وكالة سوا الاخبارية - 7/18/2026 7:26:17 AM - GMT (+2 )
بعد ما يقارب ثلاث سنوات من حرب الإبادة البشعة والدمار الكبير، لا يبدو السؤال الأكثر إلحاحاً في قطاع غزة هو: متى تُجرى الانتخابات التشريعية والرئاسية؟ بل ربما يكون السؤال الحقيقي: هل أصبح القطاع أصلًا مهيأً لإجراء انتخابات حرة ونزيهة؟
فالانتخابات ليست مجرد صناديق اقتراع وأوراق تصويت، وإنما عملية سياسية وقانونية ومجتمعية متكاملة، تقوم على بيئة آمنة، ومؤسسات فاعلة، وضمانات للنزاهة، وحرية للتنافس، وثقة لدى المواطن بأن صوته سيُحدث فرقاً. وعندما تغيب هذه المقومات، تتحول الانتخابات إلى إجراء شكلي قد يعمق الانقسام بدل أن ي فتح باب الاستقرار.
إن الواقع الذي يعيشه قطاع غزة اليوم يطرح تحديات كبيرة أمام أي حديث عن استحقاق انتخابي قريب. فالبيئة الأمنية ما زالت شديدة التعقيد، وحياة المواطنين ما تزال محكومة بالبحث اليومي عن المأوى والغذاء والمياه والعلاج، وهي احتياجات لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن المشاركة السياسية. فمن الطبيعي أن ينصرف اهتمام الإنسان الذي يبحث عن سقف يؤويه أو لقمة يطعم بها أطفاله إلى أولويات البقاء، قبل أن ينصرف إلى صناديق الاقتراع.
إلى جانب ذلك، تواجه العملية الانتخابية تحديات لوجستية وقانونية لا تقل أهمية. فجزء كبير من البنية التحتية تعرض للتدمير، والكثير من المدارس والمباني العامة التي تُستخدم عادةً كمراكز اقتراع لم تعد صالحة للاستخدام. كما أن حركة النزوح الواسعة غيّرت أماكن إقامة مئات الآلاف من المواطنين، الأمر الذي يثير تساؤلات حول السجل الانتخابي، وتحديد الدوائر، وإمكانية وصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى التساؤل حول الجهة التي ستتولى إدارة وتأمين العملية الانتخابية، وكيف سيتم ضمان سلامة المرشحين والناخبين والعاملين في الانتخابات، ومن ستكون له الولاية الفعلية على القطاع في المرحلة المقبلة، في ظل استمرار الغموض بشأن الإدارة المدنية والهيكل الحاكم. كما أن أي عملية انتخابية تحتاج إلى رقابة محلية ودولية مستقلة تعزز الثقة بنتائجها، وهو أمر يبقى محل تساؤل في ظل الظروف الراهنة.
أما سياسياً، فما يزال غياب التوافق بين القوى الفلسطينية يمثل تحدياً أساسياً أمام أي استحقاق انتخابي. فالانتخابات لا تنجح فقط يوم الاقتراع، بل تنجح عندما تتوافر الإرادة الوطنية لاحترام نتائجها والاحتكام إلى القانون والمؤسسات، وهو ما يحتاج إلى توافقات سياسية واضحة وضمانات مقبولة من جميع الأطراف.
ويبقى ملف القدس حاضراً بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية. فقد سبق أن تعثرت الانتخابات الفلسطينية عام 2021 بسبب عدم السماح بإجرائها في القدس الشرقية، الأمر الذي يطرح السؤال ذاته اليوم: هل يمكن إجراء انتخابات وطنية من دون مشاركة القدس؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فكيف يمكن تجاوز هذه المعضلة؟
كما أن التجارب السابقة تشير إلى أن المشاركة الشعبية ترتبط بدرجة كبيرة بإحساس المواطن بأن العملية السياسية تمس حياته مباشرة. وفي أوقات الأزمات الإنسانية الحادة، تتراجع الأولويات السياسية أمام متطلبات الحياة اليومية، وهو ما قد ينعكس على نسب المشاركة، ويؤثر في شرعية النتائج.
إن الانتخابات التشريعية والرئاسية ليست انتخابات بلدية محدودة، ولا استحقاقاً تنظيمياً داخلياً، وإنما محطة وطنية كبرى تتطلب بيئة مستقرة، ومؤسسات قادرة، وسلطة قانون، وضمانات أمنية وسياسية ولوجستية متكاملة.
لذلك، يبدو أن الأولوية في هذه المرحلة تتمثل في توفير الأمن والأمان، وضمان مأوى كريم يحفظ كرامة الإنسان، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، والشروع في إعادة الإعمار، ووجود إدارة مدنية مستقرة تمتلك الصلاحيات والقدرة على إدارة شؤون القطاع، بما يهيئ الأرضية لعودة الحياة الطبيعية.
فالانتخابات ليست هدفاً بحد ذاتها، وإنما وسيلة لبناء نظام سياسي مستقر. وحين تصبح الوسيلة مهددة بفقدان شروطها الأساسية، فإن الحكمة تقتضي العمل أولًا على بناء البيئة التي تمنحها معناها الحقيقي. فغزة اليوم لا تحتاج فقط إلى صناديق اقتراع، بل تحتاج قبل ذلك إلى أن تستعيد مقومات الحياة التي تجعل لصوت المواطن قيمة، وللاختيار الحر معنى، وللديمقراطية فرصة حقيقية للنجاح.
المصدر : وكالة سواجميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


