تقدير موقف: الحرب الأمريكية – الإيرانية ومستويات التصعيد المتوقعة وارتداداتها على الشرق الأوسط
شبكة قدس الإخبارية -

تشهد المواجهة الأمريكية الإيرانية تحولاً نوعياً يتجاوز مفهوم الضربات العسكرية المحدودة إلى مرحلة جديدة عنوانها استهداف البنى التحتية وفرض الوقائع الاستراتيجية. فلم تعد الحرب تقتصر على تبادل الرسائل العسكرية أو الردود المحسوبة، بل باتت تدور حول إعادة تشكيل موازين القوة في الخليج العربي، وتحديداً في مضيق هرمز، بما يحمله ذلك من تداعيات على أمن الطاقة العالمي، واستقرار الشرق الأوسط، ومستقبل النظام الإقليمي.

وتشير مجمل المؤشرات إلى أن الطرفين لا يخوضان حرباً بهدف تحقيق نصر عسكري تقليدي، وإنما يستخدمان القوة المسلحة كأداة لفرض شروط سياسية واستراتيجية جديدة. فالولايات المتحدة تسعى إلى إجبار إيران على تعديل سلوكها الإقليمي وتقليص نفوذها العسكري وإعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز وفق الرؤية الأمريكية، بينما ترى طهران أن الحفاظ على السيطرة الفعلية على المضيق يمثل آخر أوراق القوة الاستراتيجية القادرة على موازنة التفوق العسكري الأمريكي وضمان بقاء النظام.

وتكشف القراءة المقارنة للمواد المنشورة في الصحافة ومراكز التفكير الإسرائيلية أن التقدير السائد داخل دوائر الأمن الإسرائيلية يقوم على أن الحرب دخلت بالفعل مرحلة جديدة، تختلف عن جميع جولات التصعيد السابقة، لأنها انتقلت من استهداف القدرات العسكرية إلى استهداف مقومات الدولة نفسها. فالتوجه الأمريكي نحو ضرب منشآت الطاقة والجسور وشبكات الكهرباء والموانئ يعني الانتقال من سياسة الاستنزاف العسكري إلى سياسة إنهاك الدولة الإيرانية وإضعاف قدرتها على الاستمرار اقتصادياً وإدارياً.

وفي المقابل، تدرك إيران أن الرد بالمستوى ذاته داخل الأراضي الأمريكية غير ممكن، ولذلك تعمل على توسيع دائرة الردع عبر استهداف البنى التحتية الحيوية للدول الحليفة لواشنطن، سواء في الخليج أو في محيط إسرائيل، مع الحفاظ على مستوى محسوب من التصعيد يمنع الانزلاق المباشر إلى حرب شاملة.

وتبرز هنا قضية مضيق هرمز باعتبارها مركز الثقل الحقيقي للحرب الحالية. فالمضيق لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل أصبح محور الصراع السياسي والعسكري بين الطرفين. فالإدارة الأمريكية تنظر إلى حرية الملاحة باعتبارها مصلحة استراتيجية عالمية لا يجوز لإيران التحكم بها، بينما تعتبر طهران أن السيطرة على المضيق تمثل حقاً سيادياً وأداة ردع استراتيجية لا يمكن التخلي عنها، خصوصاً بعد تعرض برنامجها النووي وقدراتها العسكرية لسلسلة من الضربات.

ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير معظم الهجمات المتبادلة خلال الأسابيع الأخيرة باعتبارها محاولات لفرض تفسير مختلف للواقع الجديد في الخليج، وليس مجرد ردود فعل تكتيكية. فكل ناقلة نفط، وكل قاعدة عسكرية، وكل جزيرة في محيط المضيق أصبحت جزءاً من معركة أوسع تتعلق بمن يمتلك حق إدارة الخليج في مرحلة ما بعد الحرب.

وتكشف الكتابات الإسرائيلية أيضاً عن إدراك واضح بأن واشنطن، رغم التصعيد العسكري، لا تزال تفضل الاحتفاظ بإمكانية العودة إلى المسار السياسي. فالضربات العسكرية تُستخدم لزيادة الضغط وليس لإسقاط النظام الإيراني بصورة مباشرة، لأن إسقاط النظام دون وجود تصور واضح لـ"اليوم التالي" قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية يصعب احتواؤها. وفي المقابل، تبدو طهران أكثر استعداداً لتحمل الضغوط الاقتصادية والعسكرية طالما أنها تحتفظ بورقة هرمز وبقدرتها على تهديد أمن الطاقة العالمي.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن رسم أربعة مستويات رئيسية للتصعيد خلال المرحلة المقبلة.

المستوى الأول يتمثل في استمرار الحرب المحدودة والمنضبطة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب. وفي هذا السيناريو تستمر الولايات المتحدة في تنفيذ ضربات دقيقة ضد مواقع عسكرية ومنشآت مرتبطة بالحرس الثوري، بينما تواصل إيران استهداف قواعد أمريكية أو منشآت حيوية في دول الخليج عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عبر وكلائها الإقليميين، مع تجنب تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى حرب مفتوحة. ويحقق هذا المستوى للطرفين مكاسب سياسية دون تحمل كلفة الحرب الشاملة.

أما المستوى الثاني فهو حرب البنى التحتية، وهو السيناريو الذي تشير إليه معظم التقديرات الإسرائيلية باعتباره نقطة التحول الأخطر. فإذا انتقلت الولايات المتحدة إلى استهداف محطات الكهرباء، وشبكات الطاقة، والجسور، والموانئ، فإن إيران سترد على الأرجح باستهداف منشآت النفط والغاز، ومحطات تحلية المياه، والموانئ التجارية في الخليج، إضافة إلى تكثيف الهجمات على الممرات البحرية. ويؤدي هذا السيناريو إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وتهديد مباشر للاقتصادات الخليجية.

أما المستوى الثالث فيتمثل في اتساع الحرب إقليمياً، حيث تنتقل المواجهة من الخليج إلى مسارح متعددة تشمل العراق ولبنان واليمن وربما البحر الأحمر. وفي هذه الحالة ستلعب القوى الحليفة لإيران دوراً أكبر في استنزاف المصالح الأمريكية والإسرائيلية، بينما قد تجد إسرائيل نفسها طرفاً مباشراً في الحرب، سواء نتيجة هجمات إيرانية أو نتيجة قرار سياسي بالمشاركة العسكرية.

أما المستوى الرابع، وهو الأقل احتمالاً لكنه الأكثر خطورة، فيتمثل في الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تشمل ضربات واسعة داخل العمق الإيراني، ومحاولات لتدمير البنية العسكرية والاقتصادية للنظام، يقابلها استهداف شامل للقواعد الأمريكية في المنطقة وإغلاق فعلي لمضيق هرمز وتصعيد واسع ضد إسرائيل ودول الخليج. وسيؤدي هذا السيناريو إلى أخطر أزمة إقليمية منذ عقود، مع انعكاسات اقتصادية وسياسية تتجاوز الشرق الأوسط إلى النظام الدولي بأكمله.

أما على مستوى الارتدادات الإقليمية، فإن دول الخليج ستكون الأكثر تعرضاً للتداعيات. فقد أثبتت الهجمات الإيرانية الأخيرة، ولا سيما تلك التي استهدفت الكويت ومنشآت المياه والطاقة، أن طهران باتت تتعامل مع البنية التحتية المدنية باعتبارها وسيلة ضغط استراتيجية. والرسالة الإيرانية لا تستهدف دولة بعينها، بل تهدف إلى إقناع جميع دول الخليج بأن المظلة الأمنية الأمريكية لا توفر حماية كاملة، وأن استمرار استضافة القوات الأمريكية يحمل كلفة أمنية متزايدة.

كما أن استمرار التصعيد سيدفع دول الخليج إلى تسريع مشاريع التكامل الدفاعي، ولا سيما في مجالات الدفاع الجوي والإنذار المبكر والتنسيق الاستخباري، لأن التعامل الفردي مع التهديد الإيراني أثبت محدوديته في ظل طبيعة الحرب الحالية.

أما إسرائيل، فتتعامل مع هذه المرحلة باعتبارها فرصة استراتيجية لإضعاف إيران بصورة طويلة الأمد. وتكشف التقديرات الإسرائيلية عن اعتقاد متزايد بأن مشاركة إسرائيل في الحرب أصبحت مسألة توقيت أكثر منها احتمالاً، خصوصاً إذا تطورت الهجمات الإيرانية لتطال المجال الإسرائيلي بصورة مباشرة أو عبر حلفائها الإقليميين.

في المقابل، تواجه إيران معادلة معقدة. فهي تدرك أن الدخول في حرب شاملة قد يهدد بقاء النظام، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التراجع عن ملف هرمز أو عن برنامجها الصاروخي والنووي دون أن تفقد أهم أدوات الردع التي تملكها. لذلك يبدو أن القيادة الإيرانية تتجه إلى إدارة أزمة طويلة الأمد تقوم على مزيج من الضغوط العسكرية المحدودة، والحفاظ على هامش سياسي يسمح بالعودة إلى التفاوض إذا توفرت شروط أفضل.

وتقود هذه القراءة إلى خلاصة مفادها أن الشرق الأوسط دخل بالفعل مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها الحرب على البنى التحتية والسيطرة على الممرات الاستراتيجية، وليس مجرد المواجهة العسكرية التقليدية. كما أن طبيعة الحرب الحالية تجعل احتمالات الخطأ في الحسابات مرتفعة، إذ إن حادثاً محدوداً أو ضربة



إقرأ المزيد