الحلقة الرابعة عشرة والأخيرة: موقعي على خط التداخل بين السياسة والإعلام
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: نبيل عمرو

غزة بين قصف الطائرات والشاشات.. احتلت الحرب على غزة منذ انطلاق شراراتها الأولى في السابع من أكتوبر الماضي، وإلى أيامنا هذه، أوسع مساحة في المعالجات الإعلامية المرئية والمقروءة والمسموعة.

إضافة إلى شبكات التواصل الاجتماعي التي روادها كل سكان المعمورة.

الإعلام العربي استبد بالأيام والليالي، فهو المؤثر الأول في تشكيل الرأي العام وتحديد مستوى وعمق التفاعل مع مجريات الحرب، ذلك أن المشاهد التي تنقلها الفضائيات هي الصلة الوحيدة بين مليارات البشر، ومليوني ونصف المليون غزي، وهي مشاهد تختزل كل حروب الكون في مساحة ثلاثمائة كيلومتر أي بمساحة مدينة من تلك المدن التي شهدت حربين عالميتين في قرن واحد.

في غزة.. عدد محدود من البشر وعدد أقل كثيراً من حملة السلاح المقاومين الذين يستوطنون الأنفاق والركام، ذلك داخل حدود المكان أمّا ما وراء الحدود وعلى امتداد مساحة الكون كله فكل شيء يُفعل إلا الشيء الوحيد الذي يجب أن يُفعل، وما أعنيه بكل شيء هي الإدانات الرسمية والشعبية لمذبحة القرن الحادي والعشرين، والتظاهرات التي تملأ شوارع المدن وتضج بالهتافات وتظللها الأعلام والشعارات بكل اللغات، والاتصالات التي لا تتوقف بين الزعماء القريبين والبعيدين والتجهيزات لإرسال ماء ودواء وغذاء يصل بعضها ويتعطل معظمها، ليس لأسباب لوجستية كما يقال، بل لأنها دخلت في صلب المساومات حول الأجندات.

فلا لقمة خبز أو شربة ماء أو حبة دواء إلا بعد الاتفاق على سعرها السياسي، وكم تؤثر في الأجندات، أمّا ما لا يُفعل فهو فقط ما يحتاجه أهل غزة فعلاً.

في غزة.. وهنالك من يحب استخدام مفردة "غير المسبوق" في وصف حتى البديهيات، إلا أن هنالك غير مسبوق بالفعل هو دراما النزوح الجماعي داخل المكان الضيق، وعديده مئات ألوف البشر، بدأ من بعض الشمال إلى بعضه الآخر، ثم من المخيم إلى وسط المدينة، ثم من الشمال والمخيم والوسط إلى وادي غزة، ثم من وادي غزة إلى الجنوب، ومن بعض الجنوب إلى بعضه الآخر، وجنباً إلى جنب مع مطر الموت المنهمر بلا هوادة من البحر والبر والجو، تُبرم صفقات تجارية مع منتجي الخيام، كي يحظى المهجّرون بمأوى إلى حين الانتهاء من قتل الذين لم يغادروا بيوتهم، ولسان حالهم يقول "الموت في بيتنا أرحم".

ظاهرة النزوح من مكان قريب خطر إلى مكان قريب أخطر، أنتجت مساحات تعتبر مناطق حرة، أعدّتها الأقدار لبناء مخيم بتسع لميلون آدمي ليكون أكبر مخيم على وجه الأرض، إن أقيم فسوف يسكنه أناس لم يهاجروا من قارة إلى أخرى كما حصل في زمن الربيع العربي والكورونا والمجاعات، بل أناس هُجرّوا من تحت مطر القصف ليذهبوا إلى مكان يكون فيه الموت أقل وهذه المرة مشياً على الأقدام.

في غزة.. وعلى مدى أشهر الحرب، التي لم يعرف بعد متى تنتهي، نشأت ظاهرة العودة من الركام إلى الركام، جيش جرّار من آدميين أرهقهم اللجوء حتى لو كان في كنف أهلهم فقرروا العودة إلى المكان الأول الذي هُجروا منه، لم يأبهوا لموت يدبره الخصم بناره، للتخويف والردع وغالباً للقتل.

الكل يحتفظ في خياله بالبيت الذي غادره حين طُلب منه الذهاب إلى بعض أمان قد يجده في مكان آخر، حينها قال لزوجته وأطفاله "هيِّ كم يوم وبنرجع" كان آباؤه وأجداده قالوها قبل ثلاثة أرباع القرن حين انكفأوا من قراهم إلى ما نجا من الاحتلال في القطاع، فإذا بلجوئهم المؤقت يصبح دائماً، وإذا بالمخيمات تتحول إلى أوطان جديدة!.

بلغ عديد اللاجئين في النكبة الأولى أكثر بكثير من عديد سكان غزة غير اللاجئين فكتبت عليهم أقدار الحرب أن يحلموا بأكثر من عودة هي من النوع الذي "أقربه صعبٌ كأبعده".

في غزة.. مجموعة بشرية محدودة العدد تعيش على أرض محدودة المساحة تتعرض لنار لم تتوقف حتى لبعض وقت يكفي لانتشال الجثث من تحت الأنقاض، أو لإقامة صلوات جنازة في الهواء الملوث برائحة البارود، أو للنوم تحت أزيز الطائرات التي إن لم تلقي بحممها على النائمين فيكفي أزيزها لينتج أخطر الأمراض النفسية التي تبقى مع من يصاب بها مدى الحياة، وإن وجدوا بعض قطن طبي ليسدوا آذانهم فأزيز الطيارات التي أسماها أهل غزة "بالزنانة" هو صوت عابر لا راد له.

غزة هذه.. بكل ما فيها وما عليها، وبكل خذلان ما حولها وبكل الغموض الذي يكتنف غدها مطلوب منها وفق أوامر الإعلام العربي، والأجندات والمصالح والارتباطات، وأسلحة البر والبحر والجو والثروات، أن تحقق للأمة كل ما لم تستطع تحقيقه، وأن تعيد كرامة مهدورة لملايين وربما لمليارات البشر، الذين سحقتهم الهزائم ولا أمل لهم بنصر إلا إذا وفرته غزة!.

الشاشات تنقل الزحام على رغيف خبز وكمشة عدس على أنه عار على الخصم الذي أنتج كل ذلك ولا عار علينا. وتصور الزحام على انه تسابق على المجد واستعادة الكبرياء والكرامة.

الشاشات تنتزع من السهرات التي لا ينقصها شيء من أشياء الأيام العادية كالمكسرات والمحارم الورقية لمسح الدموع، خبراء يجيدون الكلام وترجمة الخرائط الالكترونية، هذا خبير في الشؤون العسكرية وذاك في الاستراتيجية وذاك في الإقليمية والدولية الى آخر ما يلزم لملء ملايين ساعات الحرب الموازية.

لا أدري إن كان هؤلاء يعرفون أو لا يعرفون أن من يعيشون البؤس في غزة لا يحبون سماع كلمة نصر في وصف ما يعيشونه، ولا يحبون مقاربة الزحام على لقمة العيش كما لو أنه ممر حتمي إلى الكبرياء المفقودة، والكرامة المستباحة، لأمة تنتظر أن يبزغ فجرها من دمار غزة.

غزة المظلومة من القوم والخصم، والغريقة تحت بحر من التعاطف العاجز والرهانات التي لا صدقية لها بحاجة اليوم قبل الغد، لتوقف هذه المقتلة أولاً وهذا لن يتم بالطريقة التي اعتمدت على مدار الحرب دون أن تحقق غير ارتفاع منسوب الدم واتساع مساحات الدمار، وانسداد الآفاق، إن كل ما يجري الحديث عنه حول اليوم التالي، وكل الوصف اللغوي للآمال المعلقة عليه لا يهم أهل غزة ولا يستبدل أولوياتهم الملحة.

أهل غزة قدموا من التضحيات ما يكفي ويزيد وان سألتهم ماذا يريدون وهذا حق لهم، فسيقولون وبصوت واحد وقف هذه المقتلة فحياتنا تعود من جديد ليس في اليوم التالي حسب التقويم الأمريكي والإقليمي والدولي، وانما في اليوم التالي لانتهاء المقتلة وحسب غزة أنها رغم كل ما حدث لم ترفع الراية البيضاء

هل تعرفون يا سادة يا كرام ما المشترك بين حرب غزة ومباريات كرة القدم؟.. لاعبوا الكرة أحد عشر، والمتابعون مباشرة ومن خلال الشاشات يعدون بالمليارات.

غزة بين انتصارين ممنوعين

المفاجأة الكبرى التي لم يتوقعها العالم ولم يحسب لها حساب أن تتواصل الحرب على غزة لأشهر طويلة، دون ظهور مؤشر على وقت تقريبي لانتهائها، حتى طرفاها المباشران إسرائيل و«حماس»، لم يستعدا لخوضها إلا بوصفها حرباً دورية، من تلك الحروب التي وقعت بينهما منذ استيلاء «حماس» على السلطة في غزة.

حركة «حماس» لم تتوقع النتائج المذهلة وغير المتخيلة لعملية «طوفان الأقصى»، وإسرائيل لم تتوقع أن حربها على غزة ستكبدها ما كبدتها من خسائر بفعل طول أمدها، وكذلك بفعل المقاومة العنيدة التي واجهتها، ونظراً لعدم توقع ما حدث من كلا الجانبين، ذهب كلٌّ منهما إلى وضع أهداف حدٍّ أعلى.

«حماس» من جانبها قدمت العملية الناجحة «طوفان الأقصى» على أنَّها محطة استراتيجية تقود إلى النصر الحتمي.

وإسرائيل رأت الزلزال الذي هزَّ أركانها مجرد «ساعة غفلة» تجري معالجتها باستخدام ترسانتها العسكرية الضخمة في حملة انتقامية تأديبية، واستناداً إلى سابقةِ قُدرتها على تدمير أجزاء كبيرة من مباني غزة ومنشآتها في أيام معدودات، قدرت أن زيادة الجرعة هذه المرة ستحسم الأمر سريعاً، ذلك أغرى نتنياهو على طرح أهداف الحد الأعلى، والتي دأب على وصفها «بالنصر المطلق».

مجريات الحرب منذ أيامها الأولى، وحتى أيامنا هذه أنتجت تطورات لم تكن محسوبة سلفاً، منها مثلاً وقوف المنطقة على حافة حرب إقليمية ما أجبر ثلاث دول أوروبية في حلف «الناتو» على الانخراط فيها تحت تبرير منعها، ذلك حين تصدت للمسيّرات والصواريخ الإيرانية وهي في طريقها إلى إسرائيل، ومنها مثول الدولة العبرية المحمية أميركياً وغربياً أمام محكمة العدل الدولية، وكذلك اضطرار أميركا إلى خوض معارك مجلس الأمن عارية عن دعم حلفائها، ما أجبرها على استخدام «الفيتو» عدة مرات.

وكذلك دخول الحرب، وخصوصاً مشاهد فظاعات إسرائيل فيها، إلى كل بيت في العالم؛ ما أنتج ولأول مرة في التاريخ انتفاضات شعبية عالمية ضدها، وآخر ما حرر في هذا الأمر المظاهرات الطلابية في أميركا ذاتها.

ذلك كله، وهذا غيض من فيض كما يقال، جعل من نصر نتنياهو المطلق، وفق مواصفاته وشروطه، أمراً مستحيلاً؛ إذ بدا واضحاً أنه نصرٌ ممنوع دولياً؛ ذلك لأن صاحبه غرق في طوفان الإدانة الشاملة له ولحربه، ما يجعل من احتلاله غزة بكاملها وتخليصه للرهائن حتى لو تم ذلك، لا يجسد نصراً مطلقاً ولا حتى نسبياً. غير أن أمراً ربما يكون الأكثر تحدياً لنتنياهو أظهرته هذه الحرب وهو إجماع العالم كله على أن النزاع في الشرق الأوسط واشتعالاته الخطرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي لا ينهيه إلا قيام دولة فلسطينية.

إذن، وبالقرائن الدامغة الموضوعية والمشاهدة والمجسمة، فإن النصر المطلق غير ممكن عملياً، ذلك إذا ما قيس بنتائجه الاستراتيجية وليس بمساحات القتل والتدمير التي حدثت في غزة وفي أي مكان آخر وصلت إليه الآلة العسكرية الإسرائيلية.

ومثلما لم يعد النصر المطلق ممكناً، فإن النصر الحتمي الذي بشّرت به «حماس» هو ممنوع كذلك إقليمياً ودولياً، فمن زاوية «الوعد الحق» الذي لم يتوقف عند ردع الأطماع الإسرائيلية في غزة والضفة والقدس، والذي تطور في الرواية إلى الانتصار على إسرائيل بفعل حتمية انهيارها تحت الضربات القوية وتفككها الداخلي فهذا ليس فقط ممنوعاً، وإنما لم يعد متاحاً الاستمرار في الحديث عنه؛ إذ انتقل الحديث منه وعنه إلى حديث حول شروط الاعتراف بإسرائيل وكيفيته.

الحقيقة أن التطورات الميدانية والإقليمية والدولية ذاهبة إلى محاولة جديدة لاكتشاف إمكانيات تسوية عنوانها التقدم من جديد نحو حل الدولتين، قد لا نشهد تطورات مقنعة تحدد آليات إقامتها، وقد تؤثر مواسم الانتخابات الأميركية والإسرائيلية سلباً حد إضعاف زخمها، إلا أن ما أضحى مؤكداً أن ما طرح مَن وعد بانتصار مطلق يقابله انتصار حتمي صار وراء الظهر، غير أن الذهاب إلى محاولة جديدة للتسوية، وإن كان خيار العالم كله بمن في ذلك الفلسطينيون جميعاً، هو التسويات، فهذا غير مضمون بصورة حتمية.

هذا هو حال الشرق الأوسط برماله المتحركة ومفاجآته غير المحسوبة، وهذا هو حال العالم المنخرط في حربين كبيرتين متزامنتين في الجغرافيتين التوأم أوروبا والشرق الأوسط.

الصورة واضحة على صعيد الخيارات المعلنة، ولكنها غير ذلك على صعيد التسويات.

إعلام الحرب والنصر!

انقسم الفلسطينيون على توصيف ما حدث بشأن غزة، بعضهم احتفى به كنصر مبين، وبعضهم الآخر لم يرونه كذلك.

في عالمنا العربي، إعلام لا مثيل له في أي عالم آخر، فهو ذو قدرة خارقة على أن يجعل ملايين المواطنين الأبرياء تطفو على شبر ماء في الأيام الأولى من أجل أن تغرق فيه في الأيام التالية.

إعلامٌ له اليوم الأول حيث الانتصار الساحق، وعلينا البكاء في اليوم التالي، بعد أن نستبين الخيط الأبيض من الأسود.

جيلنا الذي دخل العقد السابع والثامن من العمر، وقليلون ممن دخلوا التاسع، لم يغادر ذاكرتهم ما حدث قبل حرب حزيران 67 وأثنائها وما بعدها.

كان رجلاً يصدر أوامر للأمة، بالاحتفاء المبكر بالنصر، قبل أن تقع الحرب، وحين وقعت أصدر أوامره للسمك في البحر كي يتجوّع استعداداً لوجبات دسمة من جثث الأعداء.

كان الرجل واسمه أحمد سعيد. يسيطر وبصورة تكاد تكون شاملةً على ملايين الآذان الني تلتصق بأجهزة الراديو حيثما يصل إرسال صوت العرب، كان مالكاً للحقيقة وما يقول غير قابل للنقاش، وكان بتصرفه جيشٌ من مغنين ومغنيات ومؤلفين وملحنين وكتّاب امتلكوا موهبة التسلسل من الأذن إلى القلب دون المرور على العقل.

كانوا وببراعة مدهشة يملؤون نفوسنا بيقين النصر، وحين صدر البلاغ الأول يوم السادس من حزيران 67 لم يكلف الجمهور العريض نفسه عناء التريث لرؤية ساعة تحقيق النصر، فجرى الاحتفال به وباستمتاع لذيذ بالغفلة عن الحقيقية التي تم اخفائها وراء البلاغات والأغنيات.

الحقيقة قالت إن الذي انتصر هو الذي هزمته الإذاعات والأغنيات وأن الاحتفال بالانتصار جاء لأن الأغنيات قالت غير ذلك.

صمت معبود الآذان أحمد سعيد، لقد منحته نتيجة الحرب إجازة طويلة لم يعد يُسمع له فيها صوت، وأُمر خليفته بوضع أغنيات النصر في الأرشيف مكتوب عليها "ممنوع إذاعتها"، وذلك في سياق قرار الزعيم عبد الناصر بإزالة آثار العدوان.

بعد أن أُسدل الستار على النصر الإذاعي والغنائي، تواضعت اللغة وتعقلت الأغنيات وسمعنا المغفور له فريد الأطرش يواسينا بأغنية تفيد بأننا في يوم الندا فعلنا يسبق قولنا، ويدعونا إلى ألا نخيب الرجاء لأن للباطل جولة.

بعد أيام قليلة من ذلك الشهر لملم أثيرنا أشلاء الدبابات المعادية، التي دمرتها البلاغات والأغنيات، وكان أن اكتشف مهندسو الانتصار ترياقاً للشفاء منه بأن عاقبوا ذلك النصر الكئيب بتخفيض المرتبة من هزيمة إلى نكسة.

بعد سنوات طويلة تبين لنا أن الطبع يغلب التطبع، ذلك أن ظاهرة أحمد سعيد أعادت إنتاج نفسها بمحمد سعيد، وكأن تشابه الاسمين دليلٌ على تشابه الفعل.

جيلنا الذي عاش الانتصار الإذاعي في حزيران 67، قدّر لمن بقي منه على قيد الحياة، أن يعيش استنساخاً حرفياً لإعلام حزيران، كان الجيش العراقي الخارج للتو من حسم الحرب مع إيران قد اجتاح الكويت، ليعلن المستوى السياسي في العراق تحويل الدولة الكويتية إلى المحافظة التاسعة عشرة من محافظات الدولة الأم.

وكان أن فتح الإعلام المنتصر الشهية لانتصار أكبر يُلغي حزيران النكسة من التاريخ ليكتب مكانه نصراً عاصمته بغداد هذه المرة.

كان محمد سعيد الصحاف هو البطل الإعلامي لتلك الحرب، فقد احتل ملايين القلوب بإطلالاته من وراء الميكروفونات والشاشات، محولاً الاحتشاد الدولي الذي هندسته أمريكا ومن معها إلى نكتة، فقد اختصر الزمن والواقع وحقيقة ما يجري باللغة، مستعيراً قولاًُ قديماً جرى تداوله زمن فتوحات الأجداد "قولوا لعلوج الروم إننا آتون".

كانت إطلالة الصحاف على الشاشات مقرراً ألزمت الملايين نفسها بالمواظبة عليه، كان قد حوّل الاحتشاد الدولي الذي ضم أكثر من نصف عديد جيوش العالم إلى مشروع لإبادته، أمّا زحفه على بغداد فقد كان مجرد تورط غبي سيجري تقطيعه كما تقطع الأفعى إلى أجزاء ليسحق رأسها أخيراً.

لم تستغرق اللعبة زمناً طويلاً، إذ غاب الصحاف عن المشهد بصورة تكاد تكون مطابقةً لاختفاء مؤسس نظرية النصر.. أحمد سعيد.

غير أن المذكورين أسسا لمدرسة وأنجبا أبناء وأحفاد ساروا على نهجها بحيث صار كثيرون منا يرون أفدح الكوارث التي تحل بنا على أنها انتصارات.

حين تضع هذه الحرب أوزارها سنقول شيئاً عن إعلامها.

متى يراجع الفلسطينيون ما حدث؟

لو توقفت الحرب على غزة، فلا ضمانات أكيدة بألا تعود ثانية، وربما بما هو أشد ضراوة مما كانت على مدى شهورها الطويلة.

ذلك أن هشاشة الهدنة وانتهاء حكاية الرهائن بعد أن تمت استعادتهم في المرحلة الأخيرة من اتفاق وقف إطلاق النار، وتصاعد الانتقادات الإسرائيلية لتبجحات نتنياهو التي برَّر بها حربه طويلة الأمد على أنَّها بهدف تحقيق النصر المطلق... ولم يتحقق.

كل ذلك يشكّل حافزاً لاستئناف الحرب، ولدى مَن يدعون إلى ذلك في إسرائيل مبررات قوية لاستئنافها، بوصفها ضرورة لتفادي المساءلة الشرسة التي تنتظرهم.

حيث توجد قوى داخلية عدة ونافذة تسنّ سيوفها لتصفية الحساب مع نتنياهو ومَن معه مِن الائتلاف الحكومي المتداعي أصلاً.

لا يُعرف على وجه الدقة ما الذي ستفعله إسرائيل، سواء تواصلت الهدن إلى نهاياتها المرسومة في الاتفاق، أو تعطلت لتنهار الهدنة في منتصف الطريق، إلا أن ما يترتب على الفلسطينيين فعله، هو الخروج من حالة السجال البائس التي غرقوا فيها منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وحتى أيامنا هذه، حيث الاختلاف على الموقف مما حدث في ذلك اليوم، الذي بلغ حد التخوين المتبادل بين قطبي الحالة الفلسطينية «حماس» في غزة، والسلطة في رام الله.

السّجال الذي نشأ منذ السابع من أكتوبر، يوم الزلزال الرهيب، وطيلة حرب الإبادة والتدمير الشامل على غزة، مع عصفها القوي على الضفة، اتخذ طابعاً مأساوياً إذ كان ولا يزال سجالاً في وصف ما حدث... هل هو هزيمة أم انتصار؟ ذلك أدّى إلى نتيجة واحدة هي تعميق الانقسام مع الابتعاد عن التقويم الموضوعي لما حدث، وكيفية التعامل مع نتائجه.

إنَّ ما حدث من موت ودمار هو الفصل الأول من الدراما الفلسطينية الدائمة، إذ لا فائدة من الجدل حول وصفه انتصاراً أم هزيمة؛ لأنَّ الأكثر أهمية وإلحاحاً هو كيفية التعامل مع الفصل الثاني الذي يتحدد من خلاله مصير الفلسطينيين وقضيتهم وأهدافهم السياسية.

هذا الفصل لا تحديد زمني لبدايته، فقد بدأ بالفعل قبل أن تتوقف الحرب وتجري عمليات التبادل، وهذا الفصل وإن كان زمنه الرسمي نهاية الحرب العسكرية على غزة، فإنَّ التحضير له كان منذ الأيام الأولى لبدايتها.

الطبقة السياسية الفلسطينية بقطبيها الرئيسيين، نظام «حماس» في غزة، ونظام السلطة في الضفة، لم يغادرا حالة الاقتتال على الوصف والصورة، ومن كان الأكثر عقلانية في سياسته وسلوكه؟ ومن كان مغامراً جرّ الفلسطينيين إلى مهاوي الردى؟ أمَّا مسألة التقويم الحقيقي لما حدث وفق ميزان الربح والخسارة، فلا أحد معنيٌ بذلك، حتى مَن هم خارج الاستقطاب التقليدي بين «فتح» و«حماس»، فقد وجدوا أنفسهم منجرين وراء طرفي السجال دون أن ينظموا ولو فعالية واحدة تحدد بدقة حجم الربح والخسارة مما حدث. بحيث صار الكل مستقطباً بين حدي ادّعاء النصر أو الهزيمة.

حالة من الإرهاب الفكري فرضت نفسها على الفلسطينيين ومثقفيهم وكتّابهم وسياسييهم، مردّها سطوة صناع القرار على الجانبين، فمن يتبنَّى فكرة الهزيمة يتعرَّض لاتهام جاهز بالخيانة العظمى، ومن يتبنَّى فكرة النصر، يرى فيمن لا يتماهون معه مجرد مغامرين متواطئين لم يجلبوا للشعب سوى الويلات والمصائب، ولكل طرف منظروه وإعلاميوه.

الصورة تلزم في حالة الحاجة إلى الاستمرار في الوجود والحضور، غير أنَّها ينبغي ألا تلغي أهمية المراجعة الموضوعية المجردة لما حدث، وفق ميزان الربح والخسارة، ذلك يتطلَّب رؤية كيف كان الوضع الفلسطيني قبل السابع من أكتوبر وكيف هو الآن، ولنفترض أنَّ عقلانية هبطت من السماء على أقطاب الحالة الفلسطينية التي لا تزال منقسمة، وتوصلوا إلى تعريف متفق عليه لما حدث، فإنَّ ما يحتاجه الفلسطينيون، شعباً وقضية، حاضراً ومستقبلاً، هو كيفية مواجهة الفصل الثاني الذي بدأ التحضير له منذ الأيام الأولى للحرب، وها هو يدخل مرحلة التنفيذ وفق ميزان قوى جديد لا تنفع معه الرمزيات وصور النصر والهزيمة، بل الذي ينفع هو الدخول إليه فلسطينياً دون تضليل الذات بحكاية النصر والهزيمة، بل بالتعامل مع الحقائق المثبتة على الأرض.

هذا لم يعالج فلسطينياً حتى الآن، مع أن حقائقه ساطعة، إن لم يُقَرّ بها فعداد الخسائر لن يتوقف عند ما حدث بل سيصل إلى ما هو أفدح.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد