لا وقت للذرائع وكل الوقت لإنجاح الانتخابات
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: نبيل عمرو

كم كنّا نوّد أن تكون الانتخابات العامة في بلادنا دوريةً ومحددةً مواعيدها بقانون، وتأجيلها أو تبكيرها كذلك.

وكم يبدو إلغاء الانتخابات بمرسوم، وإعادة الذهاب إليها برسومٍ مماثل، أمرٌ غير سوي، فالمراسيم حتى لو كانت اضطرارية، تظل نقيضاً لعمل المؤسسات الرسمية المنتخبة، التي تمتلك شرعيةً هي الأقوى والأكثر صدقيةً وجدوى وإقناع.

في الحالات السوية تكون الانتخابات العامة والدورية هي الأساس، والمراسيم هي الاستثناء، ولا يصح بأي حال، أن يتفوق الاستثناء على الأساس في أي أمر.

لسنا بحاجةٍ لإظهار مزايا الانتخابات في مجتمعٍ متعلّمٍ كالمجتمع الفلسطيني، ومجرّبٍ في إدارة صموده وتنظيم حياته وإجراء انتخاباته رغم الظروف المعاكسة، ذلك أن الانتخابات القطاعية فيه لم تتوقف، والانتخابات المحلية كذلك وحتى التشريعية التي عُطّلت سنواتٍ طويلة، فسوف تُجرى للمرة الثالثة، مع تكرار لومنا وإدانتنا لتأجيلها تحت أي ذريعةٍ كانت.

أخيراً تقرر إجراء الانتخابات التي طالبنا بها بعد امتناعٍ رسميٍ غير مقنعٍ عنها، وعلينا كشعبٍ وقوىً وطنية ونقابيةٍ واجتماعية، إظهار أنها مطلبٌ شعبيٌ أصيلٌ وشامل، وليس استجابةً لضغطٍ خارجي، أو بفعل اشتراطاتٍ سياسيةٍ مهما كان مصدرها وهدفها.

حين يصدر قرارٌ سياسي، ولو على هيئة مرسومٍ رئاسي بإجرائها وتحديد موعدها، فلم يعد أمام المواطنين الفلسطينيين الذين يعدّون بالملايين على أرض الوطن والقدس في القلب منه، إلا أن يعدّوا أنفسهم لانتخاباتٍ حرةٍ ونزيهةٍ وشفّافة، فهم المسؤولون عن جودتها من خلال الانخراط الشامل فيها، ورقابة أدائها من ألفها إلى يائها، مثلما حدث في المرتين السابقتين، بحيث شهد العالم جدارة الشعب الفلسطيني في إجرائها، وقدرته على تكرارها، رغم أسوأ الظروف، ومن ينسَ الانتخابات المحلية التي جرت في طول البلاد وعرضها عام 1976، رغم وجود الاحتلال ورهاناته البائسة على توليد قيادةٍ مزوّرةٍ للشعب الفلسطيني، فإذا بصناديق الاقتراع تُظهر إجماعاً شعبياً على موقفٍ وطنيٍ واحد، تقوده وتعبّر عنه منظمة التحرير، من خلال برامجها السياسية المقرّة من مجالسها الوطنية المتعاقبة.

القرار بتحديد موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية، على أهميته القصوى يظلّ خطوةً على طريق إعادة الأمانة إلى أهلها، وإصلاح النظام السياسي المتهالك والآيل إلى الاندثار، أمّا الخطوات التالية فهي الأهم، إذ تبدأ بتجديد السجلات الانتخابية التي بلغت ما يزيد عن تسعين بالمائة قُبيل الانتخابات الثالثة التي تأجّلت أو أُلغيت، لتليها حملاتٌ انتخابية لبرامج تطرحها القوائم وتُسخّر من أجلها وبعدالةٍ لا لُبس فيها كلّ الإمكانيات الوطنية، بما في ذلك إمكانيات السلطة التي يُنفق عليها دافع الضريبة الفلسطيني، ولا يصحّ أن تُستخدم لصالح فريقٍ على حساب الآخر، وكذلك وفي الطريق إلى العملية الانتخابية وحتى إقفال الصناديق وفرز الأصوات، فلا بد من رقابةٍ دقيقةٍ يتولاها أساساً مندوبو القوائم، إضافةً إلى دعوة أكبر عددٍ ممكن من ممثلي دول العالم ومؤسساته الوازنة، للمشاركة في الرقابة كي تُقدّم شهادتها في النزاهة الفلسطينية التي تُفرز برلماناً حقيقياً هو الأكثر تعبيراً وصدقيةً على مستوى الشرعية الوطنية.

ويجب أن نحرص على تواجد المراقبين الدوليين الكثيف في انتخاباتنا، لأننا فعلاً بحاجة إلى تزكية العالم كله لهذه الانتخابات ونتائجها وقوة شرعيتها، وبداهةً أن يجري تعهدٌ باحترام النتائج مهما كانت، وذلك لتفادي الالتباسات التي نشأت بعد السجال المرير الذي نتج عن الانتخابات التشريعية الثانية التي فازت فيها حماس، بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، ومنذ ذلك الحين خسرنا برلماناً ولم نكسب سلطة.

يوم الثامن والعشرين من تشرين الثاني هذا العام، يجب أن يكون موعداً نهائياً لا تراجع عنه لإجراء انتخاباتٍ حقيقيةٍ في كل مكانٍ على أرض الوطن وفي القلب عاصمتنا الأبدية القدس، التي لا يعدم إبداعنا وسيلةً لأن تكون في صميم العملية الانتخابية قبلت إسرائيل أو لم تقبل.

ومثل كل شيءٍ في حياتنا الفلسطينية، فسوف يثور نقاشٌ حول الانتخابات وخلفياتها، ومن يتحمّس ومن يتحفّظ، ومن يعترض ومن يرضى، ومن يستعير من الماضي أخطاءه المقرّ بها للتشكيك المسبق لجدوى الانتخابات ونتائجها، كلّ ذلك جرى قبل تحديد موعد الانتخابات وسيجري بعده، ولكن الحقيقة الأقوى من كلّ التحفظات والمخاوف، هي إدراك الحاجة الملحة للذهاب فعلاً إلى الانتخابات العامة وفي الموعد المحدد لأن بديلها هو بقاء الوضع على حاله، مع مزيدٍ من التراجع والابتعاد عن عمل المؤسسة في بلدنا ومجتمعنا، وإذا لم تجري الانتخابات في موعدها وبكل شروط النجاح، فحتى إدارة البلاد بالمراسيم فلن تكون متاحة.

الانتخابات العامة لن تحلّ كل شيء لمجرد إجرائها ولكن لا شيء يُحل دون شرعية الانتخابات.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد