عن الانتخابات، ما لها وما عليها !
وكالة سوا الاخبارية -
2026/07/16

تابعت، كغيري، ما أثير حتى الآن من ردود أفعال حزبية وفصائلية، ومن ردود سياسية وردت في عشرات المقالات الصحافية، كما وردت من خلال آلاف ردود الأفعال على وسائل التواصل الاجتماعي.

وإذا جاز لي، كمحاولة، مجرد محاولة، أن ألخص ما فهمته من خلال ردود الأفعال هذه، والتفاعلات التي أثارتها واستثارتها، فإن أول استنتاجاتي، والمدخل للجدوى الحقيقية من وراء المحاولة، هو: هل هذه الانتخابات ضرورية في هذه الظروف أم لا؟.

الأمر بسيط، لأن الانتخابات، حتى لو كانت ضرورية من حيث المبدأ، وهي ضرورية فعلاً، فإن ضرورتها الآن بالذات مسألة مرتبطة بواقع سياسي أكثر من ارتباطها بسياق الضرورة المبدئية، والجدوى المعروفة منها، مثل التجديد وإعطاء الفرص، ومثل إضفاء الحيوية والدينامية على النشاط والفعل السياسي والاجتماعي، ومسائل أخرى، لتكريس قواعد فصل السلطات وتداول السلطة.

وحتى وإن شملت أو اشتملت ضمنياً هذه الانتخابات تحديداً، وكرست جزءاً من هذه الاعتبارات والشمائل، أقصد أن ثمة فرقاً كبيراً بين أن تعقد الانتخابات بوزن المجلس التشريعي أو بوزن برلمان، كما وصف وحدد لاعتبارات المبدأ والدورية، وبين أن نعقدها لاعتبارات طارئة وعاجلة وملحة.

الانتخابات المزمع إجراؤها هي من النوع الثاني، ولكنها مغلفة بالأول.

والقوى السياسية مطالبة، كما أرى، وكذلك المنظمات السياسية والاجتماعية والحقوقية تحديداً، والشخصيات والكفاءات الوطنية والكتاب وصناع الرأي العام، بإبداء الرأي حيال هذا الأمر برمته دون مواربة أو تردد.

تستطيع السلطة التنفيذية أن تدعي أن هذه الانتخابات عملية مطلوبة كاستحقاق وطني من حيث المبدأ أولاً، ومن حيث الاعتبارات الطارئة أو العاجلة أيضاً، وهذا حقها إذا شئتم. لكن من حق المجتمع ألا يرى ذلك، وأن يرى فيها أي الانتخابات محاولة لاستخدام حق السلطة التنفيذية بأهداف، ولأهداف قد تحقق مصالح هذه السلطة قبل غيرها، أو ستحقق لجماعات وفئات سياسية وغير سياسية مصالح مغايرة لمصلحة المجتمع.

فإذا كان لدى المجتمع كحصيلة لرأي المنظمات والقوى والفصائل والشخصيات والكفاءات مثل هذا الرأي، أو تساورها الشكوك والهواجس وربما المخاوف، فإن عليها ألا تتردد بتحديد الموقف منها على الفور، وقبل الدخول في مناقشة أو الجدل حول أي اعتبار آخر.

باختصار، لسنا أمام مجرد انتخابات دورية عادية، ولسنا أمام مجرد محطة ستأتي بمائتي عضو في البرلمان الجديد، وإنما نحن أمام انتخابات قد... وتحت «قد» هذه عشرة خطوط وعلامات كثيرة للتعجب والاستفهام، قد تكرس انقسامات مجتمعية حادة وخطيرة، ولها طابع مصيري على الوجود الوطني كله.

دعونا نتبين ونحاول شرح هذه المسألة. لو كانت هذه الانتخابات عادية واستحقاقاً مجرداً، استحقاقاً مبدئياً، فهل ستؤثر أو تغير على شرعية النظام السياسي؟ وفي ظروفنا الخاصة، هل كانت ستؤثر على شرعية التمثيل تحديداً؟ الجواب القاطع: كما أرى لا.

والفرق كبير وشاسع، والفجوة هائلة، لو كان التقدير بأن هذه الانتخابات ستؤدي حتماً إلى انقسامات مجتمعية حادة تمس وتطال شرعية النظام السياسي وشرعية التمثيل الوطني من خلال هذا النظام.

ما هو الحل في مثل هذه الحال؟ الحل معروف وموصوف ومعهود في الظروف الخاصة لكل بلد أو مجتمع مثل بلدنا ومجتمعنا، وهو التوافق الوطني بقدر ما هو ممكن ومتاح، والحوار الوطني الضروري للوصول إلى هذا التوافق.

إذا فشل هذا الحوار، أو إذا رفضت السلطة التنفيذية الإقدام أو المبادرة إلى هذا الحوار، وفشلت كل الدعوات والجهود بإقناعها بضرورة وأهمية هذا الحوار، يصبح الحل هو طرح المسألة برمتها على استفتاء شعبي يحدد بقانون، أو قانون بقرار، موعده والهدف منه والنطاق الجغرافي الذي يشمله هذا الاستفتاء، وعلى أن يكون موعد عقد هذا الاستفتاء سابقاً على موعد عقد الانتخابات البرلمانية بفترة كافية.

فإذا كانت هذه القوى المجتمعية على قلب رجل واحد حيال هذا كله، وكانت تعتبر هذه الانتخابات مصيرية، وترى هذه المصيرية بأنها تهدد المصير الوطني إلى هذه الدرجة، فإن عليها أن تسعى باتجاه هذا الحل، وأن تخوض معركتها السياسية لفرض هذه الآلية الديمقراطية المشروعة، وأن تؤسس من خلال هذه المعركة، وليس دون خوضها، قبل اتخاذ أي مواقف، وقبل الذهاب إلى أي مقاربات من أي نوع كانت. فحتى لو لم تتمكن هذه القوى المجتمعية من إقناع السلطة التنفيذية بهذه الآليات وهذه الحلول، فما هو الحل؟

الحل يكمن في الإجابة عن السؤال الآتي: في حال أن أصرت السلطة التنفيذية على عقد هذه الانتخابات، متجاهلة كل الآراء ومتجاوزة كل التحذيرات، فهل ستكون مقاطعة الانتخابات هي الحل الوحيد المتبقي؟

جوابي القاطع الجازم الحاسم هو: لا كبيرة، أبداً وبالمطلق.

لماذا مثل هذا الموقف؟ أو لماذا هذا الموقف هو الموقف الصحيح والأصح؟

الجواب ببساطة هو لأن المقاطعة ستكرس نفس المخاوف التي يخشى منها كل من يرى المحاذير التي هو نفسه يحذر منها، بما فيها، وبدءاً من سؤال الشرعية واهتزازها، ومروراً بمسألة شرعية التنفيذ.

والشرعية هنا ليست مسألة معزولة عن الإطار القانوني الذي سيمتد نطاقها، إلى النطاق التمثيلي في الحالة الفلسطينية الخاصة، وانتهاءً بتعمق الانقسام المجتمعي أفقياً وعمودياً أكثر من أي وقت مضى.

باختصار، المقاطعة لا تحل أي مشكلة، وإنما تتحول إلى أكبر مشكلة في حد ذاتها. وهي، في الواقع، ستكرس، من حيث تدري أو لا تدري، ما يمكن أن تكون السلطة التنفيذية قد استهدفته من هذه الانتخابات بهذه الآلية التي تعكس توجهاً استفرادياً واستئثارياً، أبعد ما يكون عن السلوك المحمود في ظل الأخطار المحيطة والمحدقة.
على العكس من ذلك كلياً، فإني أرى أن المشاركة في هذه الانتخابات، مهما كانت القيود، ومهما كانت الشروط التي تحمل من النوايا الإقصائية ما تحمل أو تحتمل، وتهدف وتستهدف، هي صمام الأمان الوطني لها.

وسأكون أكثر صراحة بالقول، إن التزامات منظمة التحرير الفلسطينية، إذا كانت مجحفة وقاسية، وهي فعلاً كذلك، فإنها لم تعد قائمة بالمعنى العملي المباشر؛ لأن الطرف الآخر منها أسقطها، ولم يعد بحاجة لها، ولا يعول عليها، ولا يتذرع بها، ولم تعد في صلب حساباته واهتماماته.

ومن هنا، فإذا كانت هذه الالتزامات قد أعيد وضعها كشروط وقيود لعزل هذه القوى السياسية أو تلك، فلماذا لا تتجاوز هذه القوى مثل هذه القيود وهذه الشروط، طالما أنها عملياً وواقعياً لم تعد لها هذه الأهمية، وفقدت اعتباراتها السابقة، وتحولت إلى افتراضات نظرية أكل عليها الدهر وشرب؟

يكفي أن نضمن نزاهة الانتخابات، والرقابة الوطنية والإقليمية والدولية عليها، وحينها، فأنا لست على يقين بأنها ستعقد حقاً، ولست متأكداً من أن السلطة التنفيذية التي تنوي عقدها ستظل على موقفها.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد