في استكمال النقاش حول الخطاب وقدسية الدم..!
وكالة سوا الاخبارية -
2026/07/10

مدهش ما كتبته الزميلة الكاتبة تغريد سعادة في عنوانها بأنهم يتهمون غزة بالعمالة دفاعاً عن غزة، وليس هناك ما هو أبلغ تعبيراً عن الانتقادات حد التخوين، التي يشنها البعض من مؤيدي التيارات الإسلامية خارج قطاع غزة على الغزيين الذين يصرخون لكثرة ما نزفوا ولكثرة ما فقدوا، فقد استكثروا عليهم حتى الأنين. هكذا كان الأمر ولا يزال الغزيون يحاولون إقناع الآخرين أنهم بشر يتألمون ويحبون ويبكون حين يفقدون مهجة القلب، ففي لحظة باتوا يشعرون أن الجميع يريدهم قرابين للحظة نشوة يعيشها.

في مسألة ما قاله مصطفى البرغوثي، والتي سيطرت على النقاش العام لأيام، ما يحتمل عدة أوجه، وكان يمكن أن يحسم البرغوثي وجهها الإنساني لو خرج بتوضيح قال فيه: إنه يدرك أن الأم التي تفقد ابناً وتنجب عشرة تبقى معلّقة بمن فقدت للأبد، لأن هناك ما يكفي من الذكريات واللحظات والكلمات والعواطف التي اندلقت ولا أحد يعوضه، وأن جميعهم لا يملؤون فراغه، ولكن في إطار تحدي إسرائيل، نستدعي بعض البلاغة الوطنية في إطار الحفاظ على الجماعة الوطنية من الاندثار، كما كان يفعل ياسر عرفات الأكثر حرصاً على أبناء شعبنا في مواجهة آلة إبادة الشعب، وقد قدم للبرغوثي الكثير مما يساعده على النزول عن الشجرة، لكنه لم يفعل، فالغزيون حساسون تجاه إنكار الكارثة، وقد تراكمت لديهم ما يكفي من المآسي لا بسبب الموت وحده، بل لأن من هم خارج غزة لم يتواضعوا وهم يتحدثون عن الموت الجماعي كمعادلة رياضية خالية من أي أنسنة.

ولكن بدل امتصاص نقمة غزة المشروعة، التي لا تزال تسبح في بحر الدم، وبدلاً من الصمت أمام قدسية الدم والموت والحزن أمام الخيام والعذاب اليومي التي كان للفصائل فضل في إلقاء الغزيين بها، كانت فصائل فلسطينية تعلن في بيان ضد الغزيين أن ما يحدث مع البرغوثي هو «اغتيال سياسي»، كعادة الفصائل التي تبحث دائماً عن أكبر المصطلحات في بياناتها دون أن تدرك أنها مدانة أمام هذا الشعب، وأن هذا يمثل مزيداً من الاستخفاف. فلماذا تضع فصائل يفترض أن مسؤوليتها الوطنية تقتضي حماية واحتضان الشعب فجأة نفسها في حالة تضاد مع العواطف الشعبية؟ فالأمر لم يكن أكثر من ردة فعل بريئة لأناس باعدت هذه الحرب بينهم وبين من كانوا ينظِّرون من بعيد، وصل بأحدهم أن يقول في نقاش كنت جزءاً منه: «فلتمت غزة كي تنتصر القضية»، هكذا بكل بساطة دون أن يعتبر أن من يقصدهم هم أهلي وبقية عائلتي، هكذا كان يختصر موقف من هم خارج تجاه غزة، وهو ما زاد من حدية الغزيين تجاه كل من يستمد من دمها خطاباً، مهما كانت وطنيته، دون أن يتواضع أمام الفادحة والكارثة التي خلت من البطولة حيث الجميع يريد أن يكون بطلاً بفناء غزة وأهلها.

يزعج غزة كثيراً أن تدفع فائض الدم في معارك طائشة، لكن يرعبها أن يتم توظيف الدم في سياق منافسة الصراع الداخلي وتحويله إلى خطاب منزوع العواطف، وكما كشفت هذه الحرب أنها أنتجت سردية خاصة بغزة تختلف عن سردية باقي التجمعات الفلسطينية، وأن تلك التجمعات لم تدرك بعد ما الذي حدث وكيف تتحول مدينة إلى أطلال، وكيف تدفن ذكريات وضحكات وابتسامات ومخزون هائل من الحياة تحت أطلال البيوت، ويتحول المكان إلى مخزن كبير من الحزن والوجع.

لكن الحرب كشفت أيضاً أن سردية غزة مختلفة أيضاً عن سردية الفصائل التي تصر على فرض خطابها حتى وإن كان وقوده مجتمعاً كاملاً بل وأبعد، فهي تهاجم وتخوِّن كل من يشكو فائض الدم الذي أنتجه طيشها، ما يمثل ذروة الانفصال عن شعب تصر قيادته على الإنكار، لتضيف إلى تناقضات الشعب الفلسطيني واحدة من أخطرها، ليس بسبب المغامرة بشعب كامل، بل بسبب التنكر لحيوات كانت هنا، وتوظيفها في سياق استمرار لصناعة الانقسام، بل إنها في لحظة من اللحظات كانت تظن أن فائض الدم هو ما سيخدم مشروعها وسيوقف الإبادة لتستمر في القيادة.

لم يكن هناك إعدام سياسي بقدر ما هو استدعاء لا إرادي للمناعة الوطنية، والدفاع عن الذات أمام إعادة إنتاج لخطاب شديد الكلفة، ولم تتوزع هذه المرة، بل تحملته غزة وحدها، ومشكلة أكبر أن استمرار هذا الخطاب ينذر باستكمال القضاء على المكان؛ لأنه يحمل قدراً من التنكر لنتائج الواقع التي تستدعي التوقف، فالمسألة رغم هول الفقد والعواطف والذكريات وأنّه لا أحد يملأ فراغات، تتعلق بمستقبل ينذر بالقضاء على ما تبقى إذا ما أصر أن يبقى أسيراً لرؤية منفصلة عن الواقع، وما قاله البرغوثي هو إعادة تكرار نصّي لما قاله الناطق السابق باسم « حماس » سامي أبو زهري، الذي تعرض لنفس ردة الفعل، فلماذا عندما تم استدعاء غريزة البقاء اللاإرادية، ولم يوصف حينها بالاغتيال السياسي.

يعكس النقاش العام بين الفلسطينيين أزمة أكبر، حيث اصطدام الروايات والتفسير والإيحاءات الجغرافية. صحيح أن أخطر ما حدث للشعب الفلسطيني في عقوده الأخيرة هو فصل غزة عن الضفة ليكفّ الفلسطينيون عن استكمال تطورهم المشترك بهوية وثقافة واحدة، هذا صنعته الحركة الإسلامية، فيجيء خطاب الحرب ليعكس أزمة انفصال أخطر من قبل البعض، دون تفهّم غزة حتى وهي تدافع عن بقائها، فإنهم يدينونها.

ما هذا؟

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد