شبكة راية الإعلامية - 7/4/2026 3:49:36 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. محمد عودة
ليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها محاولة اختزال قضية كبرى كقضية الابادة الجماعية في فلسطين في خبرٍ عابر، أو يُراد لها أن تُحاصر داخل عنوان سريع يتم تداوله لساعات ثم يطويه النسيان. فثمة ميلٌ دائم في بعض الخطابات السياسية والإعلامية إلى التعامل مع القضايا التي تمس الضمير الإنساني وكأنها ملفات إجرائية، تبدأ بدعوى وتنتهي بسحب دعوى، وكأن الحقيقة يمكن أن تُختزل في إجراء، أو تُلغى بإشاعة، أو تُعاد صياغتها بقرار عابر، وكأن ما هو أخلاقي أو تاريخي أو إنساني يمكن أن يُختصر داخل ورقة قانونية أو لحظة إعلامية عابرة.
ولعل خطورة هذا الميل لا تكمن في الخطأ في قراءة حدث واحد، بل في الطريقة التي يُعاد بها إنتاج الفهم ذاته لكل القضايا التي تتجاوز حدود السياسة اليومية. فحين تتحول القضايا الكبرى إلى أخبار، تُصبح قابلة للاستهلاك السريع، وحين تُختزل في خبر، تُسحب منها طبقاتها العميقة: التاريخ، التراكم، الذاكرة، والسياق الذي أنتجها أصلًا.
ولعل الضجة التي أُثيرت حول الحديث عن سحب جنوب أفريقيا لدعواها أمام محكمة العدل الدولية كانت نموذجًا واضحًا لهذا الميل. فقد بدا وكأن جزءًا من الخطاب العام انشغل بالتفاصيل الإجرائية وحدها، متجاهلًا أن القضية نفسها لم تكن يومًا مجرد ملف قانوني معزول، بل كانت نتيجة تراكم طويل من الوقائع السياسية والحقوقية والتاريخية التي دفعت دولة إلى اتخاذ موقف، ثم فتحت الباب أمام نقاش عالمي أوسع بكثير من حدود المحكمة، وأوسع من قدرة أي طرف منفرد على احتوائه أو التحكم في مساره.
لكن ما يغيب في مثل هذا السياق هو أن العلاقة بين “الإجراء” و”القضية” ليست علاقة تطابق، بل علاقة تمثيل جزئي فقط. فالدعوى القضائية، مهما كانت أهميتها، ليست إلا أداة من أدوات التعبير عن موقف، وليست هي الموقف ذاته، بل لحظة ضمن مسار طويل، وليست نهاية هذا المسار. غير أن التعامل معها وكأنها جوهر القضية يعكس تصورًا سياسيًا وإعلاميًا يميل إلى اختزال التاريخ في لحظة واحدة، والوقائع في ملف واحد، والوعي في قرار واحد.
ومن هنا، فإن الضغط على دولة، أيًّا كانت، قد يؤثر في سلوكها السياسي أو القانوني، وقد يعيد ترتيب أولوياتها أو يبطئ مسارًا بعينه أو يدفعها إلى مراجعة بعض خياراتها، لكن هذا النوع من التأثير يظل محصورًا في نطاقه السياسي المباشر. أما حين تنتقل الفكرة إلى مستوى آخر، فإن أدوات التأثير التقليدية تصبح أقل قدرة على التحكم في مسارها.
فالدول تتحرك ضمن حسابات معقدة تتعلق بالمصالح والتحالفات والضغوط، أما الأفكار فتتحرك داخل فضاء مختلف تمامًا، يتشكل فيه الوعي عبر التراكم لا عبر القرار، وعبر التفاعل لا عبر الإملاء. ولهذا السبب، فإن الرهان على أن إضعاف طرف سياسي أو ممارسة ضغوط عليه يمكن أن يؤدي تلقائيًا إلى إنهاء قضية ذات طابع إنساني أو أخلاقي أو حقوقي، هو رهان يتجاهل طبيعة انتقال الأفكار حين تبدأ في مغادرة الإطار الذي نشأت فيه.
فالقضية لم تعد، منذ وقت ليس بقصير، محصورة في دولة بعينها أو في مبادرة قانونية محددة، بل بدأت تأخذ شكلًا أكثر اتساعًا داخل شبكة من المؤسسات المختلفة التي تتعامل معها من زوايا متعددة: قانونية، أخلاقية، دينية، وأكاديمية. وكل مؤسسة من هذه المؤسسات لا تنقل القضية كما هي، بل تعيد قراءتها وفق أدواتها الخاصة، وتضيف إليها بُعدًا جديدًا، أو تعيد صياغة السؤال بطريقة مختلفة.
وفي هذا السياق، يبرز ما صدر عن الجمعية العامة للكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة، حين صوّتت بأغلبية على اعتبار ما يجري في غزة إبادة جماعية. فأهمية هذا القرار لا تكمن فقط في مضمونه، بل في موقعه داخل البنية الأوسع للمشهد. فالمؤسسة هنا ليست طرفًا سياسيًا في النزاع، ولا جهة مرتبطة به جغرافيًا أو تاريخيًا، بل مؤسسة دينية تعمل داخل سياق اجتماعي مختلف، ومع ذلك تصل إلى استنتاجات تستند إلى قراءتها الخاصة للوقائع.
