لماذا يبقى مروان البرغوثي المفتاح للوحدة والتسوية؟
وكالة سوا الاخبارية -
2026/07/20

مروان البرغوثي ليس مجرد أسير فلسطيني أمضى ما يقارب ثلاث عقود خلف القضبان، ولا مجرد قيادي بارز في حركة فتح، بل هو أحد أبرز القيادات التي اختزلت مسارًا كاملًا من تطور الحركة الوطنية الفلسطينية، بكل ما حمله من تضحيات وتحولات، ومن انتقالٍ من المقاومة الشعبية إلى السعي نحو تسوية سياسية عادلة تستند إلى الشرعية الدولية، دون التخلي عن الحقوق الوطنية الثابتة.

ولعل عودته المتكررة إلى واجهة الاهتمام لا تفسرها فقط مكانته داخل المجتمع الفلسطيني، بل أيضًا موقعه في الحسابات السياسية الإقليمية والدولية. فكلما برزت الحاجة إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، أو استعادة وحدته، أو البحث عن قيادة تحظى بشرعية وطنية واسعة، عاد اسم مروان البرغوثي باعتباره أحد الأسماء القليلة التي تتجاوز حضورها حدود التنظيم والانقسام، لتلامس فكرة القيادة الوطنية الجامعة.

فالمسألة لا تتعلق بشخص فقط، بل بما يمثله من إمكانية لالتقاء ثلاثة عناصر نادرًا ما تجتمع في شخصية سياسية واحدة وهي الشرعية النضالية، والحضور الشعبي، والقدرة على مخاطبة المستقبل السياسي بعيدًا عن منطق إدارة الصراع إلى ما لا نهاية.

لقد تدرج البرغوثي في صفوف الحركة الوطنية منذ سنوات شبابه المبكرة، وكان أحد أبرز قيادات الحركة الطلابية والوطنية في الضفة الغربية خلال السبعينيات والثمانينيات. وأسهم، مع جيل كامل من القيادات الميدانية والنقابية والشعبية، في تهيئة البيئة التنظيمية والسياسية والجماهيرية التي مهدت لانفجار الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987.

ورغم ابعاده إلى خارج الوطن قبيل اندلاعها، لكنه أصبح من موقعه في الخارج، أحد أبرز قيادات إسناد الانتفاضة سياسيًا وتنظيميًا إلى جانب الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد)، الذي كان من أبرز القادة الذين دعموا الانتفاضة وقيادتها الوطنية الموحدة. وبعد اغتياله عام 1988، واصل البرغوثي هذا الدور في إطار العمل مع الرئيس ياسر عرفات، قبل أن يعود إلى الوطن في أبريل 1994 .

لم يكن ذلك المسار مجرد انتقال بين مواقع تنظيمية، بل كان تعبيرًا عن انتمائه إلى مدرسة وطنية رأت أن النضال السياسي والشعبي لا يتناقض مع البحث عن حل تاريخي ينهي الاحتلال ويحقق الحرية والاستقلال والعودة. وهي المدرسة التي أدركت أن قوة أي قيادة فلسطينية لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود، بل أيضًا بقدرتها على تحويل التضحيات إلى مشروع سياسي قابل للتحقق.

السلام بين الأعداء لا بين الأصدقاء

لم يكن مروان البرغوثي من أنصار السلام بأي ثمن، كما لم يكن من دعاة إدارة الصراع بوصفها قدرًا أبديًا. فقد انطلق من قناعة سياسية واضحة بأن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي لا يمكن أن ينتهي إلا بإنهاء الاحتلال، وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على أساس قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي.

فالسلام لا يعني التخلي عن الحقوق، بل أن يدرك الطرفان أن التسوية التاريخية، إذا قامت على الاعتراف المتبادل والحد الأدنى من العدالة، هي الطريق الوحيد للخروج من دائرة الصراع المفتوح. ولهذا فإن القادة القادرين على صناعة السلام ليسوا بالضرورة الأكثر قبولًا في لحظات المواجهة، بل الأكثر قدرة على إقناع شعوبهم بأن السلام الممكن أفضل من الحرب بلا نهاية.

وهذا ما أدركته عبر التاريخ قيادات وطنية في مختلف الصراعات. فالقوة التي يحتاجها السلام ليست قوة السلاح فقط، بل قوة الشرعية والقدرة على تحمل مسؤولية القرارات التاريخية. وحدهم القادة الذين يمتلكون ثقة شعوبهم يستطيعون الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة التسوية دون أن يفقدوا شرعيتهم الوطنية.وكان هذا الفهم يتقاطع مع رؤية عدد من القيادات الوطنية الفلسطينية، وربما مع بعض القيادات الإسرائيلية التي خبرت كلفة الصراع الدامي،لكنها لم تمتلك الإرادة السياسية والشجاعة اللازمة للذهاب نحو تسوية تاريخية جوهرها الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني كما عرفتها الشرعية الدولية وليست تسوية بين الأسياد والعبيد كما حاولت معظم الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة فرضها، لا سيما الحكومة الحالية.

وقد راهنت قطاعات من اليمين الإسرائيلي على إمكانية إضعاف القيادة الفلسطينية أو إنتاج قيادة تقبل بأقل مما يمكن أن يقبله الشعب الفلسطيني، بدل مواجهة جوهر الصراع ومعالجة أسبابه التاريخية والسياسية. فكانت النتيجة مسارًا مأساويًا تمثل في اغتيال ياسر عرفات، واعتقال مروان البرغوثي، ثم استمرار استهداف المسارات السياسية والشخصيات التي ارتبطت بخيارات أكثر براغماتية داخل الساحة الفلسطينية، بما أسهم، إلى جانب عوامل فلسطينية وإقليمية ودولية أخرى، في فتح الطريق أمام صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف، واليمين الديني القومي الداعشي، والتيارات العنصرية التي ترى في استمرار الصراع أداة للحفاظ على مشروعها السياسي.

لماذا مروان؟ وما أوجه الشبه والاختلاف مع ياسر عرفات؟

لا تأتي أهمية مروان البرغوثي من كونه نسخة عن ياسر عرفات، فلكل منهما سياقه التاريخي وخصائصه الشخصية والسياسية، لكن المقارنة بينهما تفرض نفسها عند الحديث عن طبيعة القيادة الفلسطينية القادرة على التعامل مع لحظات التحول الكبرى.

كان ياسر عرفات قائد مرحلة التأسيس السياسي المعاصر لمنظمة التحرير الفلسطينية، والرجل الذي نجح، عبر عقود من العمل الوطني، في تحويل القضية الفلسطينية من قضية لاجئين إلى قضية شعب له حقوق سياسية معترف بها دوليًا. امتلك قدرة استثنائية على بناء الحركة الوطنية الفلسطينية والحفاظ على حضورها رغم الظروف الإقليمية والدولية المعقدة، ثم اتخذ القرار التاريخي بالانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة والتسوية السياسية.

أما مروان البرغوثي، فقد تبلورت شخصيته في جيل مختلف؛ جيل الانتفاضة الفلسطينية الأولى، الذي نشأ في ظل الاحتلال المباشر، واختبر قدرة الشعب الفلسطيني على الفعل الجماهيري والتنظيم الشعبي داخل الوطن. ولذلك اكتسب حضوره من موقع القائد الميداني والسياسي الذي جمع بين العمل التنظيمي والحضور الشعبي، قبل أن يصبح أحد أبرز الوجوه الفلسطينية التي ربطت بين النضال الوطني والحاجة إلى أفق سياسي جدي ينهي الصراع.

والتشابه الأهم بين الرجلين لا يكمن فقط في الانتماء إلى مدرسة سياسية ووطنية واحدة، بل في طبيعة الشرعية التي استندا إليها وهي شرعية نابعة من التجربة الوطنية المباشرة، ومن القدرة على مخاطبة الناس، لا من موقع مفروض أو من شرعية خارجية. فكلاهما أدرك أن أي قيادة فلسطينية قادرة على اتخاذ قرارات تاريخية تحتاج أولًا إلى ثقة شعبها وإلى مؤسسات وطنية تستند إلى المشاركة الشعبية.

لكن الاختلاف بينهما لا يقل أهمية عن التشابه. فعرفات قاد منظمة التحرير في زمن كانت فيه الحركة الوطنية الفلسطينية تخوض معركة تثبيت الوجود السياسي للقضية الفلسطينية على المستوى الدولي، ثم خاض تجربة الحكم بكل تعقيداتها وتناقضاتها بعد قيام السلطة الوطنية. أما البرغوثي، فقد بقي بعيدًا عن ممارسة السلطة التنفيذية، الأمر الذي أبقاه خارج كثير من أعباء التجربة اليومية للحكم، لكنه في الوقت ذاته حرمه من فرصة اختبار رؤيته السياسية والمؤسساتية في إدارة الواقع العملي.

ومع ذلك، فإن العامل المشترك الأبرز يبقى السؤال التاريخي ذاته وهو كيف يمكن لشعب واقع تحت الاحتلال أن يحافظ على حقوقه الوطنية، وفي الوقت نفسه يمتلك قيادة قادرة على اتخاذ القرارات الصعبة عندما تلوح فرصة حقيقية.

لقد أدرك عرفات في نهاية المطاف أن السلام يحتاج إلى شريك إسرائيلي قادر على اتخاذ قرارات مؤلمة، كما يحتاج إلى قيادة فلسطينية تمتلك الشرعية لتحمل مسؤولية تلك القرارات. وربما تكمن أهمية البرغوثي، بالنسبة لمن يرون فيه شخصية قادرة على لعب دور تاريخي، في امتلاكه بعض مقومات هذه المعادلة وهي تاريخ نضالي يمنحه الشرعية، ورؤية سياسية تفتح الباب أمام التسوية، وقدرة محتملة على مخاطبة جمهور فلسطيني واسع.

لكن أي دور تاريخي لمروان البرغوثي، كما لأي قائد فلسطيني آخر، لا يمكن أن ينجح خارج إطار إعادة بناء المؤسسات الوطنية الديمقراطية، وإنهاء الانقسام، واستعادة وحدة القرار الفلسطيني. فالرموز قد تفتح الأبواب، لكنها لا تستطيع وحدها بناء المستقبل. وحدها المؤسسات القوية والشرعية الشعبية قادرة على تحويل اللحظات التاريخية إلى مشروع وطني مستدام.

بين الرمز والمؤسسة: لا خلاص لشعب بلا قيادة ولا مؤسسات

في النهاية، لا تتمثل القضية في مروان البرغوثي كشخص، ولا في تحويل أي قائد إلى بديل عن الشعب أو عن المؤسسات الوطنية. فالشعوب لا تبني مستقبلها بالرموز وحدها، مهما كانت مكانتها التاريخية، بل بالمؤسسات الديمقراطية، والشرعية الشعبية، والقدرة على تحويل التضحيات والتطلعات إلى مشروع سياسي قابل للحياة.

لكن التاريخ يعلمنا أيضًا أن بعض الشخصيات تصبح، في لحظات التحولات الكبرى، أكثر من مجرد أفراد. فهي تختزل تجارب أجيال، وتحمل في حضورها إمكانية تجاوز الانقسامات وفتح مسارات جديدة. ومن هنا تأتي أهمية مروان البرغوثي، ليس باعتباره الحل الوحيد، بل باعتباره أبرز المفاتيح المحتملة لإعادة بناء مركز وطني فلسطيني جامع، قادر على الجمع بين الوحدة الداخلية والرؤية السياسية الواقعية.

ولهذا فإن الخطوة الأولى التي لا يمكن تجاوزها فلسطينيًا تتمثل في استعادة الشرعية الداخلية عبر انتخابات رئاسية تليها انتخابات تشريعية حرة، تعيد بناء العلاقة بين الشعب وقيادته، وتفتح الطريق أمام تجديد المؤسسات الوطنية على أساس المشاركة والمساءلة وإنهاء الانقسام .

فالانتخابات ليست شأنًا فلسطينيًا داخليًا فقط، بل هي جزء من معادلة الصراع نفسها. إذ لا يمكن لشعب أن يخوض مرحلة تاريخية جديدة من دون قيادة تستند إلى تفويض شعبي واضح، كما لا يمكن لأي طرف دولي أو إقليمي أن يتعامل بجدية مع شريك فلسطيني ما لم يكن هذا الشريك نابعًا من إرادة شعبه ومؤسساته.

وفي المقابل، فإن إسرائيل تواجه هي الأخرى استحقاقًا تاريخيًا لا يمكن الهروب منه. فقد أثبتت التجربة أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع إنتاج سلام أو أمن دائمين. وعلى إسرائيل أن تستخلص العبر من تاريخ الصراع، وأن تدرك أن مستقبلها لا يمكن أن يُبنى على الابادة واستمرار الاحتلال أو الضم أو إدارة الصراع، بل على الاعتراف بأن الأمن الحقيقي مرتبط بإنهاء أسباب الصراع.

ومن اللافت أن اسم مروان البرغوثي لم يعد حاضرًا فقط في النقاش الفلسطيني والإسرائيلي، بل ظهر أيضًا في الحسابات السياسية الدولية. فقد أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إليه بالاسم خلال النقاشات المرتبطة بصفقة تبادل الأسرى ووقف "الحرب" في غزة ، بما يعكس إدراكًا بأن مسألة القيادة الفلسطينية يجب أن تكون جزءًا من أي ترتيبات سياسية طويلة الأمد. وهذا يضع ترامب أمام اختبار حقيقي ينسجم مع براغماتيته السياسية. فهل يكتفي بإدارة الأزمات وعقد الصفقات المرحلية، أم يدرك أن مصلحة إسرائيل نفسها لا تكمن في مسارات الحروب المفتوحة، بل في تسوية تاريخية تنهي الصراع؟

فرغم انحيازات ترامب المعروفة لإسرائيل، فإن أي قراءة واقعية لمستقبل المنطقة يفترض أن تقوده إلى إدراك حقيقة أساسية بأن حاجة الشعب الإسرائيلي للسلام لا تقل عن حاجة الفلسطينيين بأن يكون هذا السلام عادلًا ، لأن استمرار الصراع يهدد بتحويل قوة اسرائيل العسكرية إلى عبء استراتيجي دائم.

غير أن هذا السلام لا يمكن أن يولد من السياسات التي يقودها منطق الضم والتصفية والقوة المطلقة. فالمسار الذي اتخذته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، من تسارع مشاريع الضم، وتوسيع الاستيطان، ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية سياسيًا، وصولًا إلى حرب الابادة على قطاع غزة، كما يصفها كثير من الخبراء والمنظمات الحقوقية الدولية، يكشف عمق الأزمة التي تواجه مستقبل المنطقة.

فالسلام لا يبنى على أنقاض شعب، ولا على محاولة محو هوية وطنية متجذرة، ولا على فرض واقع دائم بالقوة. إن محاولات إخضاع الشعب الفلسطيني أو تجاوز حقوقه الوطنية لن تنهي القضية، بل ستعيد إنتاج الصراع بأشكال أكثر خطورة. ولهذا فإن أي فرصة حقيقية للخروج من هذا المسار تحتاج إلى تدخل دولي فاعل، لا يقتصر على إدارة الأزمات أو وقف إطلاق النار المؤقت، بل يعمل ضمن إطار القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

فالمطلوب ليس مجرد اتفاق جديد، بل تغيير في قواعد اللعبة؛ فلسطينيًا عبر استعادة الشرعية والوحدة وبناء المؤسسات، وإسرائيليًا عبر الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، ودوليًا عبر تحمل مسؤولية إنهاء صراع طال أكثر مما ينبغي.

وفي هذه المعادلة، يبقى مروان البرغوثي رمزًا لسؤال أكبر من شخصه وهو هل يستطيع الفلسطينيون والإسرائيليون تحويل عقود من الصراع إلى بداية طريق جديد، أم سيبقى الجميع أسرى منطق الحرب الذي لم ينتج سوى مزيد من الدماء والخسارات؟

فالسلام بين الأعداء ممكن، لكنه يحتاج إلى قادة يمتلكون الشرعية والشجاعة، وإلى مجتمع دولي يمتلك الإرادة لتغليب منطق القانون على منطق القوة.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد