شبكة راية الإعلامية - 7/9/2026 1:26:24 PM - GMT (+2 )
قال رئيس الوزراء محمد مصطفى، إن الشعب الفلسطيني يواجه مشروعا استعماريا إحلاليا متكاملا، وليس انتهاكات متفرقة ولا إجراءات منفصلة، بما يستهدف اقتلاعه من أرضه والاستيلاء على حقوقه الوطنية، وفرض الضم والتهجير وتقويض مؤسساته الوطنية، وإعادة تشكيل الواقع السياسي والقانوني، بما يخدم منطق القوة والإكراه ولا يخدم مبادئ العدالة ولا قواعد القانون الدولي.
جاء ذلك في كلمته، التي ألقاها في ضمن فعاليات المؤتمر الوطني لنقابة المحامين، الذي عقد اليوم الخميس، تحت عنوان: "الاستيطان الإحلالي في فلسطين بين سياسات الضم والتهجير وواجبات العدالة الدولية"، لمناسبة يوم المحامي الفلسطيني، الذي يصادف التاسع من تموز / يوليو من كل عام.
وأضاف، أن أخطر ما في مشروع الاحتلال أنه لا يقتصر على مصادرة الأرض، بل يسعى أيضا إلى مصادرة الزمن والهوية والرواية، وأن يجعل الاحتلال دائما والاستيطان أمراً واقعاً والضم حقيقة مفروضة، وأن يكون غياب الدولة الفلسطينية المستقلة واقعا يمكن للعالم قبوله والتعايش معه.
وتابع مصطفى: "لم يعد خافيا على أحد أن الحكومة الإسرائيلية الفاشية الحالية تمضي بتنفيذ ما أسمته قيادتهم بـ(خطة الحسم) التي تهدف بشكل واضح إلى تقويض حل الدولتين ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، رغم ما يحظى به هذا الحل من تأييد وإجماع دولي غير مسبوق".
وأشار إلى أن هذه السياسة تتجسد في مسارين متكاملين، ففي قطاع غزة تتواصل حرب التدمير والتجويع والتهجير ومحاولات إقصاء السلطة الوطنية الفلسطينية ومنعها من الاضطلاع بمسؤوليتها الوطنية بشكل كامل، وفي الضفة الغربية يتواصل التوسع الاستيطاني وفرض واقع الضم وتصعيد اعتداءات المستوطنين، إلى جانب سياسات الخنق المالي واحتجاز أموال الشعب الفلسطيني.
وبين رئيس الوزراء أنه ورغم اختلاف الأدوات، فإن الهدف واحد ويتمثل في كسر إرادة الشعب وإضعاف المؤسسات الوطنية وقدرتها على أداء واجباتها وخدمة أبناء الشعب، وتقويض مقومات الدولة الفلسطينية ومنع تجسيدها على أرض الواقع.
وشدد على أن شعب فلسطين وعبر تاريخه الطويل، أثبت أن إرادته أقوى من سياسات الإقصاء والاقتلاع، وأن تماسكه المجتمعي وتضامنه الوطني وصموده على أرضه هو خط الدفاع الأول في مواجهة المشروع الاستيطاني الإحلالي.
وقال: "كل قرية تصمد، وكل مزارع يتمسك بأرضه، وكل أسرة ترفض التهجير، وكل مؤسسة وطنية تواصل أداء رسالتها رغم الظروف الاستثنائية، إنما تسهم في حماية المشروع الوطني وإفشال مخططات الضم والاقتلاع".
وأكد أن الرد الوطني على هذا المشروع الفاشي لن يكون مجرد رد فعل مؤقت، بل استراتيجية وطنية شاملة تقوم على تعزيز صمود المواطنين وترسيخ التكافل والتضامن المجتمعي، وتعزيز سيادة القانون واستقلال القضاء ومواصلة الإصلاح والبناء المؤسسي، واعادة توحيد شقي الوطن وتعظيم ما تم تحقيقه من إنجازات سياسية وقانونية ودبلوماسية، حتى تجسيد الدولة المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس.
وأشار إلى أن القضية الفلسطينية لم تعد اختبارا لمدى احترام حقوق شعب تحت الاحتلال فقط، بل لمصداقية العدالة الدولية نفسها وقدرتها على إنفاذ المبادئ التي قامت عليها، فالقانون الدولي واضح في رفض الاستيطان ورفض الضم بالقوة وتحريم التهجير القسري وحماية السكان الواقعين تحت الاحتلال، لكن الخلل اليوم لا يكمن في غياب القواعد بل في ضعف إنفاذها وفي الانتقائية وفي استمرار الإفلات من العقاب.
وأضاف، أن الحديث عن واجبات العدالة الدولية لا يقتصر على إصدار المواقف والأحكام، بل يشمل مسؤولية المجتمع الدولي في ضمان احترام القانون الدولي وإنفاذ قراراته ومنع سياسة الإفلات من العقاب وحماية المدنيين وصون حقوق الشعوب في تقرير مصيره، فالقانون الذي لا يجد طريقه للتطبيق يفقد جزءا من وظيفته، والعدالة التي لا تنفذ في الوقت المناسب تبقى عدالة منقوصة".
وأكد أن ذلك يجب أن يدفعنا إلى التراجع عن التمسك بل إلى التمسك بالقانون بشكل أكبر، والبناء على كل ما تحقق، فكل رأي قانوني وكل قرار قضائي وكل ملف موثق وكل اعتراف جديد بدولة فلسطين يشكل رصيدا يجب تحويله إلى قوة سياسية ودبلوماسية وقانونية متراكمة.
ودعا رئيس الوزراء إلى جعل فلسطين نموذجا لدولة تبني مؤسساتها على أساس سيادة القانون رغم الاحتلال، فالعدالة الدولية لا تبدأ في نيويورك أو لاهاي فقط، إنما في كل محكمة فلسطينية، وفي كل مؤسسة تحترم القانون، وفي كل مواطن يشعر أن حقه مصان وأن كرامته محفوظة، وأن دولته تحتكم إلى القانون في علاقتها معه، ولهذا فإن الدفاع على العدالة الدولية وبناء العدالة الوطنية ليسا مسارين متوازيين بل مسارين يعزز كل منهما الآخر.
وشدد على أن الإصلاح ليس برنامجا إداريا لتحسين الأداء فقط، وليس استجابة لظرف أو اشتراط خارجي، وفي الحالة الفلسطينية فإن الإصلاح خيار وطني وفعل سيادي لا ينفصل عن النضال لإنجاز المشروع الوطني، وأن بناء المؤسسات القوية وسيادة القانون هما جزء من معركة تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة.
وقال: "في ظل الاحتلال لا تمارس السيادة على الحدود والمعابر فقط، وإنما من خلال بناء مؤسسات وطنية قوية، وتطوير التشريعات، وتعزيز استقلال القضاء، ورفع كفاءة الإدارة العامة، وتقديم خدمة أفضل للمواطن، وترسيخ ثقة المواطن بدولته.
وفي هذا السياق، نوه إلى أن الحكومة قطعت شوطا كبيرا في تنفيذ برنامجها الإصلاحي، وتعمل بشكل وثيق مع كل المؤسسات الوطنية على تحديث الإدارة العامة وتسريع التحول الرقمي وتطوير الخدمات وتعزيز الشفافية وتحسين البيئة القانونية التي يحتاجها المواطن، مشيراً إلى أن قطاع العدالة يحتل مكانة خاصة في كل ذلك، انطلاقاً من أن ثقة المواطن هي رأس المال الحقيقي لأي منظومة عدالة.
وذكر أن العدالة لا تقاس فقط بصحة الأحكام بل أيضا بسرعة الوصول إليها ووضوح إجراءاتها وكفاءة خدماتها وقدرتها على حماية الحقوق، دون تأخير يفرغ الحق من مضمونه، لذلك فإن تطوير قطاع العدالة، بما في ذلك تطوير التشريعات وتسريع إجراءات التقاضي وتعزيز التحول الرقمي وتوسيع الوساطة والتحكيم وغيرها من الوسائل البديلة، هو أمر أساسي لبناء الثقة وحماية الحقوق وتشجيع الاستثمار والتنمية وتقوية مؤسسات الدولة.
وتطرق مصطفى كذلك إلى أهمية إعادة بناء قطاع العدالة في قطاع غزة ضمن المنظومة الوطنية الفلسطينية على طريق توحيد كل مؤسسات الوطن، بما في ذلك منظومة العدالة.
ونقل رئيس الوزراء للحضور تحيات الرئيس محمود عباس، وتقديره لقضاء العدالة وللمحامين بشكل خاص، لما يقدمونه في خدمة فلسطين، معرباً عن تقديره لنقابة المحامين الفلسطينيين ولكل مكونات قطاع القضاء والعدالة الذين يقومون بواجباتهم في أصعب الظروف.
من جانبه، أكد نقيب المحامين الفلسطينيين، فادي عباس، أن انعقاد مؤتمر النقابة بالتزامن مع يوم المحامي الفلسطيني يحمل رسالة تجذر وصمود وتشبث بالحقوق الوطنية، رغم الظروف العصيبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني.
وشدد على الدور المحوري لنقابة المحامين باعتبارها سياجاً للحريات وحصناً لسيادة القانون، وصمام أمان يدافع عن الحقوق والحريات في مواجهة أطول احتلال استعماري استيطاني في العصر الحديث، مستذكراً في هذا السياق دور الرئيس الشهيد ياسر عرفات الذي أصدر مرسوماً رئاسياً في 9 تموز / يوليو 1997، يقضي بتشكيل أول مجلس تأسيسي لنقابة محامي فلسطين.
وتحدث عن تعاظم دور النقابة الوطني من خلال توسيع دائرة شراكاتها النقابية والحقوقية على المستوى الدولي، في إطار حملات المناصرة الحقوقية مع قضايا الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، مشيرا إلى أنها كانت حاضرة في سياقات مسارات المساءلة القانونية المتعددة في مواجهة الجرائم التي تُرتكب بحق الشعب، بالشراكة مع عدد من النقابات الدولية وعدد من المؤسسات الحقوقية.
وتطرق نقيب المحامين إلى التداعيات الكارثية لحرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة، والتي أدت لاستشهاد أكثر من 200 محامٍ ومحامية فضلاً عن تدمير مقرات النقابة.
وأشاد نقيب المحامين بعزيمة أعضاء مجلس النقابة في غزة الذين بادروا باستئناف العمل عبر فروع مؤقتة، وإعادة جدولة الدورات التدريبية، وتنظيم مراسم حلف اليمين للمحامين الجدد، إلى جانب الاستمرار في تقديم الخدمات العدلية وتصديق الوثائق بشكل شبه مجاني خدمة المواطنين، مما يجسد إرادة النقابة الصلبة في البقاء بخط الدفاع الأول عن الإنسانية.
وحذر نقيب المحامين من خطورة التشريعات الإسرائيلية العنصرية الهادفة إلى تكريس الاستيطان والضم الزاحف واستهداف وكالة "الأونروا".
وشدد نقيب المحامين على ضرورة تعزيز استقلال القضاء وتحصين القاضي مهنياً واقتصادياً، مسلطاً الضوء على الحاجة المُلحة لمعالجة البنية التحتية لبعض المحاكم.
وفي كلمته، أكد رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي محمد عبد الغني العويوي، على نبل الرسالة السامية التي تحملها نقابة المحامين، والمسؤوليات الجسام التي يتحملها المحامون لحماية الأشخاص، وصون حقوقهم وحرياتهم الوطنية والشخصية، وترسيخ سيادة القانون.
وقال إن المحاماة في فلسطين لم تكن يوماً مجرد مهنة، بل كانت وما زالت رسالة وطنية وإنسانية حملها المحامون في مختلف المراحل التي عاشها الإنسان الفلسطيني على أرضه؛ مدافعين عن حقه في العدالة والكرامة، وعن قضيته العادلة في مواجهة الاحتلال وما يفرضه من انتهاكات يومية متواصلة.
وأكد أن مجلس القضاء الأعلى وبقية الشركاء، مؤمنين بأن تحقيق العدالة لا يكتمل إلا من خلال شراكة حقيقية وتكاملٍ في الأدوار بين القضاء والمحاماة، تقوم على الاحترام المتبادل وتطبيق القانون، والعمل المشترك لتطوير منظومة العدالة وتعزيز ثقة المواطنين بها.
وشدد على حرص المجلس على استمرار الحوار والتعاون مع نقابة المحامين وبقية الشركاء، بما يخدم مصلحة العدالة وجمهور المواطنين، وهذا ما تم ترسيخه قولاً وعملاً في الفترة السابقة.
وتابع العويوي أن انعقاد مؤتمر نقابة المحامين تحت عنوان: "خطوات الاستيطان الإحلالي في فلسطين ما بين سياسات الضم والتهجير وواجبات العدالة الدولية" يأتي في توقيت بالغ الأهمية؛ ليسلط الضوء على واحدة من أخطر القضايا التي يواجهها الشعب الفلسطيني، والمتمثلة في سياسات الاستيطان والضم والتهجير القسري، والتي تشكل انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
وقال: "على الرغم من فشل المجتمع الدولي في توفير الحماية للشعب الفلسطيني، إلا أن ذلك لا يجب أن يحول دون العمل بجدية من أجل بلورة موقف فلسطيني وعربي ودولي جاد وفاعل؛ لضمان الحماية والمساءلة وإنصاف الضحايا، وهم أبناء الشعب الفلسطيني العظيم على اختلاف أماكن تواجده".
وأكد رئيس مجلس القضاء الأعلى، أن العدالة الدولية لا ينبغي أن تبقى مجرد مبادئ ونصوص، بل يجب أن تتحول إلى إجراءات عملية تكفل حماية الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وتضع حداً للإفلات من العقاب، وتضمن احترام القانون الدولي وتطبيقه على الجميع دون استثناء.
وتابع: "في ظل ما تشهده الضفة الغربية وقطاع غزة من تصاعد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال اليومية، والتي تستهدف الإنسان الفلسطيني وأرضه وممتلكاته ومصادر رزقه؛ فإن المسؤولية القانونية والأخلاقية تقتضي مضاعفة الجهود لرصد هذه الجرائم وتوثيقها ومتابعتها أمام مختلف المؤسسات القضائية الوطنية والدولية، الأمر الذي يفرض على المجتمع الدولي الاضطلاع بمسؤولياته في ضمان المساءلة، وإنفاذ قواعد القانون الدولي، ووضع حد للإفلات من العقاب، ووضع حد لهذه الممارسات".
بدوره، تطرق النائب العام أكرم الخطيب، إلى أن مهنة المحاماة في فلسطين حملت رسالةٌ وطنية تتكامل مع رسالات مؤسسات الدولة وقطاع العدالة؛ فهي شريكٌ أصيل في الدفاع عن الحقوق في مواجهة المشروع الاستيطاني الإحلالي وسياسة الضم والتوسع والتهجير القسري، استناداً إلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
وأضاف أن المحامي الفلسطيني وقف في طليعة المدافعين عن الأسرى، وعن ضحايا جرائم الاحتلال والانتهاكات، وعن الحق في الحرية وتقرير المصير، وحمل القانون بوصفه وسيلةً للدفاع عن الحقيقة، وإثبات أن الاحتلال لا يُنشئ حقاً، وأن القوة لا تمنح شرعية، وأن الاستيطان سيظل جريمةً لا يغيّر من وصفها القانوني أيُّ واقع يُفرض بالقوة.
وأكد أن المحامي في فلسطين أدّى رسالته في ظروف استثنائية، متنقلاً بين المحاكم والمعتقلات والحواجز، ومؤمناً بأن العدالة لا تعرف ازدواجية المعايير، وأن الكرامة الإنسانية لا تخضع لحسابات القوة.
وأكد الخطيب أن النيابة العامة تنظر إلى المحاماة بوصفها شريكاً أصيلاً في تحقيق العدالة، إيماناً بأن بناء قضاء قوي وعدالة راسخة لا يتحقق إلا بتكامل الأدوار بين القضاء، والنيابة العامة، والمحاماة، في إطار من الاحترام المتبادل، والاستقلال، وسيادة القانون.
إقرأ المزيد


