وكالة سوا الاخبارية - 6/29/2026 8:41:18 AM - GMT (+2 )
لم تعد الأوضاع في قطاع غزة مجرد أزمة إنسانية، بل باتت تعبيراً عن مرحلة متقدمة من حرب الإبادة الإسرائيلية، التي تتخذ أشكالاً متعددة من القتل والقصف والاغتيالات، وصولاً إلى التجويع والحصار الخانق وتقليص المساعدات الإنسانية. وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل فرض وقائع ميدانية جديدة عبر توسيع ما يسمى “المنطقة العازلة” أو “الخط الأصفر”، الذي بات يشمل ما يقارب 70% من مساحة القطاع، بينما يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التهديد باستمرار الحرب ورفض أي التزام واضح بإنهائها.
في المقابل، يترقب الفلسطينيون في قطاع غزة نتائج المباحثات الجارية بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء، وسط ضغوط متزايدة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، يعيد تعريف مستقبل القطاع سياسياً وأمنياً، لا سيما في ما يتعلق بقضية السلاح، والإدارة المدنية، والترتيبات الأمنية.
غير أن ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في مفاوضات وقف إطلاق نار، بل يبدو جزءاً من محاولة أوسع لإنتاج واقع سياسي وجغرافي وديموغرافي جديد في غزة، يجعل من نتائج الحرب نقطة انطلاق لمرحلة مختلفة، لا نهايتها. وهنا يبرز سؤال يتجاوز تفاصيل التفاوض إلى طبيعة المرحلة نفسها: هل نحن أمام نهاية للحرب، أم أمام إعادة صياغة شكل غزة ومستقبلها؟
في هذا السياق، يصبح الضغط الدولي جزءاً من المشهد السياسي المرافق للحرب. إذ يواصل المجتمع الدولي، إلى جانب أطراف عربية، الضغط على الفصائل الفلسطينية لتنفيذ التزاماتها وفق الخطة الأمريكية، بينما يغيب أي ضغط مماثل على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها.
وقد عكس البيان الأمريكي–الخليجي الأخير هذه المفارقة بوضوح، إذ شدد على نزع سلاح الفصائل وربط إعادة إعمار غزة بترتيبات أمنية وإدارية، من دون أي مطالبة لإسرائيل أو الولايات المتحدة بتنفيذ التزاماتهما الواردة في خطة وقف إطلاق النار وقرار مجلس الأمن. وهذا التجاهل يعكس استمرار نهج دولي يُحمّل الفلسطينيين وحدهم كلفة الالتزامات، مقابل إعفاء إسرائيل من أي مساءلة سياسية أو قانونية.
ويمتد هذا الخلل إلى الموقفين العربي والإسلامي، اللذين لم ينجحا حتى الآن في ممارسة ضغط سياسي فعّال على الولايات المتحدة لإلزام إسرائيل بوقف الحرب ورفع الحصار وضمان الحقوق الفلسطينية، كما لم يتم توظيف الأدوات السياسية والاقتصادية العربية لإعادة التوازن إلى ملف غزة، بما يجعله جزءاً من معادلة إقليمية أوسع بدل أن يبقى ساحة تُفرض عليها الشروط من طرف واحد.
وبذلك، لم تقتصر الإشكالية على العجز عن وقف الحرب، بل اتخذت شكلاً أعمق يتمثل في توفير غطاء سياسي دولي وإقليمي لاستمرارها، وتحويلها من حرب عسكرية مفتوحة إلى مسار سياسي يُدار بهدف إعادة تشكيل واقع قطاع غزة بما ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو الخطة الأمريكية استجابة لنتائج الحرب، بل امتدادا سياسياً لها. فما عجزت إسرائيل عن تحقيقه بالقوة العسكرية، تسعى إلى فرضه عبر ترتيبات سياسية وأمنية وإدارية طويلة الأمد تجعل السيطرة على القطاع أقل كلفة وأكثر استدامة، من دون إنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.
ولذلك، فإن المرحلة الراهنة ليست مرحلة “ما بعد الحرب”، بل مرحلة انتقال الحرب من أدواتها العسكرية المباشرة إلى أدوات سياسية وأمنية واقتصادية وإدارية أكثر هدوءاً، لكنها لا تقل خطورة. فالمعركة لم تعد تدور حول وقف إطلاق النار فقط، بل حول من يضع قواعد اليوم التالي، ومن يحدد شكل غزة وسكانها وإدارتها ومستقبلها.
ويتجلى ذلك بوضوح في الوقائع الميدانية، فتوسيع المناطق العازلة، وتشديد القيود على دخول المساعدات الإنسانية، والتحكم في آليات توزيعها، ومنع إعادة الإعمار، واستمرار الاستهداف اليومي، ليست إجراءات منفصلة، بل حلقات مترابطة في مشروع واحد يهدف إلى إعادة تشكيل غزة ديموغرافيا وجغرافيا وسياسيا. وبهذا المعنى، فإن ما تعجز الحرب العسكرية عن فرضه بالقوة، يجري العمل على تثبيته عبر إدارة السكان والموارد والتحكم بشروط الحياة، بما يحول “المرحلة الانتقالية” إلى واقع دائم.
كما أن التركيز على اختلال موازين القوى بين الفلسطينيين وإسرائيل، رغم صحته، يخفي خللاً أعمق يتعلق بغياب إرادة دولية حقيقية لفرض التزامات متبادلة ومتساوية. فقد أثبتت التجربة أن المجتمع الدولي لم يفشل في الرقابة والتنفيذ فحسب، بل تبنى عملياً منطقاً يُلزم الفلسطينيين بتعهداتهم بصورة فورية وملزمة، بينما تُعامل الالتزامات الإسرائيلية باعتبارها قضايا قابلة للتأجيل وإعادة التفسير والتفاوض.
وبذلك، لم يعد الضغط على الفلسطينيين مجرد انعكاس لاختلال ميزان القوى، بل أصبح جزءاً من آلية إدارة الصراع، حيث يُنظر إليهم باعتبارهم الطرف الأكثر قابلية للضغط وانتزاع التنازلات، بينما يُترك الطرف الأقوى لفرض الوقائع على الأرض ثم إعادة التفاوض عليها لاحقاً. وبهذا المعنى، لم يعد الضغط الدولي منفصلاً عن المشروع الإسرائيلي، بل أصبح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أحد أدوات تثبيت نتائجه.
ولا يقتصر الأمر على غزة وحدها، فالنموذج المطروح يتجاوز حدود القطاع. فربط إعادة الإعمار بالاعتبارات الأمنية، وربط الحقوق الإنسانية بالشروط السياسية، وإعادة تشكيل الإدارة الفلسطينية بما يتماشى مع المتطلبات الإسرائيلية، كلها مؤشرات إلى محاولة إعادة صياغة العلاقة بين الفلسطينيين والاحتلال على أسس جديدة، يكون فيها الاحتلال أقل كلفة، بينما يصبح الفلسطينيون أكثر اعتمادًا على ترتيبات خارجية تحدد شكل حياتهم السياسية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، تصبح إطالة المرحلة الانتقالية وسيلة لترسيخ الوقائع الميدانية تدريجياً، بحيث تتحول الإجراءات المؤقتة إلى واقع دائم، وتصبح إدارة الأزمة هدفًا بحد ذاتها، لا مرحلة تقود إلى حل سياسي عادل.
لكن هذا الواقع، على قسوته، لا يعني أن مآلاته محسومة سلفاً. فنجاح أي مشروع لإعادة تشكيل غزة لا يتوقف على موازين القوى الدولية والإقليمية وحدها، بل يتأثر أيضًا بقدرة الفلسطينيين على بناء موقف وطني موحد يحدّ من قدرة إسرائيل على استثمار الانقسام وفرض وقائعها الجديدة. فكلما ازداد الانقسام، اتسعت قدرة الاحتلال على تحويل الوقائع المؤقتة إلى ترتيبات دائمة.
ورغم كل ذلك، يبقى الفلسطينيون أمام تحد مركزي يتمثل في قدرتهم على إعادة بناء بيتهم الداخلي، واستعادة الحد الأدنى من الوحدة السياسية، وصياغة استراتيجية وطنية مشتركة قادرة على حماية الإنسان الفلسطيني، وصون الأرض، ومنع التهجير، وإفشال مشاريع إعادة تشكيل غزة، بما يعيد للقضية الفلسطينية زمام المبادرة بدل الاكتفاء بردود الفعل على ما يفرضه الاحتلال.
وفي النهاية، فإن السؤال لم يعد كيف ستنتهي الحرب، بل أي واقع ستتركه خلفها. فالمعركة الحقيقية لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة على شكل غزة، وعلى مستقبل القضية الفلسطينية، وعلى قدرة الفلسطينيين على منع تحويل الكارثة إلى نظام سياسي دائم يعيد تشكيل وجودهم وحقوقهم ومستقبلهم.
المصدر : وكالة سواجميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


