قراءة في مقال م. تيسير محيسن: الانتخابات أم إعادة بناء المشروع الوطني؟
وكالة سوا الاخبارية -
2026/07/15

كما في كل منعطف وطني حاد، يبدع الرفيق تيسير محيسن في اجتراح أفكار خلاقة، ويقدم أطروحة سياسية متماسكة تصلح لأن تكون خارطة طريق للخروج من المأزق الفلسطيني الراهن خاصة  في ظل الجدل حول قضية الانتخابات . فهي لا تقوم على رفض الانتخابات باعتبارها حقاً دستورياً وأداة ديمقراطية، وإنما على إعادة ترتيب الأولويات الوطنية قبل الوصول إليها. وبهذا ينتقل بالنقاش من سؤال: “هل نجري الانتخابات؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: “ما الذي ينبغي إنجازه وطنياً حتى تصبح الانتخابات تتويجاً لمسار سياسي، لا بديلاً عنه؟”
لا ينطلق  مقال تيسير  من موقف مؤيد أو معارض للانتخابات، بل من محاولة لإعادة تعريف موقعها في سلم الأولويات الوطنية الفلسطينية. فالانتخابات، في نظره ، ليست هدفاً قائماً بذاته، وإنما وسيلة تتحدد قيمتها بوظيفتها السياسية. فإذا أسهمت في تعزيز المشروع الوطني، ودفع مسيرة التحرر من الاحتلال، واستعادة الوحدة الوطنية، كانت خطوة إلى الأمام. أما إذا جاءت لإعادة إنتاج النظام السياسي القائم بأدواته واختلالاته، أو لإضفاء شرعية جديدة على المرحلة الانتقالية، فإنها تصبح جزءاً من الأزمة، لا مدخلاً إلى حلها.
ومن هذا المنطلق، يعيد محيسن ترتيب الأولويات الوطنية، مقدماً مجموعة من المهام الاستراتيجية التي ينبغي أن تسبق أي استحقاق انتخابي.
أولى هذه الأولويات بناء موقف وطني فلسطيني موحد تجاه المرحلة المقبلة، لأن أي انتخابات تُجرى في ظل الانقسام وغياب رؤية سياسية مشتركة لن تنتج شرعية وطنية جامعة، بل قد تفرز شرعيات متنازعة تعمق الأزمة في لحظة يسعى فيها أعداء شعبنا إلى استثمار الانقسام لاستكمال استهداف المشروع الوطني.
أما الأولوية الثانية فتتمثل في بناء إجماع وطني تمثيلي، يعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الوطني الجامع، ويؤسس لشراكة سياسية حقيقية، بحيث تصبح الانتخابات جزءاً من عملية إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، لا مجرد إعادة تشكيل مؤسسات السلطة وما يرافقها من تنافس بين مراكز النفوذ.
وتأتي الأولوية الثالثة في ضرورة عدم الارتداد إلى سقف المرحلة الانتقالية. ويحذر المقال من أن تتحول الانتخابات إلى أداة لإعادة إنتاج المعادلات التي نشأت في ظل اتفاق أوسلو، أو إلى تكريس للسقف الذي سعى الاحتلال إلى خفضه تدريجياً حتى بات يحدده مدى تقدم جنازير دباباته وجرافات الاستيطان. بينما المطلوب هو البناء على ما تحقق من اعتراف بدولة فلسطين وتطوير المنجز الوطني، لا العودة إلى إدارة سلطة انتقالية محدودة الصلاحيات وكأن المسار السياسي لم يشهد أي تطور.
وفي السياق نفسه، يلفت الرفيق تيسير في  مقاله الهام الانتباه إلى أن جانباً كبيراً من النقاش الدولي يتركز على “إصلاح السلطة الفلسطينية” أكثر من تركيزه على إنهاء الاحتلال، الأمر الذي يفرض الحذر من أن تتحول الانتخابات إلى استجابة لأولويات خارجية، بدلاً من أن تكون استجابة لحاجات الشعب الفلسطيني ومتطلبات نضاله الوطني.
ويضع الكاتب التعافي في قطاع غزة في مقدمة هذه الأولويات. فبعد حرب الإبادة وما خلفته من دمار واسع ونزوح وانهيار اقتصادي واجتماعي، يصبح توفير شروط التعافي وإعادة بناء المجتمع وتعزيز صموده شرطاً ضرورياً قبل الحديث عن منافسة انتخابية طبيعية. فالديمقراطية لا تزدهر في بيئة ما تزال تكافح من أجل البقاء.
ولا يعني  ان مقاله يحمل الدعوة إلى إلغاء الانتخابات أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى، وإنما يعني أن تأتي الانتخابات تتويجاً لمسار وطني جديد يقوم على الوحدة والشراكة والتعافي، لا أن تكون بديلاً عن هذا المسار أو مدخلاً لإعادة إنتاج الأزمة.
إن القيمة الفكرية الأساسية لهذا المقال تكمن في أنه يعيد توجيه النقاش من الآليات إلى الأهداف، ومن الوسائل إلى الغايات، ويذكر بأن الشرعية الوطنية في حركات التحرر لا تختزل في صندوق الاقتراع وحده، وإنما تستند أيضاً إلى وحدة التمثيل، ووضوح المشروع الوطني، والقدرة على قيادة الشعب في معركة الحرية والاستقلال.
ولعل الرسالة الأهم التي يخلص إليها تيسير محيسن هي أن الانتخابات يجب أن تكون محطة تتويج لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، لا نقطة انطلاق في ظل استمرار الانقسام، وتعثر التعافي، وغياب الإجماع الوطني، وخطر العودة إلى سقف المرحلة الانتقالية. فالتحدي المطروح اليوم لا يقتصر على تجديد المؤسسات، بل يتجاوز ذلك إلى تجديد المشروع الوطني نفسه، باعتباره الإطار الجامع لكل أشكال النضال السياسي والديمقراطي.
إنها دعوة تستحق نقاشاً وطنياً واسعاً، لأنها لا تطرح سؤال الانتخابات بوصفه سؤالاً إجرائياً، بل تضعه في سياقه الأعمق: أي مشروع وطني نريد؟ وأي نظام سياسي نريد أن تبني هذه الانتخابات شرعيته؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد