شبكة قدس الإخبارية - 7/14/2026 10:42:22 AM - GMT (+2 )
ترجمة خاصة - شبكة قدس: كشف تحقيق صحفي موسع نشرته مجلة "972+" الإسرائيلية، بالتعاون مع موقع "لوكال كول"، عن وثائق ومراسلات مسربة قال إنها تكشف وجود صلات مباشرة بين منصة "جسور نيوز" الناطقة بالعربية ومشروع إعلامي تقوده شخصيات ومؤسسات مقربة من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بهدف التأثير في الرأي العام العربي، والترويج لروايات تخدم سياسات الاحتلال في المنطقة.
ويستند التحقيق إلى آلاف الرسائل والوثائق التي جرى تسريبها عقب عملية اختراق إلكتروني استهدفت معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، وهو أحد أبرز مراكز الأبحاث الأمنية في "إسرائيل"، ويعمل بصورة وثيقة مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، بما فيها "الموساد" و"الشاباك" وشعبة الاستخبارات العسكرية.
وبحسب التحقيق، فإن الوثائق المسربة تشير إلى أن منصة "جسور نيوز"، التي تقدم نفسها على أنها وسيلة إعلام عربية مستقلة تعكس "نبض الشارع العربي"، ليست مجرد مؤسسة إعلامية مستقلة كما تعلن، وإنما تمثل جزءًا من مشروع إعلامي أوسع تقوده منظمة Center for Peace Communications (CPC)، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها، ويترأسها الباحث الأميركي من أصول عراقية جوزيف براود.
وأوضح التحقيق أن وثائق المعهد الإسرائيلي تضمنت إشارات إلى اجتماعات وتنسيقات بين مسؤولي المركز وجهات أمنية إسرائيلية، بهدف دعم أنشطة إعلامية تستهدف المجتمعات العربية، والعمل على نشر ما وصفته الوثائق بـ"الفكر المؤيد للغرب وإسرائيل" داخل دول المنطقة، إلى جانب إدارة حملات إعلامية تستهدف خصوم "إسرائيل"، وعلى رأسهم حركة حماس وحزب الله وإيران.
ولفت التحقيق إلى أن إحدى الوثائق تحدثت صراحة عن ربط جوزيف براود بـ"الجهات المختصة داخل المؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية"، من أجل دعم مشاريع المركز الإعلامية، فيما أشارت وثائق أخرى إلى أن "جسور نيوز" تشكل المنصة الرئيسية التي تُبث عبرها المواد الإعلامية المنتجة ضمن هذا المشروع.
منصة تدّعي الاستقلال
وتعرّف "جسور نيوز" نفسها عبر موقعها الإلكتروني بأنها منصة إعلامية مستقلة لا تنتمي إلى أي جهة سياسية، وتقول إنها تسعى إلى نقل القصص التي تعكس نبض الشعوب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ومنذ انطلاقها في مارس/آذار 2024، تمكنت المنصة من تحقيق انتشار واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تجاوز عدد متابعيها مليون متابع على "فيسبوك"، إضافة إلى نشر ما يقارب ستة آلاف مقطع فيديو عبر "يوتيوب"، حصدت أكثر من 80 مليون مشاهدة خلال فترة قصيرة.
ويرى معدّا التحقيق أن هذا الانتشار السريع لم يكن مجرد نجاح إعلامي اعتيادي، بل جاء ضمن استراتيجية إعلامية منظمة اعتمدت على إنتاج محتوى قصير موجه للجمهور العربي، يركز على استطلاعات الرأي والمقابلات الميدانية والقصص الاجتماعية، بما يضفي على المنصة صورة الوسيلة الإعلامية المستقلة والقريبة من الشارع العربي.
وفي مقابلة سابقة مع صحيفة "هآرتس"، قالت رئيسة تحرير المنصة هديل عويس إن سر نجاح "جسور" يكمن في اعتمادها على "صوت الناس" بدل البرامج السياسية التقليدية، مشيرة إلى أن مقطعًا لمواطن يتحدث في أحد الشوارع العربية قد يحصد تفاعلًا أكبر من البرامج التلفزيونية السياسية.
غير أن التحقيق يعتبر أن هذه الصورة تخفي نشاطًا مختلفًا، إذ يرى أن المنصة اعتمدت بصورة متكررة على إبراز أصوات عربية مؤيدة للتطبيع مع "إسرائيل" أو داعية إلى التفاوض معها، إلى جانب نشر مقابلات تتضمن انتقادات لحركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، في مقابل غياب شبه كامل للأصوات التي تنتقد السياسات الإسرائيلية أو توثق الانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال.
محاولة لتقديم صورة مغايرة عن واقع غزة
ومن بين أبرز الوقائع التي استند إليها التحقيق، مراسلات قال إنها تعود إلى مايو/أيار 2024، عندما تواصل أحد كبار المحررين في "جسور نيوز" مع ناشط فلسطيني من قطاع غزة، طالبًا منه تصوير مشاهد محددة من الحياة اليومية داخل القطاع.
وبحسب الرسائل التي اطلعت عليها مجلة +972، طلبت المنصة تصوير أسواق تظهر فيها كميات من الخضروات والفواكه والمواد الغذائية، إلى جانب أشخاص يتسوقون، وأمهات يشترين حليب الأطفال، ومواطنين يطهون الطعام ويتناولونه، فضلًا عن تصوير أطفال يلعبون بالمياه وأشخاص يملؤون أوعية المياه.
وأشار التحقيق إلى أن هذه الطلبات جاءت في توقيت كانت فيه الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تحذر من اتساع نطاق المجاعة في قطاع غزة، ومن الانهيار الكامل للمنظومة الغذائية والإنسانية نتيجة الحصار والحرب.
واعتبر معدّا التحقيق أن طبيعة المشاهد المطلوبة كانت تهدف إلى إنتاج محتوى إعلامي يعكس صورة مغايرة للواقع الإنساني في القطاع، بما يسهم في نفي أو التشكيك في التقارير الدولية التي كانت تتحدث عن خطر المجاعة.
وأضاف التحقيق أن المصدر الفلسطيني رفض تزويد المنصة بالمواد المطلوبة، كما أكد معدّوه أنهم لم يعثروا على أي مقاطع مشابهة نُشرت عبر حسابات "جسور نيوز" خلال تلك الفترة.
تغطية حصرية من مناطق يسيطر عليها الاحتلال
وأشار التحقيق إلى أن "جسور نيوز" كانت من بين الوسائل الإعلامية القليلة التي تمكنت من العمل داخل مناطق في رفح الشرقية تخضع لسيطرة جيش الاحتلال، وهي مناطق مُنع من الوصول إليها الصحفيون الفلسطينيون ومعظم وسائل الإعلام الدولية وحتى العديد من وسائل الإعلام الإسرائيلية.
وخلال الأشهر الماضية، نشرت المنصة سلسلة من التقارير والمقابلات الحصرية مع قادة مجموعات فلسطينية مسلحة مناهضة لحركة حماس، قال التحقيق إنها تتلقى دعماً وتسليحًا من "إسرائيل".
ومن بين هؤلاء، قائد مليشيا "القوات الشعبية" العميلة مع الاحتلال ياسر أبو شباب قبل مقتله، إضافة إلى شخصيات أخرى مثل شوقي أبو نصيرة وحسام الأسطل، حيث قدمت المنصة مقابلات وتقارير مصورة من داخل المناطق التي تنشط فيها هذه المجموعات.
ويرى التحقيق أن هذه التغطيات الإعلامية جاءت ضمن جهود تهدف إلى تقديم هذه التشكيلات المسلحة بوصفها بديلًا محليًا لحركة حماس في قطاع غزة، وهو ما يتقاطع، بحسب معدّي التحقيق، مع الرؤية الإسرائيلية الخاصة بإدارة القطاع بعد الحرب.
