القيادة في إجازة... والطوابير تحكم فلسطين
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د. عمر السلخي 

كيف تحولت أزمة الوقود إلى شهادة فشل في إدارة الأزمات؟

في فلسطين، يبدو أن الأزمات لم تعد بحاجة إلى إعلان رسمي؛ يكفي أن ترى طابورًا طويلًا أمام محطة وقود، حتى تدرك أن هناك أزمة جديدة، وأن المواطن سيكتشف تفاصيلها قبل أن تكتشفها الجهات المسؤولة.

في أزمة الوقود الأخيرة، لم يكن الوقود وحده هو المفقود، بل كان الموقف أيضًا ، فالقيادة التي يفترض أن تتقدم المشهد، وتخاطب الناس بوضوح، وتعرض خطة لإدارة الأزمة، اكتفت بتصريحات متأخرة، بينما كانت الطوابير تكتب الرواية الحقيقية على الأرض.

المفارقة أن المواطن الفلسطيني أصبح خبيرًا في إدارة الأزمات أكثر من المؤسسات نفسها، فهو يعرف أن أول خطوة عند سماع أي إشاعة هي التوجه إلى محطة الوقود، لأن التجربة علمته أن البيانات الرسمية غالبًا ما تصل بعد امتلاء الخزانات... أو فراغها.

المشكلة ليست في أن الاحتلال يفرض قيودًا خانقة على الاقتصاد الفلسطيني؛ فهذا واقع لا يمكن تجاهله، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الحقيقة إلى شماعة تُعلَّق عليها كل أزمة، بينما تغيب خطط الطوارئ، وإدارة المخاطر، والشفافية في التواصل مع المواطنين.

القيادة ليست منصة لإلقاء الخطب، ولا مؤتمرًا صحفيًا بعد وقوع الأزمة، القيادة هي أن تتوقع الأزمة قبل حدوثها، وأن تمتلك سيناريوهات بديلة، وأن تمنع الذعر قبل أن يتحول إلى طوابير، وأن تحافظ على ثقة الناس حتى في أصعب الظروف.

أزمة الوقود كشفت أن الخطر الحقيقي لا يكمن في نقص المحروقات، بل في نقص الثقة. فحين لا يثق المواطن بأن المعلومة الرسمية ستصل في وقتها، يصنع قراره بنفسه، ويصبح الخوف هو من يدير السوق، لا المؤسسات.

الأزمات لا تُدار بردود الأفعال، بل بالرؤية والاستعداد، وكل دقيقة تتأخر فيها المعلومة الرسمية، تفتح المجال لعشرات الشائعات، ولكل شائعة ثمن اقتصادي واجتماعي يدفعه المواطن من وقته وماله وأعصابه.

إن إدارة الأزمات ليست رفاهية إدارية، بل جزء من الأمن الوطني. والدولة التي تعجز عن إدارة طابور وقود، ستجد صعوبة في إدارة أزمات أكبر وأكثر تعقيدًا.

الرسالة الأخيرة

لا يحتاج الفلسطينيون إلى المزيد من البيانات التي تؤكد أن "الأمور تحت السيطرة"، بينما المشهد يقول عكس ذلك، ما يحتاجونه هو قيادة تُبادر، وتتواصل، وتخطط، وتتحمل المسؤولية، لأن الثقة تُبنى بالفعل لا بالشعارات.

فالوقود قد يعود إلى المحطات خلال أيام... لكن الثقة إذا غادرت، فقد تحتاج سنوات حتى تعود.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد