وكالة سوا الاخبارية - 7/19/2026 7:11:21 AM - GMT (+2 )
تتقلب غزة على جمر تموز الحارق بانتظار نهاية لأطول كابوس في تاريخها، وهو كابوس لا تعرف بعد لماذا دخلته ولا كيف تخرج منه في ظل مكابرة وإنكار لواقع تحطم فيه الفاعل الرئيس لكنه لا يريد الاعتراف به، لأن به ما يسدل الستار تماماً على تجربة قدمت للفلسطينيين مستوى شديد السذاجة من الإدارة سواء إدارة البشر أو إدارة السلاح، تجربة قدمتهم وبلدهم وأبناءهم ضحايا لفكرة حالمة لم تفكر باختبار ممكناتها قبل أن تندفع بكل تلك البساطة.
مرة أخرى تتجه الأنظار للعواصم بعد أن أضاعت حماس الفرصة، فهي كتنظيم ديني لم تمتلك مفاتيح السياسة بسبب تركيزها على الأيديولوجيا واعتبار السياسة هي مجرد ممارسة عملية لتلك.
فهناك ما تسمى اللحظة، لا أعرف لماذا لم تقدم الحركة تلك التنازلات التي تفرضها هزيمة الواقع وتُقايض قبل أن يتمدد الحوار على مساحة تسعة أشهر ليصل إلى الانتخابات الإسرائيلية التي يبلغ فيها التصلب الإسرائيلي ذروته ؟.
كيف لم تلتقط بدايات الصفقة والزخم الأميركي المصاحب لها آنذاك قبل أن يتوزع اهتمامه مبدياً أولوية لحرب إيران باعتبارها أكثر تأثيراً على الداخل الأميركي ؟
ففي كل مرة ينخفض السقف وتصبح مطالب الحركة أكثر تواضعاً، وهو ما كان يجب منذ البداية اختصاراً لتلك الأشهر الطويلة التي قتلت فيها إسرائيل أكثر من ألف ومائة فلسطيني راحوا ضحية محاولات تحسين شروط لواقع مهزوم وتلك لا تستوي.
أخيراً وصلت المفاوضات إلى المقايضة التي كُتب عنها مبكراً: الموظفين مقابل السلاح، وهي المعادلة الوحيدة الممكنة في ظل الانكسار الحاصل والتي تقوم على حماية وضمان حقوق الموظفين مقابل سلاح لم يعد قادراً على حماية نفسه، بل أصبح مدعاة لقتل مزيد من الناس كذريعة يستخدمها الإسرائيلي متكئاً على رفض حماس تسليم سلاحها.
وهكذا في لعبة يمارسها ويهدينا يومياً عدداً من الشهداء دون أن ترى الحركة مبكراً أن هذا مجرد فخ استدرجته لها إسرائيل وكان المادة التي اعتاشت عليها لاستكمال مشروعها بغزة والذي وصل حسب بعض الإخبار لتراجع خطة ترامب عن إعادة الإعمار باختزالها غرب مدينة رفح.
هناك أجواء من التفاؤل لدى حركة حماس التي غادرت آخر جولة مفاوضات امتدت بين الثامن حتى الثاني عشر من هذا الشهر لاستكمال اجتماعات في اسطنبول لتحصين إجماع المقايضة، والتي يبدو أن إسرائيل تسعى لتفخيخها من خلال التصعيد اليومي والقتل الذي بلغ ذروته هذا الأسبوع بضرب جنازة في النصيرات لتعزيز موقف المعارضين في الحركة الإسلامية، كما اعتادت أن تفعل فقد قامت في لحظة ما في التهدئة باغتيال عز الدين الحداد الذي كان يدفع في اتجاه الحل والمرونة.
هكذا هو الأمر فهي تريد حماية التصلب لدى الحركة وهو مادتها الوحيدة.
يبدو أن الحركة قد فهمت أن هناك موافقة أميركية وليونة ما في ملف الموظفين إذا ما تمت مقايضته بشكل فعلي، وخصوصاً الموظفين الذين لا علاقة لهم بحركة حماس على الأغلب يبقون في مهامهم وبعضهم يمكن تحويله لمهمات مدنية وليست شرطية وإحالة عدد كبير إلى التقاعد ممن ينتمون للحركة، وهذا مفهوم ضمناً فإسرائيل التي كانت تقرر كيف توزع مائة دولار قادمة من قطر من الطبيعي ألا تسمح ببقاء أي من عناصر حماس في السلطة القادمة في غزة بعد أن تتنحى الحركة.
ذهب ميلادينوف إلى إسرائيل حاملاً الورقة وكعادتها لم ترد، فأي حل سيقطع الطريق على استراتيجياتها الكبرى في غزة لأنها لم تتنازل بعد عن مشروع التهجير.
فقبل أسبوعين فقط كانت تعقد لقاء لخلية الملف ودراسة إمكانيات الهجرة من جديد بعد أن كادت تصاب باليأس لذا كانت ترسل ميدانياً رسائل في الاتجاه المعاكس.
وهنا كان مطلوباً من حماس أن تقرأ الواقع بشكل عميق دون الانسياق لما تقوله إسرائيل وهي تدفعها باتجاهات معينة تخدم سياساتها، وإن تعمدت إسرائيل استفزاز حماس في صميم شعاراتها التي رفعتها لعقود ليس سوى لحماسة التصلب داخل مؤسساتها، فإسرائيل لا تبيع الزهور لخصومها.
وإذا كانت المُناخات القائمة والمرونة المقدمة والإيماءات الأميركية وتفاؤل ميلادينوف وارتياح الوسطاء كفيلة بخلق تفاؤل، فإن المعرفة بنوايا إسرائيل وواقعها وانتخاباتها وتراجع مقاعد الائتلاف الحاكم في الاستطلاعات يدفعها باتجاه مزيد من المماطلة ووضع مزيد من الشروط والتعديلات، وهو ما فعلته على امتداد الأشهر الماضية لتستدرج حماس في لعبة التعديلات والتعديلات المقابلة وتعدد الصياغات وتعديل المصطلحات على نمط بنية تحتية أو شيء من هذا القبيل.
كل هذا كان يتم رسمه بدهاء بهدف جرجرة المفاوضات حتى الوصول لانتخابات الكنيست فتكون غزة قد علقت في منتصفها وتصبح كل السيناريوهات مفتوحة لما يتلاءم مع مستجدات انتخابية.
الحل أن تتمسك حماس بتلك المعادلة: السلاح مقابل حقوق ومعاش موظفيها، والتي وافق عليها الوسطاء ومعهم ميلادينوف وهذا يمكن حله من خلال الوسطاء أنفسهم بصرف النظر عن ما تضعه إسرائيل من عراقيل تهدف لإدامة المأساة بغزة.
فأي تنازل تقدمه حماس سيكون في صالح غزة، وأي تصلب تبديه حماس هو ما تتكئ عليه إسرائيل .... فهل هكذا هي المعادلة ؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


