كيف يمكن أن نحمي الأقصى؟
شبكة قدس الإخبارية -

عشية الاقتحام الأكبر خلال هذا العام، والذي تحشد خلاله منظمات الهيكل للوصول إلى حاجز الخمسة آلاف مقتحم، ثمة سؤال يلحّ على ذهن كل مهتم بشأن المسجد الأقصى داخل فلسطين وخارجها: كيف يمكن أن نحمي الأقصى؟ وماذا يمكن أن نفعل أمام هذا العتوّ والاستفراد الصهيوني، المعزز بشراكة أمريكية، وبتواطؤ قطاع من النظام الرسمي العربي والإسلامي، وعجزِ بقيته بما لا يختلف عن التواطؤ كثيراً!
 
وجواب هذا السؤال عسير، لأنه جواب فعل وليس جوابَ قول، ومن كان يملكه حقاً فليأتنا به متجلياً لا مَحْـكياً، وهذا حق. نعم نحن جميعاً مأزومون بالبحث عن إجابة، كيف نتفرج على أقصانا يُهّود ويستباح؟ كيف نحتمل مشاهد حلقات الرقص والغناء التوراتي فيه بالمئات ونحن نتفرج؟ كيف يطيب لنا عيش وصوت الصلاة فيه يُخنق، والمصلون يمنعون الوصول إليه، ويعلو فيه الصياح والغناء الغريب عنه ويخفت صوت الترتيل والدعاء؟
 
وإذ نمضي في أزمتنا الموجعة هذه نجد كثيراً من جوابها في التجارب السابقة التي تجسد بعضها أمام أعيننا؛ فهذا المسجد الأقصى يتعرض للعدوان منذ بدايات الوجود الصهيوني على أرض فلسطين، وغاية الاحتلال تجاهه اليوم ليست أقل من إزالته من الوجود، وتأسيس الهيكل المزعوم في مكانه وعلى كامل مساحته.
 
في مجابهة العدوان على الأقصى، الملازم للأيديولوجيا الصهيونية منذ نشأتها، مرّت حتى الآن 11 محطة كبرى:
 
أولاها ثورة البراق عام 1929 حين تقاطعت "ذكرى خراب الهيكل" التي يحشد المستوطنون لمثلها غداً، بالتوازي مع ذكرى المولد النبوي، فكانت تلك شرارة الثورة التي كبَّدت جماعة المستوطنين الناشئة خسائر كبرى مبكرة، كَوَت وعيَهم وزرعت فيه عميقاً أن العدوان على الأقصى له ثمن... وثمن باهظ. وفيها أدركت بريطانيا أنها في الأقصى لا تواجه الفلسطينيين وحدهم، بل تواجه أمة إسلامية يجسد الأقصى إحدى عرى أخوّتها، فوجدت في مواجهتها العالم المجاهد محمد علي جوهر زعيم حركة الخلافة في الهند، الذي لم يكتفي بتحدي احتلالها للهند، بل جاء إلى بيت المقدس ليسهم في جهود إعماره وفي التصدي لأولى محاولات تهويده إلى جانب مفتي القدس الحاج أمين الحسيني.
 
انقطعت من بعد ذلك المحطات الكبرى للدفاع عن الأقصى رغم أن العدوان لم ينقطع، إلى أن جاءت الانتفاضة الأولى التي أعادت مركز المقاومة إلى داخل فلسطين المحتلة، فكانت خلالها المحطة الثانية بالرد على مجزرة الأقصى 1990 الذي تحول إلى ذروة متجددة للمقاومة والعمليات داخل فلسطين وعبر النهر، ثم جاءت المحطة الثالثة في هبة النفق 1996 التي كانت النموذج المصغر للمحطة الرابعة، انتفاضة الأقصى 2000، أطول انتفاضات فلسطين وأكثرها تأثيراً رداً على اقتحام شارون للمسجد الأقصى.
 
وأمام محاولة الاحتلال والولايات المتحدة خنق المقاومة بل ووأدها في الضفة الغربية، كان المسجد الأقصى العنوان الذي يدعو مختلف مكونات فلسطين إلى التحرك، فجاء الحراك الشبابي الشعبي في القدس ليكون خامس المحطات وليستعيد الفعل ويجد الأجوبة في 2013، وليُفشِل الاقتحامات الكبرى للمستوطنين بالاعتكاف والرباط.
 
ومع تمسك حكومة الاحتلال بأجندة التهويد ومحاولتها فرض التقسيم التام للأقصى في 2015 وإغلاقه أمام المصلين المسلمين في أيام الأعياد التوراتية، جاءت هبة السكاكين لتكون سادس المحطات، ثم ظن الاحتلال في 2017 أن الوقت مواتٍ لفرض البوابات الإلكترونية فجاءت هبة باب الأسباط لتبدد ذلك الوهم وتفكك البوابات ولتكون سابع المحطات، ثم ظن في 2019 بأن الوقت ربما حان لقضم مصلى باب الرحمة فجاءت الهبة الشعبية لتفرض فتحه واستعادة الصلاة فيه لتكون المحطة الثامنة.
 
في 2021، وبعد اتفاقات أبراهام للتحالف مع الصهيونية، ومن بعد صفقة القرن، ظن المحتل أن الوقت لا بد حان للتغيير الحاسم في القدس، فجاءت الهبات المتتالية لتمنع تهجير حي الشيخ جراح، ولتمنع إغلاق ساحة باب العمود، ولتمنع اقتحام 28 رمضان؛ لتتخذ المقاومة من تلك المقدمات منصة انطلاق لمعركة سيف القدس التي فرضت معادلة ردعٍ مؤقتة على الاحتلال في القدس فكانت تلك الانفجارات المتتالية معاً المحطة التاسعة، لتأتي بعدها المحطة العاشرة في شهر 4-2023 معركة الاعتكاف التي انتقل فيها المرابطون من الرفض إلى الفرض، ثم جاء طوفان الأقصى في 7-10-2023 ليحاول التصدي لخطر التصفية بالإجمال، من إنهاء حق العودة إلى التطبيع وحصار المقاومة وإنهاء الحق الفلسطيني، فكان منع تهويد الأقصى عنوان وشرارة المحطة الحادية عشرة.
 
إحدى عشرة محطة على مدى نحو قرنٍ من الزمن، تصدّت للتهويد وزرَعت عقدة كيٍّ عميق بأن العدوان على الأقصى له ثمن باهظ. محطات لم تكرر أي منها الأخرى رغم ما فيها من مشتركات، اجتُرِحت كل واحدة منها في زمانها وظروفها وطريقتها، ما بين انتفاضة وهبة شعبية وعمليات فردية وحرب تجلت الإرادة في كل شكل ممكن... فصاغت معادلة الردع التي هي بحق عنوان الدفاع الحقيقي عن الأقصى.

في مجابهة مسيرة المنع والتصدي المستمرة والمتصاعدة تلك، جاءت الإبادة لتحاول أن تكتب السطر الأخير، وأن تغلق الكتاب، أراد الاحتلال منها أن تكون نهاية التاريخ العربي الإسلامي على أرض فلسطين، وأن يزرع من خلالها في وعيِنا أن المسيرة الممتدة على مدى نحو قرن من الزمن انتهت إلى غير رجعة...
 
ومهمتنا جميعاً اليوم أن نستأنف تلك المسيرة الممتدة رغم الإبادة والجريمة، لنؤكد للمحتل بالفعل لا بالقول بأن التاريخ لم يتوقف، وبأن الإبادة ليست نهاية الكتاب بل محطة إجرامية في فصوله سيأتي تالياً حسابُها؛ مهمتنا بلا مواربة أن نستعيد معادلة الردع، وأن نشق الطريق إليها كأمّة، من داخل فلسطين ومن خارجها، بكل وسيلة ممكنة، لنصوغ فصلاً جديداً من تجربة تجلي الإرادة رغم الجريمة والقهر والخوف، فيكون دفاعنا عن الأقصى بوابة لاستعادة الذات واستعادة أفق المستقبل.
 
على طول تلك التجربة تعددت أبواب الفعل، بين فعل فردي بعمليات السكاكين والدهس، وفعل جماعي بالاعتصام والتظاهر والمسيرات وشد الرحال إلى الأقصى والرباط فيه، وأدوات المقاومة المنظمة بالعمليات وخوض الحروب والعمليات المباغِتة، وعمليات عبر النهر من خارج فلسطين والتحرك الشعبي في العواصم العربية وعبر العالم، والحراك الإعلامي بأدوات التواصل الاجتماعي، كان التحرك منظماً أحياناً وله قيادة، وعفوياً أحياناً أخرى تجتمع فيه الجهود على الهدف وتلتقي في الطريق كما في تجربة 2021.
 
خزان من التجربة يمكن أن نشتق منه الكثير، غير أن ما يسمح باشتقاق أي فعلٍ مجدٍ هي الإرادة، وهي ما ينبغي أن نستعيده أفراداً وشعوباً حتى نكمل الطريق.



إقرأ المزيد