شبكة قدس الإخبارية - 7/22/2026 9:18:20 AM - GMT (+2 )
خاص قدس الإخبارية: لم يكن قيس طوباسي يظن أن اليوم سيأتي الذي يقف فيه أمام ثلاجته الفارغة، يحمل بيديه ما تبقى من طعام أسرته، ثم يلقيه في سلة المهملات بعدما أفسده انقطاع الكهرباء. لم يكن ذلك مجرد فقدان لمؤونة أيام، بل كان إعلانًا قاسيًا بأن الحصار لم يعد يحاصر منزله فقط، بل وصل إلى لقمة عيشه.
على قمة جبل في بلدة جالود، جنوب نابلس، يقف منزل قيس وحيدًا إلى جانب منزل شقيقه. كان المكان يومًا عنوانًا للهدوء، أما اليوم، فقد أصبح، وفق روايته، محاصرًا بالخوف والإغلاقات، حتى غدت أبسط تفاصيل الحياة عبئًا يوميًا.
يقول قيس لـ "شبكة قدس" إن كل شيء بدأ في التاسع عشر من نيسان/أبريل الماضي، عندما نصب مستوطنون خيمة على بعد أمتار قليلة من منزله. ومنذ ذلك اليوم، تغيرت حياة العائلة بالكامل.
ويروي: “لم يتركوا يومًا يمر من دون اعتداء. كانوا يرشقون المنزل بالحجارة، ويطرقون الأبواب بعنف، ويحاولون اقتحامه. ثم أحرقوا مركبتنا داخل المنزل، وبعدها أغلقوا الطريق المؤدية إلينا.”
ومع استمرار الحصار، انقطع التيار الكهربائي عن المنزل لعدة أيام، لتفسد جميع المواد الغذائية المخزنة.
ويقول بحرقة: “اليوم رمينا كل ما كان في الثلاجة. لم يبق لدينا شيء نأكله. الكهرباء مقطوعة، والطريق مغلقة، ولا نعرف كيف سنؤمن احتياجاتنا في الأيام المقبلة.”
لكن أكثر ما يؤلم قيس ليس الطعام الذي فسد، بل اضطراره إلى إبعاد طفلته عن منزلها. ابنته، التي لم تتجاوز عامها الثاني، لم تعد تنام في بيتها، بعدما اضطرت العائلة منذ الأيام الأولى إلى نقل النساء والأطفال إلى البلدة خوفًا على حياتهم. أما شقيقه، فقد أرسل هو الآخر طفلتيه، إحداهما في الثالثة من عمرها، والأخرى رضيعة لم تتجاوز ثمانية أشهر.
وبقي في المنزل قيس وشقيقه ووالدهما ووالدتهما… أربعة أشخاص يحرسون بيتًا يخشون أن يفقدوه إن غادروه.
ولا يقتصر القلق على الخوف من الاعتداءات، فوالده، البالغ من العمر ستين عامًا، يعاني من ارتفاع ضغط الدم، فيما أوشكت أدويته على النفاد.
ويقول: “لا نخشى على أنفسنا فقط، بل نخشى أن ينفد دواء والدي قبل أن نتمكن من الوصول إليه.”
ورغم محاولات العائلة التنسيق لإدخال الطعام والدواء أو الخروج من المنطقة، فإنها، بحسب قيس، لا تزال عالقة في منزلها، بينما تتضاءل الخيارات يومًا بعد يوم.
ويؤكد الباحث والناشط في مواجهة الاستيطان، بشار القريوتي، لـ" شبكة قدس" أن ما تعيشه عائلة طوباسي ليس حادثة منفصلة، بل صورة مصغرة لما تواجهه بلدة جالود بأكملها.
ويشير إلى أن البلدة، التي تمتد على مساحة 21 ألف دونم، تحاصرها 14 مستوطنة وبؤرة استيطانية، إضافة إلى معسكر للاحتلال، موضحًا أن سنوات طويلة من التوسع الاستيطاني صادرت الأراضي الزراعية، وأحاطت المنازل بالبؤر والبوابات، حتى باتت الأحياء الفلسطينية معزولة عن بعضها بعضًا.
ويقول القريوتي إن ما يجري في جالود يتجاوز السيطرة على الأرض، ليصل إلى استهداف الإنسان نفسه، عبر تضييق الخناق على السكان، وعزلهم عن محيطهم، ودفعهم إلى الرحيل تحت ضغط الخوف وفقدان مقومات الحياة.
وفي منزل قيس، لم يعد السؤال: ماذا سنأكل غدًا؟ بل أصبح: كم يومًا آخر يمكن أن نصمد؟ فحين تُلقى آخر مؤونة في الثلاجة، ويصبح الدواء مهددًا بالنفاد، وتُغادر طفلة منزلها خوفًا من الاعتداءات، لا يعود الحصار مجرد إغلاق طريق، بل يتحول إلى امتحان يومي للكرامة والبقاء.
إقرأ المزيد