اجتماعات سرية وتنسيق مع مسؤولين إسرائيليين
وكشف التحقيق عن وثيقة أخرى تحدثت عن اجتماع سري عُقد في قبرص خلال سبتمبر/أيلول 2025، بمشاركة باحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، إلى جانب صحفيين وباحثين ومؤثرين من إسرائيل والأردن، إضافة إلى نائب السفير الإسرائيلي لدى الأردن.
ووفق الوثيقة، نظم الاجتماع كل من مركز Center for Peace Communications وقناة "جسور"، بقيادة جوزيف براود وفريقه، وركز على مناقشة سبل تحسين صورة "إسرائيل" داخل الأردن، وإنتاج محتوى إعلامي موجه للجمهور الأردني.
كما أشارت الوثيقة إلى أن غالبية المشاركين الأردنيين يشاركون بصورة علنية أو غير علنية في أنشطة "جسور"، وأن المجتمعين اتفقوا على تشكيل فرق عمل لإنتاج مقاطع فيديو تستهدف، بحسب نص الوثيقة، "دحض نظريات المؤامرة المعادية لـ"إسرائيل"، إضافة إلى نشر مواد تتضمن شخصيات إسرائيلية تشيد بالعلاقات مع الأردن والأسرة الحاكمة.
العلاقة مع مركز أمريكي داعم للتطبيع
وخصص التحقيق مساحة واسعة للحديث عن منظمة Center for Peace Communications، موضحًا أنها تأسست عام 2019، وتتخذ من ولاية نيويورك مقرًا لها، بينما تُظهر سجلاتها الضريبية أن غالبية مموليها يدعمون مشاريع يهودية ومؤسسات مؤيدة لـ"إسرائيل".
كما أشار إلى أن رئيسها جوزيف براود أصدر عام 2019 كتابًا بعنوان "Reclamation: A Cultural Policy for Arab-Israeli Partnership"، دعا فيه إلى إطلاق حملة إعلامية وثقافية طويلة الأمد تهدف إلى إعادة تشكيل الفضاء الثقافي والإعلامي العربي لصالح الشراكة العربية الإسرائيلية، من خلال التعاون مع حكومات وأجهزة أمنية ومؤسسات إعلامية محلية.
ويرى التحقيق أن كثيرًا من الأفكار التي تضمنها هذا الكتاب تحولت لاحقًا إلى مشاريع إعلامية عملية، كان أبرزها إطلاق "جسور نيوز" وتوسيع نشاطها في عدد من الدول العربية.
انتقادات لانتقائية التغطية
ويخلص التحقيق إلى أن تغطية "جسور نيوز" اتسمت، بحسب معدّيه، بانتقائية واضحة، إذ ركزت بصورة كبيرة على انتقاد حماس وحلفائها، بينما تجاهلت بصورة شبه كاملة الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين، بما في ذلك أوضاع الأسرى الفلسطينيين، واستهداف الصحفيين، والدمار الواسع في قطاع غزة.
كما نقل التحقيق عن متعاونين سابقين مع المنصة في سوريا وقطاع غزة قولهم إنهم لم يكونوا على علم بعلاقات "جسور" مع مركز CPC أو بالوثائق التي تربطها بجهات إسرائيلية، وأنهم كانوا يعتقدون أنهم يعملون لصالح مؤسسة إعلامية مستقلة تؤمن بقيم الديمقراطية وحرية التعبير.
وفي المقابل، رفضت رئيسة تحرير "جسور نيوز" هديل عويس الإجابة عن أسئلة التحقيق المتعلقة بمصادر تمويل المنصة أو مضمون الوثائق المسربة، مكتفية بالقول إن "جسور نيوز تفخر بإيصال أصوات جرى إسكاتها في أنحاء العالم العربي، وتقف وراء جميع تقاريرها الصحفية".
كما رفض جوزيف براود التعليق على الوثائق المسربة، معتبرًا أن مركزه يعمل من أجل "تعزيز التنمية الإنسانية والسلام بين شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، دون التطرق إلى ما ورد في الوثائق بشأن طبيعة العلاقة بين المركز و"جسور نيوز" أو الجهات الأمنية الإسرائيلية.
إقرأ المزيد


