شبكة راية الإعلامية - 7/28/2026 8:50:20 PM - GMT (+2 )
الكاتب: عكرمة ثابت
يقف النظام السياسي الفلسطيني اليوم أمام تساؤل مصيري يتجاوز في أبعاده حسابات الربح والخسارة الحزبية ، ليلامس جوهر البقاء السياسي ، فهل ستكون الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة طوق نجاة يحافظ على بقاء السلطة الوطنية ويجدد شرعيتها ، أم أنها ستشكل محطة لتفكك هذه المؤسسات وانتهائها ؟!!
يأتي هذا السؤال المركزي في وقت يتكامل فيه الحصار المالي الخانق مع التغول الإحتلالي والاستيطاني الميداني ، وفصل غزة عن الضفة ، مما يضع السلطة _ التي تمثل تجسيداً مادياً للهوية الكيانية_ في قاعة اختبار أخير ؛ حيث بات الحفاظ عليها ضرورة وطنية قصوى ، لكن استمرارها بذات الآليات القديمة بات أمراً مستحيلاً .
المحور الأول : معضلة البقاء أم التفكك ؟؟!!!
إن الإجابة على مآل السلطة عبر بوابة الانتخابات تترجح بين مسارين محكومين بالسلوك الداخلي والتدخلات الخارجية :
_ مسار الانهيار والتفكك التدريجي :
إذا جرت الانتخابات في ظل استمرار الانقسام الحاد والتشرذم الفصائلي ، وتحولت الصناديق إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية ، فإن ذلك سيعجل من تفكك السلطة .
هذا السيناريو سيؤدي إلى فقدان السيطرة الإدارية والأمنية ، وتحلل المؤسسات الحيوية التي تخدم المواطنين ، مما يمهد الطريق لإنهاء كيان السلطة وتحويلها إلى مجرد بلديات معزولة تحت رحمة الاحتلال .
_ مسار الإنقاذ وتجديد البقاء : في المقابل ، تمتلك الانتخابات القدرة على أن تكون رافعة للبقاء ، إذا ما استُخدمت كأداة لإعادة بناء "العقد الاجتماعي" الفلسطيني .
إن إفراز مؤسسات منتخبة ينهي حالة "التآكل الدستوري"، ويعيد تقديم السلطة للعالم ككيان ديمقراطي موحد يمثل شعبه ، مما يعيد تدفق الدعم الدولي والسياسي ، ويجعل من تفكيك السلطة أمراً عالي التكلفة على الاحتلال والمجتمع الدولي .
المحور الثاني : المكتسبات التراكمية للسلطة الفلسطينية :
رغم النقد الموجه للأداء الحكومي والسياسي ، يظل الحفاظ على مؤسسات السلطة واعادة بناءها في قطاع غزة ضرورة وجودية بالنظر إلى ما حققته كبنية تحتية لدولة المستقبل :
*التنمية البشرية والتعليم : نجحت مؤسسات السلطة في خفض نسبة الأمية إلى 2.2% ، وبناء قطاع تعليمي وجامعي يستوعب مئات الآلاف ، وهو منجز وطني يحمي الهوية الثقافية .
*الاستقرار المالي والمصرفي : استطاعت سلطة النقد الفلسطينية بناء منظومة مصرفية متينة ومقاومة للصدمات تخضع لأعلى معايير الحوكمة الدولية ، مما حمى مدخرات المواطنين والدورة الاقتصادية .
*الاشتباك الدبلوماسي :
قادت الدبلوماسية الرسمية حراكاً انتزع اعتراف 146 دولة بدولة فلسطين ، وثبّت مكانتها كدولة مراقب في الأمم المتحدة ، ممهداً لمحاكمة الاحتلال في المحافل الدولية كالمحكمة الجنائية ومحكمة العدل الدولية .
المحور الثالث: التحدي الداخلي لحركة "فتح" وأثره على مصير السلطة :
ارتبط مصير السلطة تاريخياً بحركة "فتح" (أم الجماهير) ، ولذلك فإن وضعها الداخلي يؤثر طردياً على بقاء السلطة أو تفككها :
*معادلة "العودة أو المغادرة" : تتجه الحركة للانتخابات وهي أمام منعطف تاريخي ؛ فإما أن تعود كقائد موحد للمشروع الوطني ( ضفة وغزة ) ، وإما أن تغادر صدارة المشهد السياسي نتيجة الخلافات البينية وتشتت القوائم ، وهو ما يراه الحريصون مقتلاً لتاريخها المشرّف .
*تفتيت الأصوات :
الصراعات بين شخوص الحركة وتياراتها تهدد بنزول قوائم متعددة محسوبة على ذات الفكر ، مما يعني تشتيتاً للأصوات الفتحاوية ، يمهد لخسارة مدوية قد تسهم بشكل مباشر في إضعاف السلطة وخلخلة أركانها لمصلحة قوى أخرى أو حالة من الفوضى .
المحور الرابع: توصيات استراتيجية لضمان بقاء السلطة وتجديد حيوية المشروع الوطني :
بناءً على المعطيات السابقة ، نخلص إلى ثلاث توصيات جوهرية تمثل خريطة طريق للانتقال من خطر التفكك إلى فرصة التمكين :
أولاً : آليات مقترحة لترتيب البيت الداخلي لحركة "فتح" :
إن إنقاذ الحركة هو المدخل لإنقاذ السلطة ، ويتحقق ذلك من خلال :
_عقد مؤتمرات حركية تصالحية : تغليب المصلحة العليا على الخلافات الشخصية ، وضمان خروج قائمة انتخابية موحدة وممثلة لكافة التيارات داخل الحركة.
_تمكين جيل الشباب : ضخ دماء شابة في القوائم الانتخابية والمواقع القيادية ، مما يعيد صياغة صورة "أم الجماهير" لدى الشارع الفلسطيني كحركة متجددة وقادرة على التعبير عن طموحات الأجيال الحالية.
ثانياً : تفعيل دور القوى المستقلة وقوائم الكفاءات (التكنوقراط) :
لمنع الاستقطاب الحاد الذي قد يؤدي لتفكك المؤسسات، يجب:
_ صياغة تحالفات عريضة:
دمج التكنوقراط والشخصيات المستقلة المشهود لها بالكفاءة والنزاهة ضمن القوائم الرئيسية أو عبر تحالفات وطنية .
_تحييد الخدمات عن التجاذب السياسي :
استغلال قوائم الكفاءات لإعادة هيكلة المؤسسات الخدمية (الصحة، التعليم، الاقتصاد) بما يضمن استمرار تقديم الخدمات للمواطن بعيداً عن الفصائلية، ويعزز صمود الشارع أمام التصعيد الإسرائيلي اليومي.
ثالثاً : إدارة العلاقة مع المجتمع الدولي والرباعية الدولية:
الانتخابات هي الورقة الأقوى لإعادة لفت انتباه العالم ، ويتطلب ذلك:
_ سحب الذرائع الدولية :
تقديم الانتخابات كخطوة فلسطينية جادة نحو الشفافية ومكافحة الفساد وتجديد الشرعية ، مما يفرض على "الرباعية الدولية" والمجتمع الدولي التزاماً أخلاقياً وسياسياً بإنهاء الحصار المالي .
_ الاشتباك السياسي عبر الصناديق:
إلزام المجتمع الدولي بالضغط على الاحتلال لمنع عرقلة الانتخابات بالضفة وغزة ، وتحديداً في القدس المحتلة ، واعتبار إجرائها هناك معركة سيادية بامتياز تؤكد وحدة الأرض والشعب .
خلاصة القوة:
_ إن الانتخابات القادمة ليست مجرد إجراء فني ، بل هي لحظة الحقيقة والفرصة الأخيرة .
_ إن بقاء السلطة ومؤسساتها في الضفة وغزة والقدس ضرورة وطنية لا غنى عنها لحفظ الكيان السياسي ، والانتخابات هي الأداة الوحيدة لمنع تفككها .
_ إذا ما أحسنت حركة "فتح" ترتيب بيتها، وتم دمج الكفاءات، وضُبطت العلاقة مع المجتمع الدولي ، ستتحول الانتخابات من خطر يهدد بالانهيار إلى طوق نجاة حقيقي يجدد دماء السلطة ، ويصون التاريخ المشرف للحركة ، ويبني جبهة صمود صلبة قادرة على كبح الاستيطان ، وتجسيد الدولة المستقلة .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


