شبكة راية الإعلامية - 7/18/2026 9:03:24 AM - GMT (+2 )
الكاتب: عمر حلمي الغول
هناك قاعدة أساسية تحكم مراكز القرار - الدولة العميقة في دول العالم كافة، عنوانها منح الأنظمة السياسية مساحة حرية واسعة لها، ورصد عمليات تمويل مفتوحة الموازنات لمراكز القرار، لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والأمنية، دون ضوابط قانونية أو أخلاقية، واستباحة المحرمات المختلفة، وفق ما تقرر أجنداتها التكتيكية والاستراتيجية، بما يسمح لها فتح الأبواب المغلقة والمحظورة من قبل الأنظمة السياسية علنا، حيث تتخلى أجهزتها الأمنية عن لبس القفزات البيضاء، وتنقب عن مصالح الدول او حركات التحرر في سراديب ومستنقعات وقاع المدن لتلتقط فرائسها، وتوظف أدوات جنسية، ومالية، ومواخير الدعارة، والنوادي الليلية، والشقق السرية والجزر البحرية وغيرها، وتنسج علاقات مع الأجهزة الأمنية المناظرة دون استثناء، بما في ذلك أجهزة الدول المعادية، بعيدا عن وجود علاقات دبلوماسية أم لا. هذه قاعدة أساسية لأجهزة أمن الدول كافة، مع ضرورة الادراك بوجود تباين في قدرات مراكز الدول العميقة، وفقا لمكانة وثقل الدول.
وهذه القاعدة لا تستثني الدول الحليفة استراتيجيا أو تكتيكيا، وليست محصورة بالدول المعادية أو المنافسة لها، ولو اخذنا نموذجا العلاقات البينية بين الولايات المتحدة الأميركية وأداتها الوظيفية الإسرائيلية، فإن القاعدة تنطبق عليها، وأحيانا تتداخل المصالح والتكامل بين الدول العميقة، وأحيانا تتنافر ارتباطا بحسابات القائمين على تنفيذ سياسات الدول العميقة. وهناك امثلة عديدة: منها قضية جوناثان جاي بولارد، الجاسوس الإسرائيلي، وهو مواطن أميركي من اتباع الديانة اليهودية، ومحلل استخبارات، وجيفري ادوارد ابستين رجل اعمال وملياردير أميركي، ومرتكب جرائم اغتصاب جنسية للأطفال، ومتاجر بالبشر، وتمكن من خلال جزره المتعدد من توثيق جرائم اغتصاب للعديد من زعماء ورجالات اميركا السياسيين والأوروبيين والعرب، وكم يعلم الجميع، شهد ملفه تواترا في البحث عنه والملاحقة مع بداية الالفية الثالثة، ومازالت قضيته تقض مضاجع الإدارات الأميركية المتعاقبة وخاصة إدارة الرئيس دونالد ترمب، وغيرهم من المتورطين في خدمة مراكز القرار الإسرائيلية والأميركية.
وكان الصدع القوي في العلاقات الأميركية الإسرائيلية، ما اتهم به جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي ابستين في برنامج "جو روغان" يوم الأربعاء 15 تموز / يوليو الحالي، فقال بأن لدى الملياردير الأميركي مغتصب الأطفال "علاقات عميقة بالسياسة الإسرائيلية والأميركية، مشيرا الى أنه من الواضح، أن لديه صلات بأعلى مستويات الاستخبارات الأميركية، ومن الواضح أيضا أن لديه صلات بأعلى مستويات الاستخبارات الإسرائيلية. وعمق فكرته بالقول "بأن لديه صلات بالموساد ووكالة المخابرات المركزية وأي دولة عميقة أخرى." وأعترف فانس بأن إدارة ترمب "اساءت التعامل" مع اصدار الملفات المتعلقة بقضية المدان بالاعتداء الجنسي على الأطفال جيفري ابستين. وتابع اعترافه "إذا أراد الناس أن يقولوا إننا أسنا التعامل مع قضية إطلاق سراح ابستين، فنحن مذنبون، لقد أسنا التعامل معها، وخاصة فيما يتعلق بالتواصل بشأنها." وأضاف "لقد أفسدنا تماما الاتصالات بملفات ابستين كما فعلنا للتو." وأكد لروغان أنه كان ينبغي على الولايات المتحدة أن تنشر الوثائق بأسرع وقت ممكن، معترفا بأن تنقيح المعلومات المتعلقة بالضحايا سيستغرق وقتا. وأعترف نائب الرئيس، بأنه يعتقد بوجود "مؤمرة أوسع" تشمل ابستين وابتزاز على مستوى عال، وجاءت تعليقات واعترافات فانس، بعد أن واجهت ادارته انتقادات من قطاع واسع من الاميركيين بمن فيهم القاعدة الانتخابية.
لكن الأهم مما تقدم، وضع فانس الاصبع على دور الدولة العميقة في كل من تل ابيب وواشنطن، ووقوفها الاجرامي خلف فضائح ابستين، الذي عمل على تنفيذ خطط الدول العميقة، كما أن اقراره بوجود مؤامرة على الإدارة، له صميم العلاقة مع تطورات الصراع الأميركي الإيراني، ومحاولة إسرائيل تجييش أنصارها في البيت الأميركي وخارجه، نتاج الخلاف البيني بين الحليفين، ولكون إسرائيل مارست الخداع والتضليل من خلال رئيس وزرائها ورئيس جهاز الموساد لتوريط الرئيس ال 47 بحرب خاسرة، بغض النظر عن موازين القوى المائلة لصالح الاميركيين والإسرائيليين.
ومن عوامل الصدع المؤثرة سلبا في العلاقات الاستراتيجية بين البلدين – اميركا وإسرائيل – ما حدث في الكونغرس الأميركي يوم الأربعاء الماضي، حيث صوت أكثر من 100 نائب ديمقراطي في الكونغرس الأميركي لصالح مشروع قرار "وقف الدعم العسكري لإسرائيل"، وهو سابقة في تاريخ الكونغرس، تعكس تراجع مكانة وتأثير المنظمات الصهيونية، وخاصة "الايباك"، وتراجع دور المال الصهيوني في شراء الذمم، بل بات عبئا على الحركة الصهيونية، أو كما قال الرئيس ترمب في احدى مقابلاته في أيلول / سبتمبر 2025: عشت زمنا، كان من يهاجم إسرائيل يخرج من السياسة، والان أعيش زمنا، من يدعم إسرائيل يخرج من السياسة." كما برزت ظاهرة جديدة داخل الحزب الجمهوري في أوساط الشباب، وتيار "ماغا" الذين تخلوا عن الدعم الاعمى لإسرائيل وغير المقيد بضوابط المصالح الحيوية الأميركية. وما لفت الانتباه مؤخرا، الندوة التي حاضر فيها رام ايمانويل في جامعة تل ابيب، يوم الأربعاء 8 يوليو الحالي، تحت عنوان "حوار صريح العلاقة الأميركية – الإسرائيلية.. أين تقف اليوم" حذر فيها إسرائيل من ان الدعم الاميركي غير المشروط قد انتهى، وأن سياسات حكومتها الحالية تدفعها نحو التحول الى "دولة معزولة." وهو أحد المرشحين المحتملين للرئاسة عام 2028. وغيرها من عوامل الصدع، مما يشير الى ان بارومتر التحول السلبي يتعمق، ويأخذ منحى أكثر برودة، ويزيد من الجفاء بين اركان الإدارة الأميركية وحكومة الائتلاف النازي الإسرائيلي. وتظهر عوامل التنافر في أكثر من ملف مشترك وإقليمي، ومع ذلك، ونحن نراقب الخط البياني المنحدر في العلاقات البينية بينهما، فأن الضرورة تملي التأني في استخلاص النتائج، مع أن العوامل المذكورة شكلت ندوبا هامة، لا يجوز إغماض العين عنها، أو إغفالها والقفز عنها.
oalghoul@gmail.com
a.a.alrhman@mail.com
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


