تم حل المشكلة بنجاح... الرجاء تجاهل الواقع
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د. عمر السلخي 

في كل نظام رقمي حديث، تظهر عبارة مطمئنة عند انتهاء أي مشكلة: "تم حل المشكلة بنجاح" ، عبارة قصيرة، أنيقة، وتبعث على الراحة، تشعرك أن العالم عاد إلى توازنه الطبيعي، وأن كل شيء أصبح تحت السيطرة.

لكن في واقعنا، يبدو أن هذه العبارة تطورت لتصبح نوعاً خاصاً من الفن الإعلامي، أو ربما بروتوكولاً رسمياً لتخفيف صدمة المواطن. فالمشكلة لا تختفي دائماً، لكنها تُعلن أنها اختفت، وهنا يبدأ الجزء الأكثر إثارة للاهتمام.

المواطن يسمع الإعلان، يقرأ البيان، ويشاهد الخبر العاجل، ثم يرفع رأسه وينظر حوله بهدوء… ليكتشف أن المشكلة ما زالت موجودة، لكنها فقط حصلت على "تحديث تجميلي".

في الشارع، الحركة طبيعية جداً، ازدحام،حواجز ، أسعار، اقتحامات ، تأخير، وكل التفاصيل اليومية التي يعرفها الناس جيداً،  لكن على الشاشة، هناك واقع آخر أكثر أناقة: مؤشرات إيجابية، تحسن تدريجي، واستقرار واضح وتفاؤل وانفراجه بعد نهاية هذا العام "بحسب آخر التحديثات".

وكأننا نعيش في نسختين من البلد: نسخة رسمية تقول: كل شيء تم حله او جاري المتابعه وسيحل، ونسخة واقعية تقول: نحن في منتصف المشكلة تماماً.

في المؤسسات، تُحل المشاكل بطريقة ذكية جداً: يتم تشكيل لجنة لدراسة المشكلة، ثم لجنة لمتابعة اللجنة، ثم لجنة لتقييم عمل اللجان، ثم مؤتمر صحفي للإعلان أن العمل جارٍ على أعلى مستوى،  وفي النهاية، يُعلن بنجاح: "تم حل المشكلة"،  أما المشكلة نفسها فتُفضل البقاء في مكانها احتراماً للتقاليد.

وفي الاقتصاد، يتم حل الأزمات بطريقة مشابهة ، الأسعار قد لا تنخفض،وسعر البنزين والسولار والغاز في صعود دائم ، وسعر اللحمة للعجل والخاروف في ارتفاع دائم ،  لكن يتم الإعلان عن "استقرار نسبي"، نصف الرواتب قد لا يرتفع، لكن يتم التأكيد على "تحسن القدرة الشرائية نظرياً في المستقبل"،  أما المواطن، فيمارس نشاطاً يومياً اسمه "إعادة حساب الواقع كل مساء".

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تتحول العبارة إلى مادة خصبة للسخرية،  أحدهم يكتب: "تم حل مشكلة الكهرباء بنجاح"، بينما يجلس في الظلام،  وآخر يقرأ عن "حل مشكلة الازمة والمرمطة على الجسر"، وهو ينتظر دوره منذ ساعات في طابور لا يتحسن أبداً، وهكذا تتشكل مدرسة كاملة في علم اسمه: التعايش مع الحلول النظرية.

المفارقة أن الجميع يعرف أن المشكلة لم تُحل فعلياً، لكن الجميع يتعامل مع الإعلان وكأنه جزء من طقوس الحياة اليومية ، نوع من "التهدئة الإعلامية" التي لا تغير الواقع، لكنها تغير طريقة النظر إليه لعدة دقائق فقط.

ومع الوقت، يصبح المواطن خبيراً في التمييز بين نوعين من الحلول: حلول على الورق وفي الاعلام والسوشال ميديا… وحلول تحتاج إلى إعادة تشغيل الواقع بالكامل.

لكن وسط هذا المشهد، لا يمكن إنكار أن هناك جهوداً حقيقية تُبذل، وأشخاصاً يعملون بجد، ومشاريع تتحقق فعلاً،  المشكلة ليست في غياب العمل، بل في الفجوة بين ما يُنجز فعلاً، وما يُعلن عنه.

وهنا يكمن جوهر السخرية:
أن المشكلة لا تختفي دائماً… لكن يعلن أنها اختفت، ثم يُطلب من الجميع التصفيق، وفي النهاية، يعود المواطن إلى يومه، يقرأ نفس العبارة مرة أخرى: "تم حل المشكلة بنجاح"

فيبتسم ابتسامة خفيفة، وينظر إلى الواقع، ثم يهمس لنفسه: "تمام… بس واضح إنه الواقع ما وصله التحديث بعد". 
على ما يبدو انه  "في بلادنا، المشكلة لا تحتاج حلاً دائماً… يكفي أن يتم الإعلان عن حلها".

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد