الضفة الغربية على حافة الانفجار: قراءة في مخطط "صناعة غزة ثانية" وسيناريوهات الحسم
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب:  عكرمة ثابت

مقدمة:

بينما تتجه الأنظار نحو الجبهات المشتعلة ، تعيش الضفة الغربية المحتلة فصلاً جديداً ومكتوماً من فصول الحسم الإستراتيجي ؛ حيث تُعيد المؤشرات الميدانية والسياسية إنتاج "السيناريو الغزي" بدقة خطيرة .

إن ما تشهده مدن وقرى ومخيمات الضفة اليوم ليس مجرد تدهور أمني عابر ، بل هو عملية دفع ممنهجة نحو الانفجار الشامل ، يُستغل فيها صبر الشارع لتهيئة المسرح لعمليات تدمير وتهجير واسعة تحت غطاء مواجهة "الردود المحتملة".

أولاً :  تحليل الوضع القائم ( استدراج الانفجار وفرض الحقائق ) :-

تتحرك حكومة اليمين المتطرف وفق استراتيجية حسم الصراع لا إدارته ، ويظهر ذلك في ثلاثة مسارات رئيسية :

_ الاستدراج العسكري المنظم : تكثيف الاقتحامات الدموية لمدن وقرى ومخيمات الشمال والجنوب ، ليس لمجرد أهداف موضعية ، بل بهدف خلق بيئة طاردة وتدمير البنية التحتية بشكل يحاكي بدايات تدمير قطاع غزة .

_ الإرهاب الاستيطاني كأداة رسمية: لم يعد إرهاب المستوطنين في ريف الضفة ومسافر يطا وسنجل والمغير وترمسعيا واللبن الشرقيه وقرى نابلس ( تل وصره وبيت فوريك وغيرها ) وسفوح الأغوار مجرد اعتداءات عشوائية ، بل هو توزيع أدوار ممنهج مع جيش الاحتلال لتهجير التجمعات البدوية والفلسطينية قسرياً وعزل القرى .

_ الخنق الاقتصادي والسياسي : احتجاز أموال المقاصة ، ومنع العمال من الدخول ، وتقطيع أوصال البلدات بالحواجز ، كلها عوامل تهدف إلى إيصال المجتمع الفلسطيني في الضفة إلى نقطة الانفجار التلقائي نتيجة انعدام مقومات الحياة.

الاحتلال يراهن بشكل واضح على استنفاد صبر الناس ، ويبحث عن أي رد فعل أو عمل مقاوم -ولو كان بسيطاً أو فردياً- لتوظيفه كغطاء سياسي وأمني وإعلامي أمام المجتمع الدولي لشن عملية عسكرية واسعة تتيح له تدمير قرى بأكملها ، وتهجير سكانها ، وإعادة هندسة الجغرافيا في الضفة .

ثانياً :  الاستنساخ ( كيف تتدحرج الضفة على خطى غزة؟ )

لإدراك خطورة المخطط الحالي ، يكفي تتبع المحطات التاريخية التي قادت قطاع غزة إلى وضعه الراهن ، ومقارنتها بما يجري الآن على الأرض في الضفة ، حيث يبدو أن الاحتلال يستنسخ ذات الآليات التحضيرية :

_ مرحلة الشيطنة وصناعة "التهديد الوجودي" : بدأت المسيرة في غزة لسنوات عبر ترسيخ صورتها في الوعي الدولي والإسرائيلي كبؤرة لا يمكن التعايش معها .

اليوم ، يمارس الإعلام والسياسيون في حكومة الاحتلال ذات السياسة عبر تصوير مدن ومخيمات وقرى شمال الضفة (مثل جنين وطولكرم ونابلس ) باعتبارها "قنابل موقوتة" تتطلب حلولاً عسكرية جذرية ، تمهيداً لتقبل الرأي العام لفكرة التدمير الواسع.

_ من الحصار الاقتصادي إلى الخنق التام : خضعت غزة قبل الانفجار الكبير لحصار اقتصادي طويل ومحكم ، عزلها عن محيطها بهدف إيصال مواطنيها لحافة اليأس .

هذا المسار يُطبق حرفياً الآن في الضفة عبر الحصار المالي ، ومنع العمال من كسب قوتهم ، وإغلاق المداخل بالحواجز ، وعربدة المستوطنين ؛ وهي بيئة تُصنع عمداً لدفع الناس نحو خيارات صفرية تقود تلقائياً نحو الانفجار .

_ تفكيك البنية التحتية بالتدريج (عقيدة القص) : في غزة، سبقت الحروب الكبرى عمليات عسكرية متكررة أُطلق عليها " قص العشب" .

في الضفة الغربية ، تحولت الاقتحامات اليومية وفلتان المستوطنين من عمليات اعتقال واعتداءات موضعية إلى تدمير شامل ومقصود للبيوت والممتلكات ولشبكات المياه ، الكهرباء ، الصرف الصحي ، والطرق والاراضي الزراعية ، وهو سلوك يهدف إلى جعل هذه المناطق غير قابلة للحياة البشرية وطرد سكانها بالتدريج (تهجير صامت) .

_ عزل الجغرافيا وتحويلها إلى "كانتونات" : تم فصل قطاع غزة تاريخياً عن الضفة وعن العالم عبر منظومة جدران وأسلاك شائكة يسهل خنقها بقرار واحد. ذات الهندسة الجغرافية تكتمل الآن في الضفة الغربية ؛ حيث يجري استخدام شبكة الطرق الالتفافية ، والمستوطنات المتمددة ، والبوابات العسكرية العازلة ، لتحويل الضفة إلى معازل منفصلة تماماً ، يمكن للاحتلال الاستفراد بكل قرية أو مدينة أو مخيم منها على حدة وتطبيق "نموذج الحصار الغزي" عليها في دقائق .

ثالثاً: الأبعاد السياسية والإقليمية والدولية :_

لمواجهة هذا المخطط الرامي إلى تفجير الأوضاع ، تتحرك الأطراف السياسية المعنية ضمن هوامش مناورة معقدة تفرضها موازين القوى الراهنة :

_ موقف السلطة الفلسطينية (بين مطرقة الضغط وسندان الانهيار) : تجد السلطة نفسها في أعقد مساراتها التاريخية ، حيث تدرك أن الاحتلال يسعى لجرّها إلى مواجهة مباشرة أو إعلان انهيارها لتبرير السيطرة الكاملة وإلغاء الوجود السياسي الفلسطيني ، لذلك ، تتمسك السلطة بضبط النفس لتفويت الذريعة التدميرية ، وتركز جهدها الأساسي في المسار الدبلوماسي والقانوني الدولي ( كمحكمة العدل والجنائية الدولية ) لتثبيت الحقوق الوطنية ، رغم الحصار المالي الخانق الذي يهدد قدرة مؤسساتها على البقاء .

_ الموقف الإقليمي (حسابات الاستقرار والأمن القومي) : تتحرك القوى الإقليمية المحيطة ، وتحديداً الأردن ومصر ، بناءً على حسابات أمن قومي مباشرة . يرى الأردن في التصعيد وفي محاولات الطرد الصامت تهديداً مباشراً لأمنه (سيناريو الوطن البديل) ، لذا يركز على حماية المقدسات والضغط لمنع تفريغ الضفة .

بدورها ، تسعى مصر والقوى العربية الوازنة لكبح المخططات عبر اتصالاتها مع واشنطن ، ومحاولة تقديم دعم مالي طارئ لمنع الانهيار المؤسساتي .

_ الموقف الدولي (فجوة بين الإدانة والفعل) : يتسم الموقف الدولي بالازدواجية والعجز عن إحداث تغيير حقيقي .

ورغم التصريحات الأمريكية والأوروبية الرافضة للاستيطان ولتقويض السلطة ، إلا أن هذه المواقف تظل سقفاً سياسياً بلا أدوات تنفيذية أو عقوبات اقتصادية رادعة تجبر حكومة الاحتلال على مراجعة حساباتها ، مما يمنحها غطاءً ضمنياً للاستمرار .

رابعاً: التوقعات والسيناريوهات المستقبلية

بناءً على هذه المعطيات الراهنة ، تتجه الضفة الغربية نحو سيناريوهات حاسمة ومرحلة مفصلية :

_ سيناريو الانفجار الشامل (المواجهة المفتوحة) : وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً .

إن استمرار الضغط يولد الانفجار ، وإذا ما تدحرجت الأمور إلى مواجهة شعبية واسعة، ستستغل حكومة الاحتلال الفرصة لتطبيق عقيدة "الأرض المحروقة" في مناطق (ج) وبعض المخيمات ، ومحاولة فرض تهجير داخلي أو خارجي تحت ستار الحرب ، وقد يطال ذلك مناطق( أ و ب) .

_ سيناريو "غزة المصغرة" (الحصار والتقسيم) : تحويل الضفة إلى مربعات أمنية معزولة تماماً ، حيث يتم فصل المدن عن بعضها بالبوابات الحديدية والجدران ، مع استمرار عمليات "القص والضم" والتوغل العسكري التدميري في أي قرية أو مخيم يظهر بادرة مقاومة للواقع الاستيطاني .

_ سيناريو التآكل والضم الزاحف: في حال نجاح الاحتلال في ضبط إيقاع الردود الفلسطينية دون انفجار كبير ، سيسرع من عملية الضم القانوني والفعلي لأجزاء واسعة من الضفة ، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى كيان إداري بحت بلا أي سيادة ، مع حسم مصير القدس والمناطق الحيوية نهائياً .

خلاصة تحليليّة :

إن الضفة الغربية لا تعيش مجرد موجة تصعيد عابرة ، بل تمر بمرحلة تفكيك ممنهج لكيانيتها الجغرافية والديمغرافية .

الرهان الإسرائيلي على استدراج رد الفعل لتبرير التدمير يتطلب وعياً وطنياً رفيعاً لكشف هذه المخططات ، لكن المؤشرات الميدانية تؤكد أن سياسة الخنق المستمر لن تترك للشعب الفلسطيني خيارات كثيرة ، مما يجعل الانفجار مسألة وقت .

وفي ظل منظومة دولية عاجزة ومحيط مثقل بالحسابات ، يظل الرهان الأساسي على قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود الميداني ، وابتكار أدوات مواجهة شعبية واقتصادية ذاتية ، تفشل مخطط الاستدراج الإسرائيلي وتحافظ على الوجود البشري فوق الأرض كعامل حسم أساسي في هذه المرحلة التاريخية الحرجة .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد