الانتخابات التشريعية الفلسطينية: بين إعادة إنتاج الواقع وضمان الحقوق المتساوية ترشيحًا وتصويتًا
وكالة سوا الاخبارية -
2026/07/13

أصدر الرئيس محمود عباس مرسومًا بتحديد موعد إجراء انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، بعد أن سبق ذلك إدخال تعديلات مهمة على قانون الانتخابات، كان أبرزها خفض نسبة الحسم إلى (1%)، وضمان تمثيل المرأة بنسبة لا تقل عن (30%)، وخفض سن الترشح إلى (23) عامًا، مع الإبقاء على اعتبار الوطن دائرة انتخابية واحدة.
تمثل هذه التعديلات خطوة إيجابية نحو توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وتعزيز التعددية، وإتاحة الفرصة أمام الشباب والمرأة للقيام بدور أكبر في الحياة العامة. غير أن نجاح الانتخابات لا يتوقف عند النصوص القانونية، وإنما يرتبط بالسياق السياسي والوطني الذي ستجرى فيه، وبقدرتها على أن تكون محطة في مسار بناء الدولة الفلسطينية وتجديد شرعيات مؤسساتها، لا مجرد استحقاق إجرائي.
لقد تغيرت البيئة السياسية الفلسطينية كثيرًا منذ آخر انتخابات تشريعية. فقد حصلت دولة فلسطين على اعتراف دولي واسع، ونالت صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، وانضمت إلى عشرات الاتفاقيات والمنظمات الدولية. ومن ثم، ينبغي أن تنسجم الانتخابات المقبلة مع هذه المكانة السياسية والقانونية، وألا يجري التعامل معها بمنطق يعيدها إلى سقف المرحلة الانتقالية، أو يهبط بها إلى ما دون الإنجازات الوطنية التي تحققت في تثبيت الشخصية القانونية لدولة فلسطين.
وفي الوقت ذاته، تأتي هذه الانتخابات في أعقاب حرب مدمرة تركت آثارًا إنسانية واجتماعية وسياسية عميقة، ولا سيما في قطاع غزة ، الأمر الذي يفرض تحديات استثنائية ينبغي التعامل معها بجدية ومسؤولية.
أول هذه التحديات هو ضمان إجراء الانتخابات ترشيحًا وتصويتًا في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، باعتبار أن وحدة الأرض الفلسطينية ووحدة الجسم الانتخابي تشكلان أساسًا لا غنى عنه لشرعية العملية الديمقراطية. فلا يمكن الحديث عن انتخابات وطنية كاملة إذا تعذر على جزء من الشعب الفلسطيني ممارسة حقه الدستوري بسبب إجراءات الاحتلال أو ظروف الحرب.
أما التحدي الثاني، فيتعلق بقطاع غزة، الذي لم يدخل بعد مرحلة التعافي الحقيقي. فالمواطن الذي ما زال يبحث عن مأوى أو ماء أو غذاء أو علاج، يصعب أن يمارس حقه الديمقراطي بصورة طبيعية. لذلك فإن بلوغ القطاع مستوى معقولًا من التعافي الإنساني والخدمات الأساسية، بما يتيح للناس الوصول إلى صناديق الاقتراع بحرية وأمان، يشكل شرطًا ضروريًا لضمان انتخابات حرة تعكس الإرادة الحقيقية للناخبين.
ويتمثل التحدي الثالث في مسؤولية المجتمع الدولي. فقد أنجزت القيادة الفلسطينية ما يقع على عاتقها بإصدار المرسوم الرئاسي، وتعديل قانون الانتخابات، وتحديد موعد الاستحقاق الدستوري، وباتت الكرة اليوم في ملعب المجتمع الدولي. فلم يعد مقبولًا الاكتفاء بالحديث عن دعم الديمقراطية الفلسطينية، بل أصبح مطلوبًا ممارسة ضغط سياسي وقانوني حقيقي على دولة الاحتلال لإزالة جميع العقبات التي تحول دون إجراء الانتخابات، وفي مقدمتها ضمان مشاركة القدس، ووقف الإجراءات التي تعيق حرية الحركة والعمل الانتخابي، وتهيئة الظروف التي تُمكّن أبناء قطاع غزة من ممارسة حقهم الكامل في الترشيح والاقتراع، أسوة ببقية أبناء الشعب الفلسطيني.
أما التحدي الرابع، وربما الأكثر أهمية، فهو ألا تتحول الانتخابات إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج الواقع السياسي القائم أو إعادة توزيع المواقع بين القوى ذاتها، فتُفرغ من مضمونها الديمقراطي والتجديدي. فالانتخابات ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتجديد الشرعيات، وضخ دماء جديدة في المؤسسات، وتعزيز المشاركة الشعبية، وإطلاق عملية إصلاح سياسي حقيقي تقوم على الشراكة والتعددية والتداول الديمقراطي للسلطة، بما يجعلها مدخلًا لإنهاء الانقسام لا تكريسه.
وفي هذا السياق، يبرز محذور لا يقل خطورة، يتمثل في أي تفكير بإجراء الانتخابات في الضفة الغربية دون قطاع غزة. فالقضية هنا ليست قضية جغرافيا أو جهوية، بل قضية حقوق دستورية متساوية لجميع الفلسطينيين، وقضية احترام للقانون الذي اعتبر فلسطين دائرة انتخابية واحدة. ومن ثم، فإن أي انتخابات يُحرم منها أبناء قطاع غزة، مهما كانت المبررات، ستثير إشكاليات قانونية وسياسية ووطنية عميقة، وستضعف شرعية مخرجاتها، فضلًا عن أنها قد تؤدي إلى تكريس الانقسام بدلًا من إنهائه.
إن توفير هذه الشروط لا يعني البحث عن ذرائع لتأجيل الانتخابات، بل يعني العمل منذ الآن على تهيئة البيئة التي تضمن نجاحها وتحقيق أهدافها. فكلما اقترب الموعد، ينبغي أن تتسارع الاستعدادات القانونية والإدارية والسياسية، وأن تتعامل جميع القوى مع الموعد المعلن باعتباره موعدًا قائمًا يجب الاستعداد له بكل جدية، بالتوازي مع تصعيد الجهد السياسي والدبلوماسي لحشد ضغط دولي يُلزم الاحتلال بعدم عرقلة هذا الاستحقاق الوطني والدستوري.
إن الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى انتخابات شكلية، بل إلى انتخابات تُجدد الشرعيات، وتُعيد الحيوية إلى النظام السياسي، وتعزز الوحدة الوطنية، وتواكب المكانة التي بلغتها دولة فلسطين على الصعيد الدولي. فالرهان الحقيقي ليس في مجرد الذهاب إلى صناديق الاقتراع، وإنما في أن تكون هذه الانتخابات بداية مرحلة جديدة من الإصلاح السياسي، عنوانها المساواة الكاملة في الحقوق السياسية لجميع الفلسطينيين، وتجديد النظام السياسي على أسس ديمقراطية، لا إعادة إنتاج الواقع القائم أو تكريس الانقسام، بما ينسجم مع وحدة الوطن الذي ما زال، وفق القانون والإرادة الوطنية، دائرة انتخابية واحدة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد