم.

ونتنياهو اضطر في الأسابيع الأخيرة لأن يسوق حربه لناخبيه بقوله إنه خرج بالمناطق الصفراء، وهي ليست سوى «تحريك» حدودي، صحيح أنها تشمل 60% من قطاع غزة، أي نحو 200 كم2، ونحو 5% من مساحة لبنان، أو 500 كم2، وربما مثلها من سورية، لكن هذه ليست سوى أوراق آيلة للسقوط بضغط ترامب واستجابة للمطالب الإقليمية.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد