عينٌ حقيقيّة على الشرق الأوسط
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: منير قليبو

من شرفةٍ في القدس يمكنك أن ترى المدينتَين معاً: الغربيّة بمقاهيها المكتظّة وأضوائها التي لا تنطفئ، والشرقيّة بجدارها وحواجزها وبيوتها التي يُجبَر أصحابها على هدمها بأيديهم. مدينةٌ واحدة، وزمنان لا يلتقيان. وهذا المشهد المصغّر — الرفاهية على بُعد أمتار من الخراب — صار اليوم صورةَ العالم العربيّ كلّه.
منذ الثامن والعشرين من شباط/فبراير ٢٠٢٦، حين انطلقت الحرب الأمريكيّة–الإسرائيليّة على إيران واغتيل المرشد الإيرانيّ في ساعاتها الأولى، لم تعد الأزمة ملفّاً إقليميّاً يُناقَش في القنوات. صارت شيئاً يدخل البيوت: في فاتورة الكهرباء، في سعر كيلو اللحم، في ابنٍ تخرّج ولم يجد عملاً، في حدودٍ أُغلقت، في مطارٍ ألغى رحلاته. ولمن يريد أن ينظر بعينٍ مفتوحة، لا بعين النشرة، فهذا ما يراه.
القدس: مدينةٌ تُبتلَع على مَهل
في النصف الأول من هذا العام وحده، صدر تسعةٌ وأربعون أمر استيلاء عسكريّ على الأراضي في الضفة الغربيّة — أي أكثر ممّا صدر في عام ٢٠٢٥ بأكمله — تغطّي أكثر من ألفَين وتسعين دونماً، معظمها على امتداد الطرق الالتفافيّة الاستيطانيّة. وفي القدس الشرقيّة، أُجبرت عائلة أبو طير في تمّوز على هدم بيتها بيدها، ودفعت غرامةً بثمانين ألف شيكل، وبقي سبعةٌ من أفرادها بلا مأوى. وعلى الجدار قرب بير نبالا، قُتل رجلٌ فلسطينيّ برصاص الجيش لأنّه حاول العبور إلى مدينته.
هذه ليست حوادث. هذه سياسة تُنفَّذ ببطءٍ مقصود، بحيث لا يشكّل أيّ يومٍ منفرد “حدثاً” يستحقّ عنواناً.
الضفة: ستّ اعتداءات كلّ يوم
الأرقام هنا تروي القصّة أوضح من أيّ خطاب. وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيّة، صارت اعتداءات المستوطنين تشكّل خمسةً وخمسين بالمئة من إصابات الفلسطينيّين في الضفة هذا العام. وارتفع معدّلها من اعتداءٍ واحد كلّ ثلاثة أيام في ٢٠٢٠ إلى ما يقارب ستّة اعتداءات يوميّاً في ٢٠٢٦ — أكثر من ألف ومئتَي حادثة في أكثر من مئتَين وأربعين تجمّعاً سكنيّاً.
يقتحمون تحت حماية الجيش، يحرقون، يسرقون الماشية، ويُهجّرون. والعائلة التي تفقد أرضها لا تجد محكمةً تعيدها، ولا عاصمةً عربيّةً تسأل عنها.
غزة: هدنةٌ تُحصى بالجثث
مضى على وقف إطلاق النار أكثر من تسعة أشهر، وقُتل خلالها ما يزيد على ألفٍ ومئة فلسطينيّ. “الخطّ الأصفر” يتحرّك غرباً كلّما هدأ الحديث عنه، والناس محشورون في مساحةٍ تضيق. الأمم المتحدة تصف الوضع بأنّه قائمٌ على “ترقيعات إنسانيّة”، ونداء التمويل الطارئ للأرض المحتلّة لم يُغطَّ منه سوى أربعةٍ وعشرين بالمئة. أربعة وعشرون بالمئة — بعد كلّ ما رآه العالم.
ويُبنى الآن ساترٌ ترابيّ ضخم يشطر القطاع فعليّاً إلى نصفَين، بينما تُعاد هندسة الحكم فيه من الخارج. الأطفال يتعلّمون في ستّمئة وعشر مساحاتٍ تعليميّة مؤقّتة. هذا هو مستقبل جيلٍ كامل: خيمةٌ اسمها مدرسة.
لبنان: أضعفُ اتفاق سلامٍ في التاريخ
في السادس والعشرين من حزيران، وُقّع في واشنطن اتفاقٌ إطاريّ من أربع عشرة نقطة بين لبنان وإسرائيل. خرج المتظاهرون إلى شوارع بيروت في اليوم التالي. رئيس المجلس النيابيّ نبيه برّي وصفه بأنّه “اتفاق حرب أهليّة”. الرئاسة والحكومة تقولان إنّه الطريق الوحيد لاستعادة السيادة وانسحاب الجيش الإسرائيليّ.
جوهر الخلاف في البند التاسع: نزع سلاح كلّ المجموعات غير الدولتيّة. أي أن يُطلَب من الجيش اللبنانيّ أن يفعل بالقوّة ما لم تستطعه الحرب. بلدٌ خرج من نزوح مئات الآلاف، ودُمّرت قراه في الجنوب، ويُنتظَر منه الآن أن يختار بين مواجهةٍ داخليّة ووصايةٍ خارجيّة. وفي كانون الأول تنتهي مهمّة اليونيفيل.
هذا ليس سلاماً. هذا تأجيل حربٍ بصيغةٍ موقّعة.
من دمشق إلى بغداد وعمّان والقاهرة
سوريا تُعاد صياغتها من الخارج أيضاً، ورُفعت عنها العقوبات لا لأنّها تعافت بل لأنّ ترتيباً إقليميّاً جديداً يحتاجها في مكانٍ محدّد. العراق تحوّل مرّةً أخرى إلى ساحةٍ تُطلَق منها الصواريخ وتُستقبَل عليها الضربات، وتُوقَّع فوقه اتفاقات أنابيب بينما يُقتل شبابه. الأردن يحمل الرقم الأعلى في البطالة عربيّاً — سبعة عشر وسبعة بالمئة — وهو مطالَب في الوقت نفسه بأن يكون “مستقرّاً”. ومصر تختنق بديونها وبضغط اقتصاديّ لا ينتهي، وقد فقدت عمليّاً دورها القياديّ الذي بُنيت عليه الجامعة العربيّة نفسها.
أمّا الجامعة، فقد اكتفى أمينها العامّ بإدانة الردّ الإيرانيّ على الدول العربيّة. لا موقف من الحرب، ولا من غزّة، ولا من الضفّة. مؤسّسةٌ تعمل بقاعدة الإجماع، وهي قاعدةٌ تعني أنّ أيّ دولةٍ واحدة تستطيع تعطيل كلّ شيء — فصار كلّ شيء معطّلاً.
الخليج: نهاية أسطورة “الملاذ الآمن”
هنا المفاجأة التي لم يتوقّعها كثيرون. الخليج الذي أنفق عقودَين على بناء صورةٍ لنفسه كواحةِ أمانٍ في إقليمٍ مشتعل، اكتُشف أنّه داخل النار لا خارجها.
أُغلق مضيق هرمز في الرابع من آذار. تجاوز خام برنت مئةً وعشرين دولاراً، وأعلنت قطر القوّة القاهرة على صادراتها. استُهدفت نحو ثمانين منشأة طاقة في المنطقة، بأضرارٍ تُقدَّر بثمانيةٍ وخمسين مليار دولار. البنك الدوليّ خفّض توقّعات نموّ المنطقة من ٤٫٤٪ إلى ١٫٣٪. وصندوق النقد يقدّر خسارةً تراكميّة في الناتج تبلغ سبعة بالمئة على مدى خمس سنوات، بآثارٍ تمتدّ إلى ما بعد العقد.
والإمارات تحديداً — التي يظنّ كثيرون أنّها نجت — استُهدفت قطاعاتها الأكثر رمزيّةً: الطاقة والمصارف واللوجستيّات والتقنية. توقّعت “موديز” هبوط إشغال فنادق دبي إلى عشرة بالمئة في الربع الثاني بعد أن كان ثمانين. أُلغيت أكثر من ثلاثين ألف رحلة جوّيّة في الشهر الأول وحده. أطلقت دبي حزمة دعم بمئتَين واثنين وسبعين مليون دولار، ومدّت الإمارات البحرين بمبادلة عملة بخمسة مليارات وأربعمئة مليون.
صحيحٌ أنّ الخزائن لم تُفلس: خطّ حبشان–الفجيرة أنقذ للإمارات ما يصل إلى مليون وثمانمئة ألف برميل يوميّاً، وارتفعت أرباح أرامكو ستّةً وعشرين بالمئة. لكن ما انهار ليس الميزانيّة، بل الرواية. اقتصادٌ بُني بالكامل على وعدِ “الأمان” لا ينقذه أنبوب نفط حين يصل الصاروخ إلى مستودعٍ في الشارقة.
من الخرطوم إلى طرابلس وتونس والرباط
وعلى الطرف الآخر من الخريطة، بلدانٌ لم تشارك في هذه الحرب وتدفع ثمنها كاملاً. السودان في حربه الخاصّة، مصنَّفاً مع اليمن في خانة الدول الأشدّ هشاشة، حيث تتحوّل كلّ صدمةٍ إقليميّة مباشرةً إلى جوع. ليبيا في المرتبة الثانية عربيّاً في البطالة بسبعة عشر وثلاثة بالمئة. تونس بخمسة عشر وثلاثة. المغرب أفضل حالاً نسبيّاً، لكنّه يعيش على السياحة والتحويلات — وكلاهما أوّل ما يتبخّر حين يُغلق المجال الجوّيّ.
الأرقام التي لا تكذب
قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائيّ في آذار أنّ التصعيد قد يكلّف اقتصادات المنطقة بين ٣٫٧ و٦٪ من ناتجها المجمّع — أي ما بين مئةٍ وعشرين ومئةٍ وأربعةٍ وتسعين مليار دولار. وأنّ البطالة قد ترتفع بأربع نقاط مئويّة، بما يعني فقدان ثلاثة ملايين وستّمئة ألف وظيفة — أكثر من كلّ ما خُلق في المنطقة خلال عام ٢٠٢٥ — ودفعِ أربعة ملايين إنسان إضافيّ تحت خطّ الفقر.
وفي المقابل، بلغ الذهب رقماً قياسيّاً تجاوز خمسة آلاف وخمسمئة دولار للأونصة. هذا ليس تفصيلاً ماليّاً؛ إنّه أوضح اعترافٍ في العالم بأنّ أحداً لم يعد يثق بشيء. المال يهرب إلى المعدن، والناس يهربون من بيوتهم.
جيلٌ يهاجر أو يُدفَن
أكثر من ستّين بالمئة من سكّان هذه المنطقة شباب. أكثر من مئتَي مليون إنسان. وهذه أكبر ثروةٍ يملكها العرب على الإطلاق — ونحن ننفقها على لا شيء.
البطالة بين الشباب في الشرق الأوسط تتجاوز الخمسة والعشرين بالمئة، وهي الأعلى والأسرع نموّاً في العالم وفق منظّمة العمل الدوليّة. والنتيجة الطبيعيّة أنّ الجيل قرّر الرحيل: تشير مسوح الرأي العربيّة لهذا العام إلى أنّ خمسين بالمئة من شباب السودان، وستّةً وأربعين بالمئة في تونس، واثنَين وأربعين في الأردن، وثمانيةً وثلاثين في لبنان، يفكّرون جدّيّاً في مغادرة بلدانهم.
تأمّلوا هذا الرقم جيّداً. نصف شباب السودان. هؤلاء ليسوا أرقاماً في تقرير — هؤلاء الأطبّاء الذين لن يعالجوا أحداً هنا، والمهندسون الذين سيبنون مدن غيرنا، والمعلّمون الذين سيعلّمون أطفالاً ليسوا أطفالنا. وحدهم في الخليج ما زال الشباب متفائلين، وحتّى ذلك بدأ يتصدّع مع أوّل صاروخٍ سقط على الشارقة.
أمّا في فلسطين فالمعادلة أقسى: الشابّ لا يستطيع الهجرة ولا يستطيع البقاء. في غزّة يتعلّم في خيمة، وفي الضفة يُقتل قرب أرضه، وفي القدس يُسحب منه حقّ الإقامة إن سافر ليدرس. جيلٌ محاصرٌ في الجغرافيا وفي الزمن معاً.
السياحة والاستهلاك: انكماش الحياة نفسها
السياحة كانت آخر ما تبقّى لكثير من هذه البلدان. المغرب وتونس ومصر والأردن ولبنان تعيش عليها فعليّاً. واليوم أُلغيت أكثر من ثلاثين ألف رحلة جوّيّة في شهرٍ واحد، وأُغلقت أجواء، وتحوّل البحر الأحمر ومضيق هرمز إلى مناطق تُتجنَّب. فنادق دبي — رمز الازدهار الخليجيّ كلّه — يُتوقَّع أن ينزل إشغالها إلى عشرة بالمئة.
وحين تسقط السياحة، لا يسقط قطاعٌ واحد. يسقط سائق التاكسي، والمرشد، وصاحب البسطة، والمزارع الذي يبيع للمطعم، وبائعة المطرّزات في البلدة القديمة. اقتصادٌ كامل غير مرئيّ يعيش في ظلّ الفنادق.
ثمّ يأتي الأخطر، وهو ما لا يُقاس بسهولة: انكماش الاستهلاك. العائلة التي تخاف من الغد لا تشتري، ولا تستثمر، ولا تفتح مشروعاً، ولا تتزوّج، ولا تنجب. تنكمش. وحين تنكمش ملايين العائلات في وقتٍ واحد، تتوقّف التنمية الاجتماعيّة عن التقدّم وتبدأ بالتراجع — تُسحب البنت من المدرسة، ويُؤجَّل العلاج، ويُختصر الطعام إلى وجبتَين. الأمم المتحدة تقدّر أنّ أربعة ملايين إنسانٍ إضافيّ سيُدفعون تحت خطّ الفقر. لكنّ الفقر ليس رقماً؛ إنّه قرارٌ يُتّخذ في مطبخ كلّ ليلة عن أيّ شيءٍ يُشطب.
نظرةٌ إلى الأمام، وهي مخيفة
لنكن صريحين بلا تجميل. إن استمرّ المسار الحاليّ عشر سنوات، فهذا ما ينتظرنا:
منطقةٌ فقدت جيلها الأكفأ بالهجرة، وبقي فيها من لم يستطع الرحيل — وهو أكثر الناس غضباً وأقلّهم أملاً. اقتصاداتٌ ريعيّة تكتشف أنّ النفط لم يعد يشتري الأمان ولا الاحترام. دولٌ ضعيفة تُدار سيادتها من خارجها عبر اتفاقات موقّعة في عواصم أخرى. مجتمعاتٌ مقسّمة داخليّاً بين مؤيّدٍ ومعارض لتسوياتٍ لم يُستشَر فيها أحد — لبنان اليوم، وربّما غيره غداً. وموجة اضطرابٍ اجتماعيّ قادمة لا محالة، لأنّ الجوع والبطالة والإذلال ثلاثيّةٌ لها في تاريخنا سابقةٌ واحدة، ونعرف جميعاً كيف انتهت.
وفلسطين في قلب هذا كلّه: ضفّةٌ تُقضَم بأوامر عسكريّة، وقدسٌ تُفرَّغ من أهلها بالغرامات والهدم، وغزّةٌ تُشطَر بساترٍ ترابيّ ويُدار مصيرها من مجلسٍ لا يجلس فيه فلسطينيّ واحد.
ومن يتحمّل المسؤوليّة؟
هنا يجب أن نقول الأمر بوضوح.
هذه الحرب لم تشعلها دولةٌ عربيّة. أطلقتها الولايات المتّحدة وإسرائيل في الثامن والعشرين من شباط، ودفع ثمنها من لم يُستشَر فيها: الكويتيّ الذي تعطّلت صادرات بلاده ووصلت إليه أزمة غذاءٍ لأنّ أكثر من ثمانين بالمئة من واردات الخليج تمرّ عبر مضيقٍ أُغلق، والقطريّ الذي احترق مجمّع رأس لفّان، والبحرينيّ الذي قُتل عاملٌ في مينائه، والأردنيّ الذي سقطت الصواريخ فوق سمائه، واللبنانيّ الذي دُمّرت قريته، والفلسطينيّ الذي لم يتوقّف عنه القتل يوماً واحداً منذ ثلاث سنوات.
ومنظومة الاحتلال الإسرائيليّة، المدعومة أمريكيّاً بالسلاح والفيتو والغطاء السياسيّ، ليست طرفاً في الأزمة الإقليميّة — هي محرّكها. اعتداءات المستوطنين تجري تحت حماية الجيش، وهذا موثّقٌ في تقارير الأمم المتحدة نفسها لا في خطابنا. والضمّ الزاحف يتقدّم بأوامر إداريّة بينما ينشغل العالم بالحرب الأكبر.
هل يعفي هذا الحكومات العربيّة من مسؤوليّتها؟ إطلاقاً. الفساد فسادنا، والبطالة صنيعة سياساتنا، والجامعة العربيّة عطّلناها بأيدينا. لكنّ الاعتراف بأخطائنا لا يعني إعفاء من صنع الخراب من مسؤوليّته عنه. الأمران صحيحان معاً، ومن يطالبك بأن تختار واحداً منهما فقط إنّما يطلب منك أن تصمت.
وصمتُ العالم
أمّا الأشدّ إيلاماً فهو الصمت.
أكثر من ألفٍ ومئة قتيل في غزّة بعد وقف إطلاق النار، والأمم المتحدة نفسها تقول إنّ الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب — ولا شيء يحدث. ألفٌ ومئتا اعتداء استيطانيّ في عامٍ واحد — ولا شيء يحدث. عائلةٌ تهدم بيتها بيدها وتُغرَّم ثمانين ألفاً — ولا شيء يحدث. نداء تمويلٍ إنسانيّ لا يُغطّى منه إلّا ربعه، في اللحظة نفسها التي تُنفَق فيها المليارات على اعتراض الصواريخ.
العالم لم يعد يجهل. العالم يعرف بالتفصيل، وبالصور، وبالأرقام الرسميّة، ويقرّر ألّا يفعل. وهذا أسوأ من الجهل بكثير. وحدها بضع دول بدأت تتحرّك — هولندا حظرت بضائع المستوطنات — لكنّها استثناءٌ يؤكّد القاعدة.
الصمت هنا ليس غياب موقف. الصمت موقف.
في النهاية
يعني هذا كلّه أنّ الشابّ في عمّان لن يجد عملاً، وأنّ الطفل في غزّة يتعلّم في خيمة، وأنّ المقدسيّ يهدم بيته بيده، وأنّ اللبنانيّ يُطلَب منه أن يختار طرفاً في حربٍ أهليّة موقّعة سلفاً، وأنّ العامل في دبي فقد وظيفته لأنّ الفنادق فارغة، وأنّ السودانيّ لا يجد من يسأل عنه أصلاً.
والحقيقة التي لا يقولها أحد بصراحة: لم يعد هناك نظامٌ عربيّ. هناك اثنتان وعشرون دولةً تتفاوض كلٌّ منها منفردةً على شروط بقائها، مع قوًى ليست عربيّة. والفراغ الذي تركه غيابنا لم يبقَ فارغاً — ملأته واشنطن وتل أبيب وطهران وأنقرة.
لكنّ المستقبل لم يُكتب بعد. هذا الجيل الذي يريد الرحيل هو نفسه الجيل الوحيد القادر على البقاء وتغيير شيء. والسؤال الذي يجب أن يُطرح في كلّ بيتٍ عربيّ الليلة ليس “ماذا يفعلون بنا؟” — فهذا صرنا نعرفه جيّداً — بل: ماذا سنترك لمن بعدنا؟
ومن يدفع الثمن أوّلاً وأخيراً؟ من كان يدفعه دائماً. الناس.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد