معركة المضائق والممرات
وكالة سوا الاخبارية -
2026/07/23

قلنا في المقال السابق، إن هذه الحرب في وتيرتها المتدحرجة ليست الحرب الشاملة، وهي ما زالت حرب التمرد الأميركي على ما تم التوقيع عليه في مذكرة التفاهم مع إيران بعد أن فهمت أميركا بأن بقاء هرمز في أيدي الإيرانيين خلال الستين يوماً من وقف إطلاق النار لكي يتم فيما بعد التوافق على صيغة مرضية لكل دول الخليج مع أولوية التفاهم العُماني الإيراني فيها ستؤدي حتماً إلى تهميش الدور الأميركي، والى تقليص نفوذها موضوعياً وهو ما أدى إلى إثارة حفيظة الصقر الأول في البيت الأبيض ماركو روبيو مدفوعاً بقوة من نتنياهو واللوبي الإسرائيلي والصهيوني معاً هذه المرة.

انحاز الرئيس ترامب إلى خيار وزير خارجيته ضد نائبه، وضد مساعديه، ومنهم ويتكوف وكوشنر اللذان انزويا بصورة ملحوظة ولافتة للانتباه في تعبير واضح عن مخاوفهما من الانزلاق إلى حرب شاملة ستطيح بكل ما خططا له من هيمنة استثمارية، ومن إعادة هندسة الإقليم وفق استراتيجية «الازدهار والرخاء والاستقرار»، وهما من هذه الزاوية تحديداً، وبالرغم من كل وكامل صهيونيتهما باتا أقرب إلى سياسات ومفاهيم نائب الرئيس.

لكن انحياز ترامب هنا ليس نهائياً ولا حاسماً ولا دون خط للرجعة. والمؤشرات الجديدة تشي وتوحي بذلك. وعاد الرئيس ترامب يراجع ويعيد حساباته من جديد. كيف ولماذا؟.

كل التقاصف الذي شهدته منطقة المضيق وما حوله، وكل خطوط الإمداد من طرق وجسور وممرات تزويد تم قصفها بشدة غير مسبوقة من قبل القوات الأميركية من كل أماكن تواجد هذه القوات، وتكبدت إيران خسائر هائلة وغير مسبوقة، وهي خسائر تفوق في بعض المناطق، ومن زوايا معينة خسائرها في حرب الأربعين يوماً.

لكن وبالمقابل، ردّت إيران وضربت بشدة غير مسبوقة أيضاً معظم القواعد الأميركية، وأخرجت جزءاً كبيراً منها عن الخدمة نهائياً إلى الدرجة التي أجبرت هذه الضربات القوات الأميركية على إخلاءات كبيرة، وإلى إعادة تجميع معظم قواتها الجوية في مطارات وقواعد عسكرية داخل دولة الاحتلال باعترافات موثقة ورسمية.

كبريات الصحف الأميركية والتي تعكس عادة الآراء والمعلومات المقربة من دوائر صنع القرار بما في ذلك داخل البيت الأبيض، وكذلك وزارة الحرب والخارجية تؤشر بما يصل إلى درجة اليقين على أن هذا التقاصف لا يغير شيئاً جوهرياً لا في قدرة إيران على الرد مهما بلغت شدة التصعيد، ولا على الاستعداد الإيراني لحرب استنزاف طويلة، ولا التراجع عما تراه حقها في الإمساك والتحكم بهذه الورقة الاستراتيجية التي تعتبرها احد مصادر قوتها الميدانية والتفاوضية، وأحد أهم عناصر التأثير التي لديها بما لها من أهمية حاسمة على التجارة الدولية، وبالتالي على أزمات الطاقة والغذاء، وعلى أسعار النفط، وعلى الأسواق والبورصات العالمية، وهنا يكون الرئيس ترامب قد عاد إلى ما يقترب كثيراً من ورطة جديدة.

ما هي هذه الورطة؟.

هي أن السيطرة على المضيق تكاد تكون مستحيلة دون إنزالات برية على بعض السواحل الإيرانية، وعلى اكثر من جزيرة في منطقة مضيق هرمز، وقد تتطور هذه الإنزالات - وهذا هو الأرجح حسب كل التقديرات - إلى حرب برية ضارية ليس ممكناً ولا مضموناً حسمها، وليس مؤكداً التحكم بنطاقها، ولا بمدة استمرارها. الفشل فيها سيطيح بالرئيس وبالإدارة وبالحزب الجمهوري، وربما سيقصي معظم التيارات فيه عن المسرح السياسي الأميركي ليس فقط في الانتخابات النصفية، وإنما قد تمتد الأمور إلى أبعد من ذلك.

كما أن لهذا الفشل - في حالة حصوله - أوجهاً أخرى أشد فتكاً على الواقع الأميركي.

وتتمثل هذه الأوجه في أن إيران على ما يبدو ستقوم بإنزالات مضادة في مناطق حساسة تتواجد فيها قواعد تمركز وإسناد للقوات الأميركية الغازية على الأقل في الكويت والبحرين، وذلك لسهولة ويسر المهمة على القوات الإيرانية بسبب عامل المسافة والزمن، وبسبب ضعف القدرة العسكرية للبلدين، وبسبب ما تراه إيران من إسناد شعبي محتمل لها في حال إن أقدمت على هذه الإنزالات.

هنا ستبدو الولايات المتحدة من خلال خيار الحرب البرية وكأنها ضحت بالبلدين في سبيل مصالح ترامب، وفي سبيل المصالح الصهيونية التي تدفعه إلى هذا الخيار بعلم ومعرفة مؤكدة من قِبل كل دول الخليج العربية.

يُشار هنا إلى أن المملكة العربية السعودية تحاول ثني الإدارة الأميركية نهائياً عن هذا الخيار، وأنها لن تسمح مطلقاً باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي بناء على مواقفها السابقة، وبناء على مشاوراتها الخاصة مع باكستان، الحليف والشريك الاستراتيجي الأهم لها، وكذلك مشاوراتها مع مصر.

كما أن قطر تعارض بشدة الذهاب إلى الحرب البرية والإنزالات المتبادلة في ضوء مشاوراتها مع حليفتها الأهم وهي تركيا.

أما موقف الإمارات فكما يُقال فإنها نأت بنفسها هذه المرة عن الخطة الأميركية المفترضة، ويقال إنها توافقت مع إيران على هذا الموقف. لكن إيران أبلغت كل دول الخليج بأنها ستدمر تباعاً لوجستيات القوات الأميركية على كل حال، وفي أي مكان.

الوجه الآخر، وربما الأخطر في هذه الورطة هو (إغلاق باب المندب) وقطع الشريان الثاني من خطوط الإمداد بالنفط والغاز وشل التجارة الدولية بما يقارب ما نسبته 30 إلى 35% من التجارة العالمية بعد إقفال وتعطيل قناة السويس.

هنا، سندخل في تداخلات إقليمية ودولية، وفي أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية ربما يكون لها بداية، لكن المؤكد ألا أحد في هذا العالم يمكن أن يحدد لها أي نهاية.

وإذا ما قدّر لإيران أن تُفشل هذا الخيار في حالة وقوعه، وهو برأيي ليس هو الخيار المرجح، فإن الولايات المتحدة تكون قد خسرت كل شيء، وتكون إيران قد ربحت كل شيء، وحينها لن تقبل بسقف مذكرة التفاهم، وستفرض معادلة إقليمية جديدة. وهنا لا بد من عودة لأن حرب المضائق والممرات ليست سوى معركة تحسين شروط الرئيس ترامب في الجولة القادمة والحاسمة من المفاوضات على ما تبدو عليه الأمور حتى الآن.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد