شبكة راية الإعلامية - 7/3/2026 1:40:40 PM - GMT (+2 )
الكاتب: منير قليبو، باسم العائلة وأصحاب الحقوق المعنيين
أولًا: خلاصة الموقف
إن توقيع اتفاقية تأجير أرض “مجمع ألنبي” في القدس للولايات المتحدة لمدة 99 عامًا مقابل دولار واحد، بهدف إقامة المقر الدائم للسفارة الأمريكية، لا يمثل بالنسبة لنا مجرد خبر سياسي أو دبلوماسي. إنه يمس مباشرةً أرضًا كانت ملكية فلسطينية خاصة، مسجلة في عهد الانتداب البريطاني، وتعود ملكيتها إلى عائلات مقدسية معروفة، من بينها عائلة جدي الراحل حسن علي قليبو.
القضية ليست في قيمة الدولار الواحد، بل في المعنى السياسي والقانوني والإنساني لما جرى: أرض اشتراها أصحابها، ودفعوا ثمنها، وسُجلت رسميًا، ثم صودرت بعد عام 1948، واليوم تُؤجر لدولة أجنبية وكأن أصحابها لم يوجدوا أصلًا.
نؤكد أن هذه القضية لا تخص عائلتنا وحدها، بل تمثل نموذجًا أوسع لما واجهته الملكيات الفلسطينية الخاصة في القدس الغربية بعد عام 1948. وهي تطرح أسئلة جوهرية حول احترام الملكية الخاصة، وحماية الوثائق التاريخية، ومكانة القدس القانونية والسياسية، ودور المؤسسات الفلسطينية في الدفاع عن حقوق أصحاب الأملاك.
ثانيًا: خلفية الأرض والملكية
تقع الأرض المعنية في ما أصبح يُعرف لاحقًا باسم “مجمع ألنبي” في القدس الغربية. وتبلغ مساحتها، وفق ما نعرفه ونحتفظ به من وثائق عائلية، نحو ثمانية فدادين، وهي أرض كانت مملوكة ملكية خاصة لعائلات مقدسية فلسطينية.
تحتفظ عائلتنا بوثائق تسجيل أصلية من عهد الانتداب البريطاني، تثبت صلة العائلة بهذه الأرض وملكية جدي الراحل حسن علي قليبو فيها. وهذه الوثائق ليست رواية شفوية أو ذاكرة عائلية فحسب، بل سجلات رسمية صادرة عن نظام تسجيل أراضٍ كان قائمًا ومعترفًا به.
ما يهمنا تأكيده هو أن الأرض لم تكن يومًا أرضًا بلا أصحاب. خلفها أسماء، وعائلات، ومالكون مقدسيون تعبوا في تحصيل ثمنها، وسجلوها وفق الأصول القانونية المتاحة في ذلك الزمن، ثم حُرموا منها بفعل تحولات عام 1948 وما تبعها من تشريعات إسرائيلية داخلية، وفي مقدمتها قانون أملاك الغائبين.
ثالثًا: من المصادرة إلى التأجير
بعد عام 1948، خضعت هذه الأرض، كما خضعت أملاك فلسطينية واسعة في غربي القدس، لسيطرة إسرائيلية بموجب قوانين داخلية. غير أن وجود تشريع داخلي لا يلغي، من وجهة نظرنا، الحقيقة التاريخية أو الحق الأصلي أو السؤال القانوني الأوسع المتعلق بالملكية الخاصة في مدينة ما زال وضعها النهائي محل نزاع دولي.
في 1 تموز 2026، أعلنت إسرائيل والولايات المتحدة توقيع اتفاقية لتخصيص مجمع ألنبي للمقر الدائم للسفارة الأمريكية في القدس. وقد وصف البيان الإسرائيلي الاتفاق بأنه خطوة في تنفيذ قرار الحكومة الإسرائيلية تخصيص مجمع ألنبي للمقر الدائم للسفارة الأمريكية، وربطه بقرار الرئيس دونالد ترامب عام 2017 الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها. (Embassies)
كما ذكرت تقارير صحفية أن الاتفاق يتضمن عقد تأجير لمدة 99 عامًا مقابل دولار واحد، وهو ما أكده السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي بحسب وكالة الأناضول. (Anadolu Ajansı)
بالنسبة لنا، هذا المشهد مؤلم ليس بسبب رمزية الدولار فقط، بل لأنه يختصر كيف يمكن أن تتحول أرض ذات أصحاب ووثائق وتاريخ إلى بند إداري في اتفاق سياسي.
رابعًا: دور مؤسسة عدالة
من المهم التأكيد أن هذه القضية لم تكن جهدًا فرديًا أو عائليًا فقط. فقد حملت مؤسسة عدالة – المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل الملف قانونيًا، وقدمت اعتراضات باسم عدد من ورثة وأحفاد المالكين الفلسطينيين الأصليين، وبينهم مواطنون أمريكيون وأردنيون ومقدسيون. وتذكر عدالة أنها قدمت في كانون الثاني/يناير 2023 اعتراضًا باسم 12 من أحفاد المالكين الأصليين، وأن الاعتراض رُفض، وأن المخططات أُقرت لاحقًا من سلطات التخطيط الإسرائيلية. (adalah.org)
كما أن تقارير صحفية سابقة أشارت إلى أن وثائق وخرائط واتفاقيات إيجار أظهرت أن الأرض المخصصة للسفارة كانت مملوكة لفلسطينيين قبل مصادرتها. وقد نشرت “Jerusalem Post” عام 2022 أن وثائق الإيجار والخرائط، وفق عدالة، تُظهر ملكية فلسطينية للأرض المخصصة للسفارة. (Jerusalem Post)
لذلك، فإن أي تحرك فلسطيني رسمي في المرحلة المقبلة يجب ألا يبدأ من الصفر، بل يجب أن يبنى على ما أنجزته عدالة من عمل قانوني، وعلى ما تملكه من وثائق ووكالات قانونية وملف مهني متراكم.
خامسًا: البعد القانوني والسياسي
القضية لا تتعلق بمجرد نزاع عقاري. نحن أمام أرض خاصة فلسطينية، صودرت بعد عام 1948، ثم أُدرجت ضمن مشروع دبلوماسي أمريكي دائم في القدس.
وقد سبق لمصادر بحثية وحقوقية أن أثارت هذا الملف. فـ “Jerusalem Story” ذكرت أن فلسطينيين، بينهم مواطنون أمريكيون، قدموا وثائق تثبت ملكيتهم لأحد المواقع المقترحة للسفارة الأمريكية في غربي القدس، وأن الموقع كان جزءًا من أراضٍ فلسطينية صادرتها إسرائيل بعد قيامها. (jerusalemstory.com)
كما خلص بحث منشور في مؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى أن ما لا يقل عن 70% من موقع السفارة كان ملكية خاصة للاجئين الفلسطينيين، وأن أكثر من ثلثه كان وقفًا إسلاميًا. (Institute for Palestine Studies)
من هنا، فإن بناء أو تخصيص سفارة أجنبية على أرض ذات ملكية فلسطينية خاصة موثقة يثير أسئلة قانونية وسياسية جدية، خاصة في القدس، التي لم يُحسم وضعها النهائي وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
سادسًا: موقفنا كعائلة وأصحاب حق
نحن لا نطرح هذه القضية بحثًا عن تعاطف شخصي، ولا نريد اختزالها في قصة عائلة واحدة. نحن نتحدث لأن لدينا وثائق، وذاكرة، وحقًا تاريخيًا، ولأن صمت أصحاب الحق يعني ترك الرواية لمن يملك القوة وحده.
نؤكد ما يلي:
1. الأرض لم تكن بلا أصحاب، بل كانت ملكية فلسطينية خاصة موثقة.
2. عائلتنا، إلى جانب عائلات مقدسية أخرى، تحتفظ بوثائق ملكية أصلية من عهد الانتداب البريطاني.
3. تأجير الأرض للولايات المتحدة لا يلغي الحق التاريخي ولا الوثائق ولا الذاكرة.
4. القضية أكبر من عائلة قليبو، وتمثل ملفًا وطنيًا يتعلق بالملكية الفلسطينية الخاصة في القدس الغربية.
5. استمرار المشروع رغم عرض الوثائق والاعتراضات القانونية يستدعي تحركًا مؤسسيًا فلسطينيًا جادًا.
أنا لا أبحث عن تعاطف شخصي، بل عن تبنٍّ مؤسسي. فالحقوق الفردية عندما تتصل بمدينة مثل القدس تصبح جزءًا من الحق الوطني، ومن واجب المؤسسات الفلسطينية أن تمنحها ما تستحقه من متابعة قانونية ودبلوماسية.
سابعًا: المطلوب فلسطينيًا
ندعو منظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، ودولة فلسطين ممثلة بوزارة الخارجية والمغتربين، إلى تبني هذا الملف بصورة رسمية وجادة.
المطلوب تحديدًا:
• تشكيل فريق قانوني ودبلوماسي مشترك يضم مؤسسة عدالة، ممثلين عن العائلات المالكة، وزارة الخارجية الفلسطينية، وخبراء في القانون الدولي.
• مخاطبة حكومة الولايات المتحدة رسميًا بشأن الخلفية القانونية والملكية الخاصة للموقع.
• دراسة المسارات القانونية الممكنة داخل الولايات المتحدة، خاصة مع وجود بعض أصحاب الحقوق من حملة الجنسية الأمريكية، وذلك وفق تقييم قانوني متخصص.
• إدراج القضية ضمن ملف القدس في المحافل الدولية.
• توثيق شامل للملكيات الفلسطينية الخاصة في القدس الغربية.
• إنشاء أرشيف وطني للوثائق والخرائط والشهادات المتعلقة بهذه الأملاك.
• عدم ترك أصحاب الحقوق يواجهون وحدهم قضية تتجاوز قدرتهم الفردية وتمس جوهر القضية الوطنية.
ثامنًا: الرسالة إلى الإعلام
هذه ليست قصة “أرض جدي” فقط، رغم أن البعد الشخصي فيها عميق ومؤلم. إنها قصة القدس حين تتحول أملاك أصحابها إلى وقائع سياسية جديدة دون اعتراف كافٍ بتاريخهم أو وثائقهم أو حقوقهم.
قضيتنا ليست ضد شعب، ولا ضد ديانة، ولا ضد دبلوماسية بين دول. قضيتنا مع منطق محو الملكية والذاكرة. نحن نطالب بالاعتراف بالحقيقة، وباحترام الوثيقة، وبأن لا تُبنى السياسة فوق حقوق خاصة لم تُحل قانونيًا ولا أخلاقيًا.
قد تُصادر الأرض، وقد تُشيَّد عليها المباني، وقد تُوقّع الاتفاقيات، لكن الوثائق تبقى، والذاكرة تبقى، والتاريخ لا يبدأ من لحظة التوقيع، بل من لحظة امتلاك الأرض وتسجيلها ودفع ثمنها.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