والأهم من ذلك أن الموقف لم يتوقف عند حدود التوصيف، بل امتد إلى تبني إجراءات تتعلق بحظر توريد السلاح وسحب الاستثمارات من شركات ترى أنها متورطة في الانتهاكات، إلى جانب تبني وثيقة “كايروس فلسطين” بما تحمله من أبعاد لاهوتية وأخلاقية وإنسانية. وهنا لا يصبح القرار مجرد موقف، بل جزءًا من عملية أوسع تتعلق بكيفية إعادة تعريف القضية داخل مؤسسات بعيدة عن سياقها الأصلي.
قد يُتفق مع هذا الموقف أو يُختلف معه، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أنه يعكس تحولًا أعمق في طبيعة النقاش نفسه، حيث لم تعد القضية محصورة في الإطار السياسي المباشر، بل بدأت تتسلل إلى داخل مؤسسات لم تكن تاريخيًا جزءًا من هذا النوع من الصراعات، لكنها أصبحت جزءًا من طريقة قراءتها للأحداث العالمية.
وهنا يبرز سؤال أكثر عمقًا من السؤال السياسي المباشر: هل يمكن فعلًا احتواء فكرة بدأت تتوزع داخل فضاءات متعددة مثل الجامعات، والكنائس، والنقابات، والمنظمات الحقوقية، ومراكز البحث، والبرلمانات؟ وهل يمكن لمعادلة الضغط السياسي أن توقف هذا التمدد التدريجي في الوعي، أو أن تعكس مسارًا بدأ يتشكل خارج إرادة أي طرف منفرد؟
التاريخ، في مجمله، لا يقدم إجابة معقدة على هذا النوع من الأسئلة. فالأفكار حين تبدأ بالانتقال من مستوى القرار السياسي إلى مستوى الضمير الجمعي، تصبح أقل خضوعًا للأدوات التقليدية للسياسة. قد تُمارس الضغوط، وقد تتغير مواقف حكومات، وقد تتراجع أطراف أو تتقدم أخرى، لكن ما لا يتغير بسهولة هو الطريقة التي تُقرأ بها الوقائع حين تخرج من إطارها الأول وتدخل إلى فضاءات أوسع من التفاعل الإنساني.
ولعل ما يميز هذه المرحلة تحديدًا أن القضية لم تعد تتحرك في خط واحد يمكن تتبعه بسهولة، بل في مسارات متعددة ومتوازية. فهي لم تعد تُدار فقط داخل أروقة القانون الدولي، بل أصبحت تتوزع بين مؤسسات مختلفة، كل منها يعيد إنتاجها بلغته الخاصة، ويمنحها زاوية مختلفة من الفهم، ويضيف إليها بُعدًا جديدًا من المعنى أو التفسير.
وهذا ما يجعل اختزالها في دعوى واحدة، أو في مصير إجراء قانوني محدد، قراءة ناقصة لطبيعة ما يجري. فالدعوى، في نهاية المطاف، ليست سوى أداة قانونية، أما ما يحيط بها فهو شبكة واسعة من التفاعلات الفكرية والأخلاقية والسياسية التي لا يمكن التحكم بها عبر مسار واحد أو قرار واحد.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: هل ستستمر دعوى جنوب أفريقيا أم تتوقف؟ بل أصبح: كيف تستمر الوقائع نفسها في إنتاج مواقف جديدة لدى أطراف لم تكن في البداية جزءًا من المشهد، لكنها وجدت نفسها مع الوقت أمام ضرورة إعادة النظر فيما تراه، وفي الطريقة التي تفهم بها ما يجري؟
فالقضايا الكبرى لا تُقاس فقط بصلابة الملف القانوني، بل بقدرتها على الانتقال من فضاء إلى آخر، ومن مؤسسة إلى أخرى، حتى تصبح جزءًا من نقاش عالمي يتجاوز قدرة أي طرف على احتوائه أو ضبط حدوده.
وهنا تتغير طبيعة المشهد بالكامل، فهو لم يعد مجرد معركة قانونية أو سياسية، بل أصبح مساحة يتشكل فيها الوعي ببطء، ويستمد قوته من تراكم الشهادات والقراءات والمواقف، لا من لحظة واحدة أو قرار واحد.
وفي النهاية، قد تتغير مواقف الدول، وقد تتبدل الحسابات السياسية، وقد تتراجع بعض المسارات تحت الضغط أو تتقدم أخرى بفعل التوازنات، لكن ما يبقى ثابتًا هو أن الوقائع حين تُقرأ خارج ضجيج السياسة، لا تتوقف عن إنتاج أسئلتها الخاصة، ولا عن دفع العالم إلى العودة إليها من زوايا مختلفة، مرة بعد أخرى، بصيغ متعددة، وبمستويات مختلفة من الفهم والتأويل،وهذا ما يجعل القضية، في جوهرها، أكبر من أصحابها الأوائل… وأكبر من أي محاولة لاختصارها في خبر.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


