عندما تصبح أموال الشعوب غنائم للحروب
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: أبو شريف رباح 

لم يعد الصراع في عالم اليوم يقتصر على احتلال الأرض أو السيطرة على الموارد أو فرض العقوبات الاقتصادية، بل دخل مرحلة أكثر خطورة تتمثل في تحويل أموال الشعوب إلى وسيلة لتسديد فاتورة الحروب والنزاعات السياسية والعسكرية في سابقة تضع النظام الدولي أمام اختبار حقيقي، هل ما زال القانون هو المرجعية أم أن ميزان القوة أصبح وحده من يحدد من يملك المال ومن يقرر مصيره؟

على مدى سنوات اعتادت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة اقتطاع أجزاء من أموال المقاصة الفلسطينية، وهي أموال فلسطينية خالصة تجبيها إسرائيل بموجب الاتفاقيات، ثم تحتجزها وتقتطع منها مبالغ بقرارات إسرائيلية أحادية، وقد روج لهذه السياسة باعتبارها تعويضا عن أضرار أو عمليات استهدفت إسرائيليين بينما كان المتضرر الحقيقي هو الشعب الفلسطيني الذي حرم من جزء من موارده المالية المخصصة لرواتب الموظفين والخدمات الأساسية للدولة. 

واليوم تتكرر الصورة ولكن على مستوى دولي أكثر اتساعا فالتصريحات الأمريكية التي تحدثت عن استخدام الأموال الإيرانية المجمدة لتعويض الأضرار التي قد تلحق بالسفن أو الشحنات في مضيق هرمز تعكس إذا ما نفذت منطقا يقوم على أن الدولة الأقوى تستطيع أن تعيد توزيع أموال الآخرين وفق رؤيتها ومصالحها لا وفق أحكام القضاء والقانون أو توافق المجتمع الدولي.

قد تختلف الظروف القانونية والسياسية بين الحالة الفلسطينية والحالة الإيرانية لكن التشابه يكمن في فكرة واحدة، أن أموال طرف ما تصبح تحت تصرف طرف آخر يقرر منفردا كيف تُستخدم ولمن تمنح، وهنا تكمن الخطورة لأن الأمر لا يتعلق بدولة بعينها بل بمبدأ يمكن أن يمتد ليطال أي شعب أو دولة في المستقبل.

فإذا أصبح من المقبول أن تستخدم الأموال المجمدة أو المحتجزة أو الخاضعة لسيطرة دولة أخرى لتعويض خسائر الحروب فما الذي يمنع أن يتحول هذا النهج إلى قاعدة عامة، ومن يضمن ألا تصبح أموال الدول النامية أو الضعيفة رهينة للقرارات السياسية للدول الكبرى كلما اندلع نزاع جديد؟

إن احترام القانون الدولي لا يتحقق بالانتقائية ولا يجوز أن تتحول العقوبات أو إجراءات التجميد إلى وسيلة لإعادة توزيع الثروات خارج المؤسسات القضائية الدولية فالعدالة لا تُبنى على قرارات أحادية الجانب بل على قواعد قانونية تطبق على الجميع دون تمييز.

إن أخطر ما في هذا المسار أنه يكرس عالما تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق القوة لا بمنطق الحقوق، فعندما تصبح أموال الشعوب جزءا من غنائم الصراع فإن الحديث عن العدالة الدولية وسيادة القانون يفقد معناه الحقيقي. 

ويبقى السؤال مفتوحا أمام العالم إذا أصبحت أموال الشعوب ثمنا لحروب لم تخترها فمن سيكون الضحية التالية؟ وهل نحن أمام نظام دولي يحمي الحقوق أم أمام مرحلة جديدة يُشرعن فيها الأقوياء التصرف بثروات الآخرين كلما اقتضت مصالحهم ذلك؟

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد