الطبقة الوسطى "الطارئة" في فلسطين
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: حمادة جبر

لطالما شكلت الطبقة الوسطى، في مختلف المجتمعات الحديثة، العمود الفقري للاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فهي الطبقة التي تنتج النخب المهنية والثقافية، وتحمل قيم التعليم والعمل والكفاءة، وتدافع عن القانون والمؤسسات، كما تؤدي دوراً محورياً في حماية المجتمع من التطرف والانهيار. لكن الحديث عن الطبقة الوسطى في فلسطين اليوم يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما زالت هذه الطبقة تؤدي دورها التاريخي الطبيعي، أم أنها تحولت إلى طبقة طارئة ومصطنعة، اختُزل وجودها بمستوى الدخل والاستهلاك فقط؟

في التجارب الطبيعية، لا تُخلق الطبقة الوسطى بقرار سياسي أو إداري، ولا تُقاس فقط بحجم الراتب أو القدرة على الاستهلاك، بل تُبنى تاريخياً عبر اقتصاد منتج، وتعليم نوعي، واستقرار اجتماعي، وفرص متكافئة، واستقلال نسبي عن السلطة. ولهذا ارتبطت الطبقة الوسطى التقليدية دائماً بقيم المسؤولية العامة، والمشاركة السياسية الواعية، والدفاع عن الإصلاح، والقدرة على إنتاج نخبة مجتمعية تؤمن بفكرة الدولة والقانون.

غير أن الحالة الفلسطينية تبدو مختلفة إلى حد بعيد. فبفعل طبيعة الاقتصاد المشوه، والاعتماد الواسع على التمويل الخارجي، وتضخم القطاع البيروقراطي، وضعف القطاعات الإنتاجية، نشأت فئة واسعة تُصنف اجتماعياً ضمن الطبقة الوسطى، لكنها تفتقر إلى الخصائص التاريخية والأخلاقية والسياسية التي ميزت الطبقة الوسطى التقليدية. إنها طبقة طارئة أو مصطنعة؛ تبدو طبقة وسطى من حيث مستوى الدخل أو نمط الاستهلاك، لكنها في جوهرها غير قادرة على أداء الوظيفة الاجتماعية التي تجعل من الطبقة الوسطى ركيزة لبناء المجتمع وحمايته.

الفرق الجوهري بين الطبقة الوسطى التقليدية والطبقة الوسطى الطارئة لا يكمن فقط في مصدر الدخل، بل في طبيعة العلاقة مع المجتمع والسياسة والدولة. فالطبقة الوسطى التقليدية تنظر إلى نفسها باعتبارها شريكاً في مشروع وطني واجتماعي طويل الأمد، ولذلك تميل إلى الدفاع عن المؤسسات العامة، والمطالبة بالإصلاح، والانخراط في المشاركة السياسية الفاعلة والبناءة. وهي بطبيعتها طبقة نقدية، لا تخشى مساءلة السلطة، وتسعى إلى تحقيق الاستقرار عبر العدالة وسيادة القانون.

أما الطبقة الوسطى الطارئة، فإن مشاركتها السياسية غالباً ما تنحصر في إطار الوجاهة الاجتماعية، أو السعي إلى النفوذ، أو ممارسة “التسحيج” السياسي والإعلامي بهدف حماية الامتيازات المكتسبة. فالعلاقة هنا ليست علاقة مواطنة وحقوق، بل علاقة زبائنية تقوم على الولاء مقابل المكاسب. ولذلك تتحول السياسة، بالنسبة لهذه الفئة، من وسيلة لخدمة المجتمع إلى أداة للحفاظ على الموقع الشخصي والاجتماعي.

وما يزيد خطورة هذه الظاهرة أن الطبقة الوسطى الطارئة تدرك هشاشة موقعها. فهي لم تصل إلى مكانتها عبر تراكم اقتصادي منتج أو استقرار مهني طويل الأمد، بل عبر ظروف سياسية أو بيروقراطية أو شبكات مصالح مؤقتة. ولهذا تعيش هاجس السقوط الدائم وفقدان الامتيازات. وعلى عكس الطبقة الوسطى التقليدية التي تستطيع إعادة إنتاج نفسها عبر التعليم والعمل والإنتاج، فإن الفئة الطارئة تفتقر إلى هذه القدرة، لأنها لا تستند إلى قاعدة اقتصادية أو معرفية متينة. ومن هنا يصبح الفساد، بالنسبة لبعض هذه الفئات، وسيلة دفاع عن الذات أكثر منه مجرد انحراف أخلاقي. فالمحسوبية، واستغلال النفوذ، وتبادل المصالح، والفساد شبه العلني، تتحول إلى أدوات لحماية الموقع الاجتماعي المكتسب حديثاً. وكلما ازداد الشعور بعدم الاستقرار، ازدادت الحاجة إلى توظيف السلطة والعلاقات الشخصية للحفاظ على الامتيازات.

تكمن الخطورة الأكبر عندما تصبح هذه الفئة الطارئة هي الفئة السائدة داخل ما يسمى “الطبقة الوسطى”. ففي هذه الحالة، تتغير منظومة القيم داخل المجتمع نفسه. إذ تتراجع قيمة الكفاءة والعمل والإنتاج، لصالح قيم الاستعراض والاستهلاك والولاء الشخصي. كما تتحول الوظيفة العامة من مسؤولية وطنية إلى مصدر امتيازات، ويتراجع الإيمان بفكرة الصالح العام لصالح الفردية والانتهازية.

والأخطرمن كل ما ذكر، أن صعود هذه الطبقة الطارئة يتم غالباً على حساب الطبقة الوسطى التقليدية الحقيقية؛ أي فئات المعلمين، والأطباء، والمهندسين، والأكاديميين، وأصحاب الأعمال الصغيرة، والمثقفين، الذين كانوا تاريخياً يمثلون الحامل الاجتماعي لقيم التنوير والإصلاح. فهذه الفئات تعاني اليوم من التآكل الاقتصادي والاجتماعي، بينما تتوسع فئات جديدة تعتمد على النفوذ والعلاقات أكثر من اعتمادها على الكفاءة والإنتاج.

إن أزمة الطبقة الوسطى في فلسطين ليست مجرد أزمة اقتصادية مرتبطة بتراجع الدخل أو ارتفاع تكاليف المعيشة، بل هي أزمة بنيوية تمس طبيعة المجتمع نفسه. فالمجتمع الذي يفقد طبقته الوسطى الحقيقية يفقد تدريجياً توازنه واستقراره، لأن البديل يكون إما طبقة ثرية طفيلية مرتبطة بمراكز النفوذ، أو طبقات واسعة مهمشة وفقيرة فاقدة للأمل والثقة بالمستقبل.

ولهذا فإن إعادة بناء طبقة وسطى فلسطينية حقيقية لا يمكن أن تتم عبر زيادة الرواتب أو توسيع الاستهلاك فقط، بل عبر بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي، وتعزيز التعليم النوعي، وترسيخ سيادة القانون، وخلق بيئة سياسية تقوم على المشاركة والمساءلة لا على "الزبائنية" والولاء الشخصي. فالطبقة الوسطى تُبنى عبر العمل والإنتاج والاستقلال، ولا يمكن تصنيعها بقرارات مؤقتة أو امتيازات عابرة. 

أخيراً، لا أعرف إن كان مصطلح "طبقة وسطى طارئة" قد استخدم سابقاً، ولكن نشوء هذه الفئة الطارئة على الطبقة الوسطى جاء إما نتيجة غياب سياسات تمنع مثل هذه الظاهرة، او نتيجة سياسات مقصودة لإنتاج تلك الفئة لاستخدامها لمآرب سياسية لا يمكن أن تكون وطنية، والحالة الفلسطينية الراهنة دليل على ذلك. لذلك فإن معركة استعادة الطبقة الوسطى الحقيقية في فلسطين ليست قضية اقتصادية فقط، بل قضية وطنية واجتماعية تتعلق بمستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته، ولأن الطبقة الوسطى الحقيقية تٌبنى ولا تصطنع كما ذكرنا سابقاُ، يؤسفني القول أن إستعادة تلك الطبقة ودورها غير وارد وغير واقعي في المدى المنظور، لكن لمحاولة البدء بإصلاح عقود من السياسات الهدامة، وقبل فوات الأوان، هناك حاجة ملحة ومصيرية للضغط على سلطة الأمر الواقع لاتخاذ قرارات وتبني سياسات إصلاحية شاملة ذات مصداقية، وفورية.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد