شبكة راية الإعلامية - 7/16/2026 1:35:18 PM - GMT (+2 )
أثارت سلسلة من الحوادث العنصرية التي استهدفت اللغة العربية والعاملين العرب في أماكن عمل مختلفة في الداخل الفلسطيني، غضبًا وسخطًا واسعين، وسط تصاعد الشهادات حول محاولات منع موظفين من التحدث بلغتهم، وفرض استخدام العبرية عليهم حتى في الأحاديث التي تدور بينهم.
وبرزت أخيرًا حادثة في أحد فروع شبكة "غود فارم" بمدينة يافا، بعدما أصدرت مديرة الفرع تعليمات تمنع الموظفين العرب من التحدث بالعربية فيما بينهم خلال ساعات العمل، الأمر الذي دفع شابة عربية تبلغ من العمر 19 عامًا إلى الاستقالة احتجاجًا على القرار العنصري، وفق تقرير لموقع "عرب 48".
كما وقعت قضية مشابهة قبل نحو ثلاثة أشهر في فرع شبكة "كاسترو" بمدينة العفولة، حيث كشفت موظفة عربية أن مسؤولة في الفرع منعتها وزميلاتها من التحدث بالعربية، وصرخت في وجوههن مطالبة إياهن باستخدام لغتهن "في البيت فقط"، قبل أن يغادرن مكان العمل ويتوجهن إلى الإدارة، لتنتهي القضية باستدعائهن إلى جلسات استماع وفصلهن من العمل.
ولا يواجه المواطنون العرب في إسرائيل هذه العنصرية ضد لغتهم ووجودهم فقط داخل الشبكات التجارية، بل تسلّل الأمر أيضًا إلى المراكز الطبية، حيث كشف طبيب يعمل في أحد المستشفيات بمدينة حيفا عن تعليمات وصلت إلى الطواقم الطبية بشأن عدم استخدام اللغة العربية خلال العمل، وذلك في وقت تتزايد فيه الشهادات عن أجواء من الخوف والحذر بين العاملين العرب في الجهاز الصحي الإسرائيلي، وخصوصًا في ظل التضييق على التعبير عن الرأي والهوية العربية منذ الحرب على غزة.
وتأتي هذه الحوادث في ظل تصاعد التحريض الإسرائيلي على الفلسطينيين في البلاد ولغتهم وهويتهم، إذ تحذر جهات حقوقية من تحول الممارسات العنصرية إلى واقع يجري التطبيع معه في أماكن العمل والحيز العام، في ظل غياب المحاسبة والردع، وما يرافق ذلك من محاولات متزايدة لتهميش اللغة العربية وإقصائها.
"كرامتي وهويتي أهم من العمل"
وفي حديثها لـ"عرب 48"، قالت الموظفة التي استقالت من فرع "غود فارم" في يافا، وقد تحفظت عن ذكر اسمها، إنها "بدأت العمل في المتجر خلال عطلتها المدرسية، إلا أنها فوجئت، بعد نحو أسبوع فقط من بدء العمل، برسالة أرسلتها مديرة الفرع إلى مجموعة الموظفين، تطلب فيها من العاملين العرب الامتناع عن التحدث باللغة العربية فيما بينهم".
وأضافت أن "القرار لم يأتِ في أعقاب حادثة معينة أو شكوى محددة من أحد الزبائن، وإنما اتخذته المديرة على خلفية الأوضاع والتوتر بين العرب واليهود، وبذريعة عدم رغبتها في أن يشعر الزبائن بعدم الارتياح بسبب وجود موظفين يتحدثون بالعربية".
وأكدت أن "الرسالة أُرسلت إلى مجموعة العاملين، غير أن التعليمات كانت موجهة فعليًا إلى العاملتين العربيتين الوحيدتين في الفرع، رغم أن عددًا كبيرًا من الزبائن العرب يترددون على المتجر".
وتابعت أنها "قررت فورًا الاستقالة وعدم العودة إلى العمل. لست مستعدة للتنازل عن جزء من هويتي من أجل وظيفة أو راتب، وكرامتي وهويتي أهم من الاستمرار في مكان يفرض عليّ التخلي عن لغتي".
ولفتت إلى أنها "لم أتلقَّ بعد استقالتي أي محاولة من مديرة الفرع لتفسير موقفها أو الاعتذار عما حدث، وإنما جرى إخراجي من مجموعة الموظفين فورًا، من دون محاولة توضيح الأمر أو معالجته".
وقالت إن "هذه كانت أول فرصة عمل أحصل عليها، وكذلك أول مرة أتعرض فيها لموقف عنصري من هذا النوع، ما جعل الحادثة قاسية بالنسبة إليّ".
ورأت أن "إعلان الإدارة العامة لشبكة (غود فارم) أن التعليمات لا تمثل سياسة الشبكة ليس كافيًا، إذ يجب على مديرة الفرع نفسها الاعتراف بخطئها والاعتذار بصورة مباشرة، والإقرار بأن التعليمات التي أصدرتها كانت عنصرية وغير مقبولة. ومن جهتي، بدأت باتخاذ خطوات قضائية في أعقاب الحادثة".
"يحاولون مسح هويتنا"
وفي شهادتها التي أدلت بها لـ"عرب 48" حول الحادثة التي وقعت في فرع "كاسترو" بمدينة العفولة، قالت شابة من إحدى القرى الواقعة في سهل مرج ابن عامر، وقد تحفظت عن ذكر اسمها، إن "الواقعة حدثت قبل نحو ثلاثة أشهر، ولم تكن المرة الأولى التي أتعرض فيها لمواقف عنصرية خلال سنوات عملي في الفرع، إلا أن ما حدث هذه المرة كان أكثر حدة وخطورة".
وتابعت أن "إحدى المسؤولات في الفرع أرسلت رسالة عبر مجموعة الموظفين في تطبيق (واتساب)، تضمنت تعليمات واضحة بمنع الموظفين العرب من التحدث باللغة العربية فيما بينهم داخل المتجر، وطالبت جميع الموظفين بقراءة التعليمات والرد عليها".
وأضافت أنه "في صباح اليوم التالي، وبينما كان المتجر لا يزال مغلقًا أمام الزبائن، وكان جميع العاملين الموجودين في المكان من العرب باستثناء المسؤولة، تحدثت إحدى الموظفات بالعربية إلى زميلتها وطلبت منها وضع صندوق كرتوني في المخزن، فانفعلت المسؤولة وبدأت بالصراخ والتهديد".
وأكملت أن "خلال صراخها قالت إن استخدام اللغة العربية يكون فقط في البيت ومع عائلاتنا، وإنه لا مكان للعربية خارج المنزل، كما قالت إن المدينة، أي العفولة، يهودية ولا مكان للغة العربية فيها".
وأردفت: "اعترضنا على هذه التعليمات وأكدنا للمسؤولة أنه لا يحق لها منعنا من استخدام لغتنا، إلا أنها ردت بأن من لا تقبل بهذه التعليمات يمكنها أخذ أغراضها ومغادرة مكان العمل".
وقالت إن "الموقف كان قاسيًا بالنسبة لنا، وشعرنا بأن المسألة تتجاوز تنظيم العمل إلى محاولة مباشرة لمحو هويتنا. وقد قمنا بمغادرة المتجر والتوجه إلى مستويات إدارية أعلى على أمل الحصول على المساعدة، إلا أننا لم نجد التجاوب الذي توقعناه".
وأكدت: "توجهت، من بين أخريات، إلى مسؤول عربي في الإدارة، وكنت آمل أن يتفهم موقفنا، لكن ذلك لم يؤدِّ إلى نتيجة، لتنتهي القضية باستدعائي وزميلاتي إلى جلسات استماع وفصلنا من العمل بدلًا من محاسبة المسؤولة على تصرفاتها".
وأكدت: "لن نتنازل عن حقوقنا، ونعمل خلال هذه الفترة على تقديم شكوى واتخاذ الإجراءات اللازمة".
تعقيب شركة "كاسترو"
وعقبت شبكة "كاسترو" على الحدث باقتضاب، وقالت: "في كاسترو، نحن جميعًا نسيج إنساني واحد"، من دون التطرق إلى تفاصيل الحادثة.
تآكل مساحة حرية التعبير
وفي السياق ذاته، قال طبيب يعمل في أحد المستشفيات بمدينة حيفا لـ"عرب 48"، وقد تحفظ عن ذكر اسمه، إنه "صدرت مؤخرًا تعليمات من الإدارة بمنع استخدام أي لغة غير العبرية داخل المستشفى، علمًا أن الممرضين اليهود الروس يتحدثون بالروسية فيما بينهم".
وأكد أن "العاملين العرب في المستشفى عبّروا عن رفضهم لهذه التعليمات، خصوصًا وأننا نعتبر غالبية العاملين داخل المستشفى".
وأضاف أن "السنوات الأخيرة شهدت تغيرًا واضحًا في الأجواء داخل الجهاز الصحي، كما في أماكن العمل الأخرى، إذ أصبح العاملون العرب أكثر حذرًا في التعبير عن هويتهم وآرائهم، وخصوصًا في القضايا السياسية، خشية التعرض للمساءلة أو الاتهام".
وأكد أنه "رغم انخفاض مستوى التوتر والحروب مقارنة بالسنوات السابقة، فإن حالة الخوف والحذر من التعبير عن الرأي لا تزال حاضرة، وإن تراجعت حدتها إلى حد ما".
وتوجهت "عرب 48" إلى المستشفى المشار إليه في المقابلة، وفي حال ورود تعقيب من المستشفى سيتم نشره على الفور.
غياب المحاسبة يفتح الباب أمام ملاحقة اللغة والهوية
من جانبها، قالت مديرة المشاريع في "كرامة - المركز لمناهضة العنصرية في إسرائيل"، المحامية يارا منصور، لـ"عرب 48"، إن "العنصرية ومحاولات منع استخدام اللغة العربية في أماكن العمل والحيز العام ليست ظاهرة جديدة، وإنما تظهر من حين إلى آخر بصورة أكثر وضوحًا من خلال حادثة تحظى باهتمام واسع، في حين أنها تشكل جزءًا من مشاهد عنصرية يومية ومتواصلة".
وأضافت منصور أن "هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والاجتماعي العام، بما يشمله من اعتداءات للمستوطنين وخطاب السياسيين الإسرائيليين والتحريض على منابر الكنيست وفي وسائل الإعلام الإسرائيلية، في ظل غياب فعلي للمحاسبة والردع".
وتطرقت منصور إلى أنه "رغم تقديم شكاوى ودعاوى عديدة ضد ممارسات وتصريحات عنصرية، فإن الكثير منها لا ينتهي إلى محاسبة فعلية، الأمر الذي أدى إلى حالة من التطبيع مع العنصرية داخل المجتمع الإسرائيلي، بحيث يجري باستمرار البحث عن مبررات للممارسات العنصرية أو محاولة تقديمها على أنها نابعة من اعتبارات أخرى".
وأضافت أن "عندما يكون التحريض حاضرًا بصورة يومية ومن دون محاسبة، فإن انعكاساته تصل بصورة طبيعية إلى أماكن العمل والمستشفيات والمؤسسات المختلفة، بما في ذلك الأماكن التي لا يُفترض أن تشهد مثل هذه الممارسات".
وفصّلت أن "المطلوب من العربي اليوم لم يعد يقتصر على الامتناع عن التعبير عن رأي يخالف الرأي السائد في المجتمع الإسرائيلي أو ينتقده، وإنما بات يصل إلى مطالبته بإخفاء هويته وعدم إبرازها في الحيز العام، بما في ذلك من خلال استخدام لغته".
وحذرت من خطورة هذا الواقع على الأجيال الشابة خصوصًا، إذ قد تنشأ وهي تتعامل مع منع استخدام اللغة العربية وإخفاء الهوية باعتباره أمرًا طبيعيًا يجب التأقلم معه.
وعن الجانب القانوني، أكدت منصور أنه "لا يوجد سند قانوني يتيح لأصحاب العمل أو إدارات المؤسسات العامة فرض حظر مطلق على استخدام اللغة العربية، ورغم أن قانون القومية يكرّس العبرية لغة للدولة، إلا أنه لا يمنح أي جهة صلاحية عامة لمنع التحدث بالعربية".
ولفتت منصور إلى أن الخطوة الأولى في مواجهة هذه الظاهرة تتمثل في عدم الصمت عنها وتحدي التعليمات والممارسات العنصرية، داعية من يتعرض لمثل هذه الحالات إلى توثيقها والاحتفاظ بالأدلة والتوجه إلى الجهات والمؤسسات والمحامين المختصين وتقديم الشكاوى.
إقرأ المزيد


