شبكة قدس الإخبارية - 7/29/2026 4:06:18 PM - GMT (+2 )
خاص قدس الإخبارية: في ياسوف، شرقي محافظة سلفيت، لا يبدأ الخوف مع حلول الليل، بل يسبقه. فكل مساء يحمل احتمالًا جديدًا بأن يستيقظ السكان على أصوات المركبات العسكرية، أو صراخ المستوطنين، أو إطلاق الرصاص، أو خبر إقامة بؤرة استيطانية جديدة تقترب أكثر من بيوتهم. هنا، لم يعد الاستيطان مجرد مستعمرة تُرى من بعيد، بل أصبح يطرق أبواب المنازل ويشارك العائلات تفاصيل حياتها اليومية.
عند العاشرة من مساء الثامن والعشرين من تموز، دوّى خبر هجوم المستوطنين على منطقة “النصبة”. هرع الأهالي ورئيس المجلس القروي، جمعة عبد الفتاح، إلى المكان، ليجدوا المستوطنين وقوات الاحتلال يحيطون بالمنازل. حاول المستوطنون اقتحام أحد البيوت، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك، فيما أُجبرت العائلة على الاحتماء داخل منزلها وسط حالة من الرعب، قبل أن تنسحب القوات.
لكن ما بدا وكأنه نهاية الاعتداء لم يكن سوى بدايته. فبعد أقل من نصف ساعة، عاد البلاغ مجددًا؛ خيمة نُصبت، وأعمدة كهرباء بدأت ترتفع في المكان، في محاولة لتثبيت بؤرة استيطانية جديدة لا تفصلها عن منزل المواطن علاء سامر راشد سوى خمسين مترًا فقط. خمسون مترًا فقط باتت تفصل بين أسرة فلسطينية تحاول أن تعيش حياتها، ومستوطنين يسعون إلى فرض واقع جديد بالقوة.
تحولت المنطقة إلى ساحة مواجهة. تقدم الأهالي لمنع تثبيت البؤرة، فقوبلوا بالرصاص الحي والأعيرة النارية، فيما كان الطريق المؤدي إلى الموقع قد جُهز مسبقًا، في مؤشر، بحسب المجلس القروي، إلى أن إقامة البؤرة لم تكن حدثًا عابرًا، بل خطوة مخططًا لها منذ وقت.
يقول الناشط المناهض للاستيطان نظمي سلمان إن ياسوف تدفع ثمن موقعها الجغرافي منذ أكثر من أربعة عقود. فمنذ إقامة مستعمرة “تفوح” في ثمانينيات القرن الماضي، تتآكل أراضي البلدة عامًا بعد آخر، حتى أصبحت الجهتان الشمالية والشرقية بمعظمهما تحت سيطرة المستوطنين. وبعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تسارع هذا التوسع مع إقامة خمس بؤر استيطانية جديدة، لتتحول البلدة إلى مساحة محاصرة من الجهات كافة.
ولم تعد الخسارة تقتصر على الأرض. فالمزارعون يُمنعون من الوصول إلى حقولهم، ولا سيما تلك المزروعة بأشجار الزيتون، تحت تهديد السلاح، بينما تتعرض الأشجار للتقطيع والإحراق. وقبل شهرين فقط، قطع مستوطنون خطوط الكهرباء، وفي صباح اليوم التالي اكتشف الأهالي أن نحو 150 شجرة زيتون قد أُعدمت. في الريف الفلسطيني، لا تعني شجرة الزيتون محصولًا فقط، بل تعني تاريخ عائلة، وذاكرة مكان، وضمان لقمة عيش.
ويشير المجلس القروي إلى أن البلدة، التي تبلغ مساحتها نحو 6400 دونم، لا يدخل ضمن مخططها الهيكلي سوى 1400 دونم، بينما تبقى نحو خمسة آلاف دونم معرضة لضغط أربع مستعمرات وبؤرة خامسة باتت الأكثر التصاقًا بالسكان. كما مُنع أصحاب 39 منزلًا في المنطقة المصنفة “ج” من البناء أو التوسع، وأُغلقت طرق رئيسية، وأُجبرت عائلات على إزالة أسلاك كهربائية وجدران وأجزاء من منازلها.
وسط هذا الواقع، لم يعد أهالي ياسوف يسألون متى ينتهي الاعتداء، بل أي بيت سيكون التالي. ومع ذلك، يصرون على البقاء. ويقول رئيس المجلس القروي إن رسالتهم، رغم كل ما يواجهونه، واضحة: “سنبقى هنا. نحن متجذرون في هذه الأرض كما الزيتون، قد يحاصرون بيوتنا ويصادرون حقولنا، لكنهم لن ينتزعوا انتماءنا لها.” وبين منزل يتهدده الاستيطان، وشجرة تُقتلع، وطريق يُغلق، تواصل ياسوف كتابة حكاية الصمود، وهي تدافع كل يوم عن حقها في البقاء على أرضها.
إقرأ المزيد


