شبكة قدس الإخبارية - 7/9/2026 12:02:20 PM - GMT (+2 )
خاص قدس الإخبارية: في قرية عطارة شمال غرب رام الله، لم تعد رحلة النساء إلى الجبال لقطف الأعشاب البرية كما كانت في السابق. فالتلال التي اعتادت النساء الوصول إليها لجمع المرمية والزعتر والنعنع البري ولسان الحمل وغيرها من النباتات التي شكلت جزءاً من حياتهن ومصدر رزق لعائلاتهن، أصبحت اليوم، وفق شهادات الأهالي، مناطق محفوفة بالخطر بعد إقامة بؤرة استيطانية في محيط القرية وتصاعد المخاوف من اعتداءات المستوطنين.
وتروي نساء من عطارة لـ "شبكة قدس" أن قطف الأعشاب البرية لم يكن مجرد عمل موسمي، بل كان جزءاً من حياة متوارثة امتدت لعقود. فمنذ ساعات الصباح الباكر كانت النساء يخرجن إلى الأراضي والجبال لجمع ما تجود به الطبيعة من أعشاب، ثم يبعنها في الأسواق أو يحتفظن بها للاستخدام المنزلي.
وتقول إحدى النساء إنها عرفت المرمية والزعتر منذ طفولتها، وإن هذه المهنة رافقتها طوال حياتها، مشيرة إلى أن دخلها من بيع الأعشاب ساعدها في تربية أبنائها وتزويجهم والمساهمة في بناء منزلها. وتوضح أن بيع الأعشاب كان يوفر لها دخلاً جيداً خلال الموسم، إذ كان سعر الطلب الواحد يتراوح بين 40 و50 شيكلاً، وهو مبلغ كان يشكل فرقاً مهماً للعائلات التي تعتمد على هذا العمل.
لكن هذا الواقع تغير، بحسب النساء، بعد وصول المستوطنين إلى المنطقة، حيث أصبحن غير قادرات على الوصول إلى الجبال التي كانت مصدر رزقهن. وتقول إحدى النساء إنهن كن يجمعن المرمية والزعتر ولسان الحمل وغيرها من النباتات بحرية، أما اليوم فأصبحن يخشين الخروج إلى تلك المناطق بسبب تعرض الأهالي، بحسب شهاداتهن، للملاحقة والاعتداء.
وتؤكد المرأة أن الأرض ليست مجرد مكان لجمع الأعشاب، بل هي جزء من الهوية والحياة اليومية، مشددة على تمسكها بالبقاء في منزلها وأرضها، ورفضها مغادرتها مهما كانت الظروف، لأن الأرض بالنسبة لها تمثل الوطن والإرث الذي لا يمكن التخلي عنه.
وتقول نجمة محمود، عضو في لجنة المساءلة في عطارة وعضو في اللجان المحلية، لـ "شبكة قدس" إن وجود المستوطنين أثّر بشكل كبير على حياة سكان القرية، وخاصة النساء والشباب، مشيرة إلى أن المنطقة التي تقع فيها البؤرة الاستيطانية تشهد حركة مستمرة للمستوطنين في شارع يستخدمه أهالي القرية أيضاً.
وتوضح محمود أن تأثير وجود المستوطنين لم يقتصر على الأراضي الزراعية، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، موضحة أن الأهالي أصبحوا يشعرون بالخوف على أطفالهم، وأن وجود المستوطنين في محيط البلدة أثر حتى على حركة طلبة المدارس في بعض الفترات، بسبب المخاوف المتعلقة بسلامتهم.
وتضيف أن المستوطنين يتحركون، بحسب قولها، تحت حماية الجيش الإسرائيلي، مشيرة إلى أن هذا الأمر يمنحهم شعوراً بالقوة ويجعل الأهالي يشعرون بعدم القدرة على مواجهة الانتهاكات. وتروي حادثة قالت إن أحد المواطنين تعرض خلالها للاستيلاء على هاتفه ومفاتيح مركبته من قبل أحد المستوطنين، بينما لم يتمكن من استعادة ممتلكاته.
وتشير محمود إلى أن النساء كن من أكثر الفئات تأثراً، إذ كانت العديد منهن يعتمدن على موسم الأعشاب البرية كمصدر دخل أساسي، خاصة خلال فترة انتشار المرمية والزعتر. وتوضح أن عدداً من النساء اللواتي خرجن لجمع الأعشاب في مناطق قريبة تعرضن، بحسب شهادات الأهالي، للاعتداء، الأمر الذي دفع كثيرات إلى التوقف عن هذه المهنة خوفاً على سلامتهن.
وتضيف أن المنطقة تخضع، وفق قولها، للمراقبة عبر كاميرات وطائرات مسيّرة، ما جعل السكان يشعرون بأن أي حركة يقومون بها في محيط الأراضي أصبحت مرصودة، وأدى إلى تراجع قدرة النساء على الوصول إلى الأراضي التي اعتدن العمل فيها.
وتقول إحدى النساء إن الأهالي حاولوا إيجاد بدائل، فبدأوا بزراعة المرمية والزعتر داخل ساحات المنازل، بعدما أصبح الوصول إلى الجبال أمراً صعباً، إلا أن هذه الزراعة لا تعوض ما كانت تمنحه الأرض المفتوحة، خاصة مع معاناة القرية من شح المياه، حيث تصل المياه إلى بعض المنازل يوماً واحداً في الأسبوع فقط.
وتوضح النساء أن اسم عطارة ارتبط تاريخياً بالأعشاب والنباتات العطرية التي تشتهر بها المنطقة، ومنها الزعتر بأنواعه المختلفة والمرمية والنعنع البري ونبات الشوى، حيث كانت رائحة هذه النباتات تعبق في الجبال وتمنح القرية طابعها الخاص.
كما تروي إحدى النساء أن الخوف وصل إلى محيط المنازل، مشيرة إلى تعرض منزلها، وفق روايتها، لهجوم أدى إلى تحطيم النوافذ والأبواب، ما ترك أثراً نفسياً عليها وعلى أفراد عائلتها، قبل أن يتم لاحقاً اتخاذ إجراءات حماية حول المنزل.
وبين فقدان موسم الأعشاب، وتراجع مصادر الدخل، والخوف من الوصول إلى الأراضي، تؤكد نساء عطارة أن ما يخسرنه ليس مجرد مهنة موسمية، بل علاقة تاريخية مع الأرض التي شكلت جزءاً من حياتهن وذاكرتهن. ورغم كل الظروف، تقول النساء إن تمسكهن بأرضهن سيبقى قائماً، وإن الأعشاب التي زرعنها داخل منازلهن تظل شاهداً على ارتباطهن بالأرض وعدم التخلي عنها.
إقرأ المزيد


