شبكة قدس الإخبارية - 7/7/2026 11:12:33 AM - GMT (+2 )
غزة - شبكة قدس: لم تقتصر حرب الإبادة التي يشنها جيش الاحتلال على قطاع غزة على القوة النارية، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة جزءًا أساسيًا من منظومة الاستهداف، في ظل اتهامات باستخدام التكنولوجيا لتوسيع نطاق المراقبة والقصف.
ومع تجاوز الحرب على قطاع غزة يومها الألف، باتت تقنيات الذكاء الاصطناعي أحد المكونات الرئيسة في إدارة العمليات العسكرية للاحتلال، بالتوازي مع توسيع عملياته في لبنان واليمن وسوريا وإيران، مستندًا إلى بنية تقنية وفرتها شركات عالمية متخصصة في الحوسبة السحابية وتحليل البيانات والتعرف إلى الوجوه.
ورصدت وكالة "الأناضول" آليات توظيف جيش الاحتلال لهذه التقنيات في الأراضي الفلسطينية، مستعرضة أبرز الأنظمة الرقمية والشركات التي توفر البنية التكنولوجية المستخدمة في جمع البيانات وتحليلها وتحويلها إلى أهداف ميدانية.
من البيانات إلى الأهداف
في الحروب التقليدية، يعتمد تحديد الأهداف على المعلومات التي تجمعها الوحدات العسكرية ميدانيًا، لكن في قطاع غزة انتقلت هذه العملية إلى مستوى تقني أكثر تعقيدًا، إذ تُدمج البيانات الميدانية والرقمية في منظومات استخباراتية موحدة قبل تحويلها إلى مدخلات تدعم القرار العسكري.
ويؤدي مركز التنسيق المدني العسكري المدعوم من الولايات المتحدة دورًا في هذا المسار، من خلال ربط العمليات الميدانية لقوات الاحتلال بشبكات الاستخبارات الرقمية، ودمج صور الأقمار الصناعية والبيانات البيومترية وإشارات الطائرات المسيّرة وسجلات الاتصالات في قاعدة بيانات موحدة، تعالجها أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل إرسال نتائجها إلى الوحدات العسكرية.
وتؤدي منصة "مافن" التابعة لشركة "بالانتير" الأميركية دورًا محوريًا في دمج المعلومات الواردة من مصادر استخباراتية متعددة، وتحويل عملية تحديد الأهداف إلى منظومة شبه آلية.
كما توفر شركة "داتامينر"، المدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، تحليلات فورية للمخاطر استنادًا إلى بيانات مستخرجة من منصات التواصل الاجتماعي.
وبذلك تتحول البيانات التي تُجمع من مصادر ميدانية ورقمية متعددة إلى معلومات وتحليلات آنية تدعم عمليات جيش الاحتلال، في وقت تعتمد فيه هذه المنظومة على بنية تقنية توفرها شركات عالمية، أبرزها "بالانتير" و"داتامينر"، لتعزيز القدرات العملياتية للاحتلال.
لكن القيمة العسكرية لهذه البيانات لا تكمن في جمعها فقط، بل في تحويلها إلى أهداف قابلة للاستهداف، وهنا يبدأ الدور الأكثر إثارة للجدل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، التي لا تكتفي بتحليل المعلومات، وإنما تسهم في توجيه قرارات الاستهداف.
من "أخطاء الخوارزميات" إلى مجازر بحق المدنيين
تشير تقارير متعددة إلى استخدام الاحتلال منظومتي "لافندر" و"ويرز دادي" القائمتين على الذكاء الاصطناعي في عمليات تحديد الأهداف داخل قطاع غزة.
ورغم أن اسمي النظامين يوحيان بأنهما تطبيقان مدنيان، فإنهما يُستخدمان في تتبع آلاف الفلسطينيين بصورة مستمرة وتحليل بياناتهم ضمن منظومة رقمية تدعم عمليات الاستهداف.
ويعمل نظام "ويرز دادي" (أين أبي؟) على تتبع الأشخاص حتى وصولهم إلى منازلهم أو أماكن عملهم، ثم يرسل إشعارًا إلى قوات الاحتلال عند دخولهم إليها، بما يتيح استهداف المباني التي يوجدون فيها، بغض النظر عن وجود مدنيين آخرين.
أما نظام "لافندر" فيحلل كميات هائلة من البيانات لبناء تقديرات بشأن احتمال ارتباط فلسطينيين بحركة حماس أو فصائل أخرى، ثم يقدم هذه النتائج لاتخاذ قرارات الاستهداف.
وتشير تقارير إلى أن شركة "بالانتير"، التي شارك في تأسيسها أليكس كارب، تقف وراء تطوير هذه المنظومة أو دعمها، فيما سبق لكارب أن وصف نفسه بأنه من أكثر الرؤساء التنفيذيين دعمًا لإسرائيل.
وقال كارب إن الطلب الإسرائيلي على التقنيات المتقدمة ارتفع بصورة ملحوظة بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، وإن الشركة بدأت تزويد إسرائيل بمنتجات لم تكن توفرها لها سابقًا.
وفي كانون الثاني/يناير 2024، وقعت "بالانتير" اتفاقية شراكة استراتيجية مع الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ ومسؤولين في وزارة الأمن الإسرائيلية، وأقرت الشركة بأنها توفر لجيش الاحتلال تقنيات مخصصة لدعم عمليات تحديد الأهداف المرتبطة بالحرب.
وفي مجال المراقبة، يستخدم الاحتلال طائرات مسيّرة من إنتاج شركة "إيزي أريال" الأميركية، إلى جانب تقنيات التعرف إلى الوجوه التي تطورها شركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية، لمراقبة الحدود والتحقق من هويات الفلسطينيين وتتبع تحركاتهم.
وتتيح هذه الأنظمة بناء قواعد بيانات ضخمة تُحدّث باستمرار، بما يعزز قدرات قوات الاحتلال في المراقبة والتحليل وإدارة العمليات العسكرية.
ويرى حقوقيون أن هذا الاستخدام للذكاء الاصطناعي يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية، إذ يتيح للاحتلال تبرير سقوط المدنيين باعتباره نتيجة "أخطاء في الخوارزميات"، بما يساعده على التنصل من المسؤولية القانونية.
الحوسبة السحابية.. منصة لإدارة الحرب
ولا تقتصر المنظومة الرقمية على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل تستند أيضًا إلى بنية حوسبة سحابية تتيح جمع البيانات وتخزينها وتحليلها على نطاق واسع.
ويعد "مشروع نيمبوس"، الذي وقعته شركتا "غوغل" و**"أمازون"** مع الحكومة الإسرائيلية في نيسان/أبريل 2021 بقيمة 1.2 مليار دولار، من أبرز المشاريع التي وفرت هذه البنية للمؤسسات الحكومية والعسكرية الإسرائيلية.
وشمل المشروع إنشاء مراكز حوسبة سحابية تتيح تخزين البيانات على خوادم متصلة بالإنترنت، إلى جانب توفير خدمات متقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، بما أتاح للاحتلال جمع كميات هائلة من البيانات ومعالجتها داخل بنيته الرقمية.
وتشير وثائق مسربة إلى أن منصة "غوغل كلاود" توفر أدوات للتعرف إلى الوجوه، والتصنيف الآلي للصور، وتتبع الأشخاص والأجسام، وتحليل المشاعر والسلوك وتعابير الوجه اعتمادًا على الصور والتسجيلات الصوتية.
كما يستطيع نظام "أوتو إم إل"، أحد أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن المنصة، تحليل كميات كبيرة من البيانات في وقت واحد، تشمل سجلات المعتقلين الفلسطينيين وخطط الهجمات وتقارير الاستطلاع، لبناء سيناريوهات واقتراح إحداثيات للأهداف تمهيدًا لعمليات الاستهداف.
ولا يقتصر دور هذه المنظومة على تحليل البيانات الميدانية، بل يمتد إلى فحص الوثائق المكتوبة، ورصد المحتوى الذي يُصنف على أنه "مناهض لإسرائيل"، وتحليل البث المباشر القادم من كاميرات الشوارع والطائرات المسيّرة، بما يتيح تتبع الأشخاص والأجسام بصورة لحظية.
وتكشف هذه القدرات أن الاحتلال لا يستخدم تقنيات الحوسبة السحابية بوصفها مجرد وسيلة لتخزين البيانات، وإنما كمنصة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات هائلة من المعلومات، وتوظيف نتائجها مباشرة في التخطيط للعمليات العسكرية واتخاذ القرار.
1000 يوم من القتل الرقمي
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحولت العمليات العسكرية التي ينفذها الاحتلال، والمدعومة بمنظومات الذكاء الاصطناعي، إلى حرب خلفت دمارًا واسعًا في قطاع غزة وأثرت بصورة مباشرة على أكثر من 2.4 مليون فلسطيني.
وخلال هذه الفترة، سيطرت قوات الاحتلال على أكثر من 80% من مساحة القطاع، واستخدمت أكثر من 223 ألف طن من المتفجرات، ما أدى إلى تدمير نحو 90% من البنية التحتية المدنية.
وبحسب المعطيات الفلسطينية، بلغ عدد الشهداء الذين وصلت جثامينهم إلى المستشفيات أكثر من 73 ألفًا، غالبيتهم من المدنيين، بينهم أكثر من 21 ألفًا و500 طفل، وما يزيد على 12 ألفًا و500 امرأة.
كما أسفرت الحرب عن إصابة أكثر من 173 ألفًا و500 فلسطيني، إلى جانب إبادة آلاف العائلات بالكامل وشطبها من السجل المدني، في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية وقطاع التعليم، واستمرار التحذيرات الحقوقية من توظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في توسيع نطاق الاستهداف والمراقبة خلال الحرب على القطاع.
إقرأ المزيد


