شبكة قدس الإخبارية - 7/26/2026 4:05:20 PM - GMT (+2 )
خاص - شبكة قُدس: في ساعات الليل المتأخرة، بعيداً عن عدسات الكاميرات ومشاركة الجماهير، يسعى الاحتلال الإسرائيلي لفرض سقفٍ جديدٍ من القيود على تشييع جثامين الشهداء الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتحويل الحقّ المكفول إلى إجراءٍ أمنيٍّ مشروط، بهدف القضاء على الأبعاد الإنسانية والدينية والوطنية التي تصاحب مراسم الدفن.
لم يعد مشهد ”الدفن المشروط“ مقتصراً على شهداء القدس والأراضي المحتلة عام 1948، بل أضحى نهجاً متصاعداً يفرضه الاحتلال على مناطق الضفة الغربية، عبر اشتراط الدفن السرّي تحت طائلة التهديد والرقابة العسكرية.
وتتضمن شروط تسليم الجثامين أو السماح بدفنهم اعتماد ساعات متأخرة من الليل، ومشاركة العائلة والأقارب بما لا يتجاوز ثلاثين شخصاً ممّن يوافق عليهم الاحتلال، بالإضافة إلى حظر رفع الرايات أو الهتافات، واشتراط الدفن المباشر دون مراسم الوداع في المنزل أو الصلاة على الجثامين في المساجد، فضلاً عن منع إدخال الهواتف الكاميرات إلى موقع الدفن، وفرض قيود مالية تلزم العائلات بدفع مبالغ باهظة تصل إلى عشرات آلاف الشواقل في حال الإخلال بالشروط.
سلطة ”القائد العسكري“ فوق أحكام القانون الدولي
لا تتوقف انتهاكات الاحتلال على الأبعاد النفسية والسياسية بل تتجاوز ذلك لتمسّ عماد القوانين والاتفاقيات الدولية التي تجرّم انتهاك حق الدفن طبقاً للشعائر الدينية في المادة 17 من اتفاقية جنيف الأولى، والمادة 130 من الاتفاقية الرابعة التي نصّت على وجوب ”دفن الموتى باحترام وطبقاً لشعائر دينهم“ وهذا ما يناقضه الاحتلال الإسرائيلي عبر فرض الدفن المشروط، ومنع الوداع والصلاة على الجثامين في المساجد.
كما أنه يخرق المادة 34 من البروتوكول الإضافي الأول التي تحظر مصادرة رفات الموتى وحرمان العائلات من الوصول إليهم، وكذلك القاعدة العرفية 114 التي تُلزم تسهيل إعادة جثث ورفات الموتى إلى ذويهم وتسهيل وصول الأسر إلى مدافنهم.
وتأتي هذه الانتهاكات في وقت يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي احتجاز 797 جثماناً ما بين الثلاجات ومقابر الأرقام وفقاً للحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء المحتجزة ومرصد شيرين. منها 541 جثماناً أُعيد احتجازهم منذ استئناف هذه السياسة عام 2015، وكان للضفة الغربية نصيب منها بـ24 جثماناً جرى احتجازهم منذ بداية عام 2026 وحده على اعتبارها سياسة استنزاف ممتدة، يسعى الاحتلال من خلالها لاستخدامهم كأوراق ضغط وابتزاز ضد العائلات وأداة لترهيب المجتمع ومحاولة لمحو أثر الشهيد على المستوى الشعبي.
يوضح المتحدث الرسمي باسم الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، الأستاذ حسين شجاعية، أن الاحتلال يحاول استنساخ تجربة القدس والداخل في الضفة الغربية عبر استغلال ”قانون الطوارئ البريطاني“ الذي يُعطي القائد العسكري صلاحيات فرض شروط قسرية على التشييع.
ويضيف شجاعية أن واقعة دفن شهداء قرية تلّ في نابلس فجر السبت (25/07/2026) تُعد من أولى الحالات العملية لفرض الدفن المشروط بالضفة، مؤكداً في الوقت ذاته أن ”رفض العائلات الاستلام والتشييع المشروط أثبت قدرته على إرغام الاحتلال على التراجع، كما جرى سابقاً مع جثمان الشهيد عودة الهذالين في مسافر يطا، والذي شُيّع وفق ما رأته عائلته مناسباً بعد إصرارها على رفض القيود.“ مشدّداً على استمرار الحملة في المتابعة القانونية لتسليم جثامين الشهداء كافة بشكل غير مشروط لضمان تشييعهم بما يليق بكرامتهم الوطنية والدينية.
”هندسة الوداع“.. جزء من استراتيجية الردع
إنّ إصرار الاحتلال على فرض قيود على تشييع ودفن الشهداء ليس مجرد إجراءٍ تنظيميٍّ أو أمنيٍّ عابر، ومحاولة هندسة الموت والتحكم في مظاهر الوداع والدفن تعكس قناعة أمنية وخشية عميقة لديه من الأثر التعبوي للجنازة، ومن استمرار الجسد الأعزل بعد الموت تشكيل تهديدٍ لسطوته.
وفي هذا السياق، يرى الباحث والمختص في الشأن الإسرائيلي، الأستاذ علاء الريماوي، أن المنظومة الإسرائيلية تعتمد على حزمة من العناصر لكبح تصاعد المواجهة في الضفة الغربية، في مقدمتها تغييب الجنائز وبيوت العزاء وهدم المنازل لردع حالات الاقتداء وتجفيف دوافع المُماثلة وفرض تكتيك ”تدفيع الثمن“. ويشير الريماوي إلى أن ”الحالات المقاوِمة تُعدّ في الحالة الفلسطينية أيقونة وثقافة ناظمة، وتُشكل الجنازة نموذج للتعبئة والتفاعل مع مفهوم وفعل الشهيد، وهو ما يفسّر لجوء الاحتلال حالياً لفرض معادلة الدفن المشروط واتهام المشاركين في التشييع بالمشاركة في ”العمل الإرهابي“.
فالجنازة الوطنية في الوعي الفلسطيني ليست طقساً للحزن الفردي فحسب، بل هي استفتاء شعبي ومساحة للتلاحم يُجدّد فيها الشعب الفلسطيني التزامه بخيارات المقاومة الشعبية ورفضه للانكسار أمام ممارسات الاحتلال، كما أنها تُعزز الوعي الوطني وتمنح المشاركين فرصة للتعبير السياسي والوطني. وغالباً ما تتحول جنازات الشهداء إلى نقاط مواجهة مع قوات الاحتلال يُترجم فيها الفلسطينيون مشاعر الحزن والرفض إلى فعل مقاوم مباشر.
من هنا، يسعى الاحتلال عبر الدفن السرّي أو المشروط إلى تجريد الشهيد من رمزيته، وتحويل فعل الاستشهاد من حدث جماهيري مُلهم إلى واقعة عائلية فردية ومغلقة.
ويقرأ الباحث في الشأن الإسرائيلي الأستاذ ياسر مناع الأبعاد المعنوية لهذا الإجراء مفسّراً: ”تعكس هذه السياسة سعياً إلى السيطرة على صورة الشهيد والمعاني التي تتشكل حوله بعد الموت. فالكلمات والصور والرموز المصاحبة للجنازة تساهم في بناء الذاكرة الجمعية، وتمنح الجثمان موقعاً داخل الرواية الوطنية.“
تتجاوز هذه الممارسة تجريد الشهيد من حقّه في التشييع اللائق إلى فرض عقاب نفسي وجسدي على عائلته، حيث تُرغم العائلات تحت ضغط الاحتجاز المفتوح للجثمان -سواء في الثلاجات أو مقابر الأرقام- على القبول بشروط مجحفة، تحرمهم من حقّهم في وداع أبنائهم وتشييعهم بكرامة تحت تهديد ومراقبة السلاح.
موقف وطني يرفض الخضوع
وفي محاولة لمواجهة فرض سياسة الدفن المشروط والسرّي تؤكّد لجنة المؤسسات والقوى والفعاليات الوطنية في محافظة نابلس على لسان الناطق الرسمي الدكتور غسان حمدان، رفضها التعاطي مع هذه الشروط الظالمة التي يفرضها الاحتلال بقوة السلاح على اعتبارها ”محاولة لكسر حالة الالتفاف الشعبي والمساندة للشهيد وعائلته، وضرب الحالة الوطنية بمزيد من القهر والذل.“
ويضيف حمدان: ”مواجهة هذه السياسة وتحدّيها هي مسؤولية جماعية تقع على كاهل كل المكونات السياسية والاجتماعية والمؤسساتية، ولا يجوز أن تُترك أسرة الشهيد لوحدها في مواجهة هذا الابتزاز. وما حصل في تجارب سابقة -كما في قرية تَلّ- يجب ألا يُقبل في المراحل القادمة كأمر واقع على الحركة السياسية والمجتمع الفلسطيني، لما للجنازة من رمزية وعمق وطني وإنساني.“
من جهته، ينبّه منسق القوى الوطنية والإسلامية في محافظة رام الله والبيرة، الأستاذ عصام بكر، إلى الخطورة البالغة لهذه السياسة، مؤكداً أنها تعكس ”عقلية عنصرية دأبت دولة الاحتلال على انتهاجها منذ الانتفاضة الأولى عام 1987، بهدف كيّ الوعي الفلسطيني ومنع انخراط الفئات الشبابية في الأنشطة الكفاحية، إلى جانب محاصرة البعد الاجتماعي لعقاب أهالي الشهداء.“
ويوضح بكر أن هذه السياسات ”فشلت فشلاً ذريعاً في تحويل القضية إلى حدث عائلي هامشي“ فتجارب استرداد الجثامين المحتجزة كانت قد تحولت فيها الجنازات إلى ”مسيرات غضب عارمة بمشاركة شعبية تُعبر عن الوفاء والاعتزاز بمكانة الشهيد. وكثيراً ما تُكسر القيود لتخرج المدن والمخيمات والقرى بشكل عفوي كرسالة تحدٍّ صريح لقيود الاحتلال.“
ويؤكد بكر أن الدفن القسري بأعداد محدودة يترك حزناً عميقاً وجرحاً إنسانياً لا تذهب آثاره بسهولة، متطرقاً إلى دور الحملات الوطنية والدولية لمواجهة سياسة احتجاز الجثامين والكشف عن ضحايا الإخفاء القسري، ومشدداً على أن ”المسؤولية تقع على عاتق الجميع -من قوى ومؤسسات وحكومة- لضمان مواراة الشهداء الثرى وفق التقاليد الدينية والأعراف الوطنية وبما يليق بكرامتهم."
هل يعمّق التقييد رمزية الشهيد؟
يضيء الباحث منّاع على زاوية مهمة في سياسة الاحتلال الإسرائيلي في الدفن السرّي أو المشروط قائلاً: ”مع تكرار هذه الإجراءات في مدن الضفة الغربية ومخيماتها، تتحول شروط الدفن إلى قانون عسكري غير مكتوب يحدد الجيش من يشارك ومتى يجري التشييع، وما الذي يسمح للعائلة والمجتمع بفعله. وهكذا تمتد السيطرة من الجثمان إلى المجال العام نفسه وإلى حق الفلسطينيين في التعبير عن الحزن والغضب والانتماء.“
ورغم قدرة الاحتلال على فرض سياساته على الأرض، خاصة مع توسيع الاقتحامات وتشديد الاعتقالات وكل ما يصاحبها من انهاك اقتصادي واجتماعي للضفة الغربية، إلا أن التضييق والمنع لا يمحو الرمزية الوطنية للشهداء وجنازاتهم، خاصة وأن الفضاء الرقمي ساهم إلى حدّ ما في تجاوز قيود الميدان، إذ تنتشر أسماء وصور وتفاصيل حياة الشهداء على نطاق واسع، وتتحول الجنازة المحدودة إلى حدث عام يتابعه جمهور أوسع من الموجودين في المكان.
ويخلص الباحث علاء الريماوي إلى أن الرهان الإسرائيلي على تطويع الحالة الفلسطينية عبر تضييقات تدفع باتجاه تثقيل مشاركة الفلسطينيين في الأعمال المقاوِمة والرافضة، مؤكداً أن التقاء بيئة المستوطنين الضاغطة مع إجراءات الاحتلال المشدّدة وضع المجتمع الفلسطيني أمام اضطرار المواجهة للدفاع عن النفس وبدأت تتشكل حالة فلسطينية غير قابلة للتطويع، بحيث لم يعد الأمر يتعلق بمواجهة متطوعة بل بمواجهة وجودية فرضتها ظروف الواقع المعاش.
وفي المحصلة يلفت الأستاذ منّاع إلى أن سياسة التقييد في التشييع والدفن في كثير من الحالات ”يؤدي إلى تعميق رمزية الجثمان، لأن الذاكرة لا تحتفظ بواقعة القتل وحدها، فهي تسجل أيضاً منع الوداع واحتجاز الجثمان والدفن تحت الرقابة وفي ساعات الليل. وتصبح هذه التفاصيل جزءاً من قصة الشهيد“، فحين يمنع الاحتلال الإسرائيلي مراسم التشييع والدفن فهو يبقي جرحاً غائراً وغضباً مكتوماً ومتراكماً يرسخ في الذاكرة الجمعيّة للشعب الفلسطيني عصيّاً على المحو والنسيان.
إقرأ المزيد


