شبكة راية الإعلامية - 7/26/2026 4:38:24 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. ياسر أبو بكر
تتحدث الدول والمجتمعات عن أمن الحدود، والأمن الاقتصادي والغذائي والسيبراني، لكنها قلّما تتوقف أمام نوع آخر من الأمن لا يقل عنها أهمية، هو الأمن التربوي ، أي قدرة المجتمع على حماية وعي أجياله، وبناء شخصياتهم المعرفية والأخلاقية والوطنية، وتمكينهم من الانفتاح على العالم دون أن يفقدوا هويتهم أو يتحولوا إلى متلقين لما تنتجه المنصات والخوارزميات.
لا يعني الأمن التربوي عزل الأبناء عن العالم، أو محاصرة التكنولوجيا بالمنع والرقابة، بل إعدادهم لاستخدامها بوعي، واستقبال الأفكار دون فقدان القدرة على نقدها، والتمييز بين المعلومة والرأي، وبين الحقيقة والتضليل، وبين الانتشار والقيمة. فالطالب الذي يمتلك جهازًا حديثًا لا يصبح بالضرورة متعلمًا رقميًا، كما أن الوصول السريع إلى المعلومات لا يعني امتلاك المعرفة أو القدرة على توظيفها.
وفي الحالة الفلسطينية، لا تعد هذه القضية شأنًا تقنيًا أو مدرسيًا محدودًا. فنحن نعيش في بيئة قسرية " قاسية " يتعرض فيها الإنسان والأرض والذاكرة والرواية للاستهداف. والاحتلال لا يسعى إلى السيطرة على الجغرافيا فقط، بل يعمل أيضًا على تفكيك علاقة الفلسطيني بتاريخه، وتشويه روايته، وإضعاف ثقته بذاته وبقدرته على بناء المستقبل. ولهذا تصبح حماية وعي الطفل الفلسطيني جزءًا من حماية الوجود الوطني نفسه.
غالبًا ما نحمّل الأسرة مسؤولية مراقبة الهاتف، ونطالب المعلم بمعالجة آثار البيئة الرقمية داخل الصف، لكن الأسرة والمعلم، على أهمية دورهما، لا يستطيعان منفردين مواجهة منصات عالمية تمتلك من البيانات والموارد وتقنيات التأثير ما يفوق قدرات الأفراد. فالأمن التربوي مسؤولية وطنية ومؤسسية تبدأ من المدرسة، لكنها تمتد إلى الجامعة والإعلام والثقافة والقطاع الخاص وصناع القرار العام.
لم يعد دور المدرسة مقتصرًا على تقديم المناهج وتنظيم الامتحانات. إنها مطالبة ببناء عقل قادر على السؤال والتحقق والمقارنة والاستنتاج. فالمناهج التي تقدم المعرفة في صورة إجابات جاهزة لا تستطيع تحصين الطالب في عالم يتدفق فيه المحتوى بلا توقف، وتنتج فيه الأخبار والصور والمقاطع بواسطة الإنسان والذكاء الاصطناعي، وتختلط فيه الوقائع بالتلاعب والدعاية.
من هنا، ينبغي أن تصبح التربية الإعلامية والثقافة الرقمية والتفكير النقدي مكونات أساسية في التعليم، لا موضوعات هامشية تقدم في محاضرة موسمية عن مخاطر الإنترنت. المطلوب ألا يتعلم الطالب كيف يشغّل التطبيقات فقط، بل كيف يفهم الطريقة التي تعمل بها، ولماذا يظهر له محتوى معين، ومن أنتجه، وما مصدره، وما الذي حذف منه، ومن المستفيد من انتشاره.
إن معرفة استخدام التكنولوجيا ليست هي الوعي بها.
والمشكلة في كثير من المقاربات التربوية أنها تنطلق من الخوف وحده: كيف نمنع المحتوى الضار؟ وكيف نبعد الهاتف عن الصف؟ وكيف نقلل ساعات الاستخدام؟ وهي أسئلة مشروعة، لكنها لا تكفي لبناء جيل قادر على الدراسة والعمل والمشاركة في عالم أصبحت التكنولوجيا جزءًا أصيلًا منه.
الطالب الذي نمنعه اليوم من استخدام أداة رقمية سيجد نفسه غدًا مضطرًا إلى التعامل معها في الجامعة والعمل والحياة العامة. وإذا لم نعلّمه استخدامها بوعي، فإننا لا نحميه، بل نؤجل مواجهته معها، ونتركه يدخل العالم الرقمي دون معرفة أو بوصلة. لذلك لا بد من الانتقال من التحصين إلى التمكين، فالتحصين يحمي الطالب من الخطر، أما التمكين فيمنحه القدرة على اكتشافه وفهمه والتعامل معه.
لقد علمتني تجربة التعليم في سجون الاحتلال، ثم البحث الأكاديمي في التعليم داخل البيئات القسرية، أن التعلم الحقيقي لا تصنعه وفرة الأدوات وحدها، بل تصنعه الإرادة والمعرفة والوعي الفكري والانتماء والانضباط والتعاون. ففي السجن، حيث كانت الكتب محدودة، والحركة مقيدة، والبيئة مصممة للعزل وكسر الإنسان، استطاع الأسرى أن يحولوا الزنازين إلى مساحات للتعلم. نظموا حلقات النقاش، وتبادلوا الكتب والخبرات، وعلم بعضهم بعضًا، وجعلوا من المعرفة وسيلة لتعزيز الانتماء ولحماية العقل والهوية والكرامة.
تقدم هذه التجربة درسًا بالغ الأهمية لعصر الوفرة الرقمية ، فقد يمتلك الطالب اليوم مكتبة العالم كلها في هاتفه، لكنه لا يتعلم بالضرورة. فالوصول إلى المعلومات لا يعني بناء المعرفة، وكثرة المحتوى لا تضمن عمق الفهم. وقد يكون الإنسان محاطًا بالشاشات، لكنه يعاني فقرًا معرفيًا ، في حين يستطيع المحروم من الأدوات أن يصنع بيئة تعلم حقيقية إذا امتلك الدافع والهدف والجماعة التعليمية.
لذلك يجب ألا يقتصر مشروع التحديث التربوي على تزويد المدارس بالأجهزة والمنصات، بل ينبغي أن يبني ثقافة تعلم تجعل الطالب باحثًا ومنتجًا وشريكًا، لا مستهلكًا ينتظر ما تقترحه عليه الخوارزمية. واستبدال الكتاب الورقي بملف إلكتروني، مع استمرار التلقين، لا يمثل تحولًا رقميًا، إنه مجرد نقل للطريقة القديمة من الورق إلى الشاشة.
الطالب الفلسطيني الرقمي الذي نحتاج إليه ليس طالبًا يخاف التكنولوجيا ولا طالبًا يستسلم لها، بل متعلمًا يفهمها وينقدها ويوظفها. إنه يسأل قبل أن يصدق، ويتحقق قبل أن ينشر، ويدرك أن الفضاء الرقمي ليس منطقة بلا أخلاق، وأن سرعة النشر لا تعفي من المسؤولية، وأن القدرة التقنية على فعل شيء لا تعني بالضرورة مشروعيته الأخلاقية.
وفي السياق الفلسطيني، يحتاج هذا الطالب إلى أكثر من الثقافة الرقمية العامة. يحتاج إلى معرفة تاريخية وسياسية وثقافية تؤهله لفهم قضيته والدفاع عنها بلغة دقيقة وحجة موثقة. فالانتماء الوطني في العصر الرقمي لا يقاس بعدد الشعارات المنشورة، بل بمعرفة الرواية الفلسطينية، وفهم تاريخ الشعب، والقدرة على تقديم هذه الرواية إلى العالم بمصداقية ووعي.
يمكن للهاتف أن ينتقل من أداة للاستهلاك إلى وسيلة للتعلم والتوثيق والإبداع. يستطيع الطالب أن يوثق تاريخ قريته، ويسجل شهادات كبار السن، ويروي تجارب الأسرى واللاجئين، ويعرّف بتراث مدينته، وينتج محتوى علميًا وثقافيًا يخدم مجتمعه. وعندها لا تعود التكنولوجيا تهديدًا للانتماء، بل تصبح أداة لتعزيزه والتعبير عنه.
لكن بناء هذا النموذج لا يتحقق باجتهادات فردية. فوزارة التربية والتعليم مطالبة بإدماج الثقافة الرقمية والتربية الإعلامية في مختلف المواد ، ففي اللغة يمكن تحليل الخطاب الإعلامي، وفي التاريخ مقارنة المصادر والروايات، وفي العلوم التحقق من الادعاءات المتداولة، وفي التربية الوطنية إنتاج محتوى يوثق الذاكرة والتجربة الفلسطينية.
وعلى الجامعات أن تنتج معرفة فلسطينية بشأن علاقة الشباب بالمنصات الرقمية وتأثيرها في اللغة والانتماء والانتباه والعادات المعرفية. فلا يجوز بناء السياسات على الانطباعات، بل يجب الاستناد إلى دراسات دورية توضح ماذا يشاهد أبناؤنا، ومن يؤثر فيهم، ومن أين يحصلون على معلوماتهم عن فلسطين، وما قدرتهم على اكتشاف التضليل.
كما يقع على الإعلام والمؤسسات الثقافية أن تقدم محتوى وطنيًا صحيحًا وجذابًا في الوقت نفسه؛ فالأجيال الجديدة لن تتفاعل مع مادة ضعيفة لمجرد أنها تحمل رسالة وطنية. وحماية الرواية تحتاج إلى أفلام وقصص وأعمال رقمية تفاعلية تقدم التاريخ والذاكرة والقدوة الفلسطينية بلغة حية وقادرة على المنافسة.
ولا يمكن إنجاز ذلك دون إعداد المعلم، فهو لا يحتاج إلى تدريب تقني فحسب، بل إلى فهم أثر المنصات في الانتباه والسلوك، والقدرة على تعليم الطلبة تقييم المصادر وبناء الحجج وإنتاج المعرفة. كما أن الأسرة مطالبة بالانتقال من دور الشرطي إلى دور الشريك، لأن الرقابة وحدها قد تدفع الأبناء إلى الإخفاء، بينما يفتح الحوار باب الثقة والتعلم.
وتبقى القدوة عنصرًا حاسمًا، فلا يمكن أن نطالب الطفل بضبط علاقته بالهاتف بينما يرانا أسرى لشاشاتنا، ولا أن نعلمه الانتماء والعدالة ثم يرى في مؤسساته المحاباة والتناقض بين الخطاب والممارسة. فالطالب يتعلم من المدرسة التي تحترم كرامته، ومن المعلم الصادق، ومن المؤسسة التي تطبق ما تدعو إليه، أكثر مما يتعلم من العبارات المحفوظة.
الأمن التربوي الفلسطيني ليس منع هاتف أو حجب تطبيق، ولا درسًا عابرًا عن مخاطر الإنترنت. إنه مشروع وطني لبناء جيل يعرف من هو، ويفكر بحرية، ويتعامل مع المعرفة بوعي، وينفتح على العالم دون أن يذوب فيه. وهو انتقال من الخوف من التكنولوجيا إلى توظيفها، ومن مراقبة الطالب إلى تمكينه، ومن تلقينه الانتماء إلى مساعدته على فهمه وممارسته.
فالتحصين قد يؤخر الخطر، أما التمكين فيبني المناعة. وإذا كان الاحتلال يدرك أن السيطرة على الرواية والوعي جزء من السيطرة على المستقبل، فإن بناء عقل الطالب الفلسطيني، وتمكينه من أدوات العصر، وحماية ذاكرته وهويته وانتمائه الوطني، يمثل جزءًا أصيلًا من معركة الحرية والبقاء.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


