شبكة راية الإعلامية - 7/30/2026 11:25:24 AM - GMT (+2 )
الكاتب: د. محمد عودة
منذ أن عرف الإنسان وجود الجماعة، بقي السؤال حاضرًا: كيف تتحرك الشعوب؟ هل تتحرك بناءً على وعي كامل واختيار حر، أم أن الخوف والظروف والقصص التي تُروى لها قد تدفعها أحيانًا إلى السير في اتجاه واحد؟ وهل يمكن أن تصبح الرواية التي تُقدَّم للمجتمع أقوى من الواقع نفسه؟
تعود إحدى أشهر الرموز التي تناولت هذا السؤال إلى الكاتب الفرنسي فرانسوا رابليه في القرن السادس عشر، من خلال قصة خِراف بانورج، وهي حكاية ساخرة تحمل في داخلها قراءة عميقة لطبيعة الإنسان والجماعة.
تروي حكاية فرانسوا رابليه أن بانورج، بطل الحكاية، كان على متن باخرة تجارية، وعلى الباخرة نفسها يسافر تاجر الخراف اليهودي المعروف بالجشع ويُدعى دندونو، حيث دخل بانورج في خلاف مع ذلك التاجرن خراف دندونو بالت على مكان جلوس بانورج،ما اثار غضبه ودفعه للانتقام وعلى طريقته الخاصة، اشترى بانورج الخروف الأهم، قائد القطيع (المرياع) ، بسعر مغرٍ أشبع جشع التاجر دندونو. والواضح أن بانورج يمتلك معرفة جيدة بسلوك القطيع، ولذلك ألقى بالمرياع إلى البحر، وما إن سقط في الماء حتى بدأت بقية الخراف تقفز خلفه واحدًا تلو الآخر، وكأن حركة الأول أصبحت كافية لتحديد مصير الجميع. حاول دندونو منع الخراف، لكنها استمرت في القفز، لا لأنها تعرف الطريق، ولا لأنها اختارت النهاية، بل لأنها اتبعت الحركة الجماعية التي بدأت أمامها. تمسك دندونو بآخر خروف ليمنعه، إلا أنهما سقطا معًاًوغرقا.
لم يكن رابليه يكتب عن الخراف بقدر ما كان يكتب عن الإنسان، فالرمزية الحقيقية للحكاية ليست في الحيوان، بل في اللحظة التي يفقد فيها الفرد قدرته على التوقف والتساؤل، عندما تصبح قوة الجماعة أكبر من صوته الداخلي، وعندما يتحول الاتجاه العام إلى قوة تدفع الجميع نحو المسار نفسه.
ولم تبقَ رمزية خِراف بانورج محصورة في الأدب، بل تحولت مع الزمن إلى أداة لفهم بعض السلوكيات الجماعية في المجتمعات، خصوصًا في اللحظات التي تتعرض فيها الشعوب لصدمات كبرى أو لمخاوف تعتقد أنها وجودية، فعندما يتم إيهام المجتمع بخطر وجودي، أو يتم تضخيم الإحساس به، قد تتقدم الحاجة إلى الأمان على الرغبة في التساؤل، وقد تصبح الرواية التي تمنح تفسيرًا واضحًا للأحداث أكثر تأثيرًا من الروايات التي تطالب بالمراجعة والبحث عن الأسباب.
فالإنسان في لحظات الخوف لا يبحث دائمًا عن الحقيقة المعقدة، بل قد يبحث عن إجابة تمنحه شعورًا بالأمان، وعندما تصبح رواية معينة مرتبطة بالخلاص والحماية والانتماء، فإن مخالفتها قد تبدو للبعض وكأنها خروج عن الجماعة نفسها، وليس مجرد اختلاف في الرأي.
وهنا تظهر واحدة من أهم أدوات التأثير في المجتمعات: القدرة على تشكيل طريقة فهم الأحداث قبل أن يبدأ النقاش حولها، فالأحداث لا تصل إلى الناس مجردة، بل تصل من خلال روايات وتفسيرات وانتقاءات تحدد ما الذي يجب التركيز عليه، وما الذي يجب تأجيله، ومن هو المسؤول، وما هو الخطر الحقيقي.
وهذا ما يمكن تسميته بهندسة الوعي؛ أي التأثير في الطريقة التي يرى بها المجتمع نفسه والعالم من حوله، فالمعركة لا تكون دائمًا حول السيطرة على الأرض فقط، بل حول السيطرة على المعنى أيضًا، فمن يحدد تفسير الحدث يمتلك جزءًا كبيرًا من القدرة على توجيه ردود الفعل تجاهه.
وقد ظهرت هذه الآلية عبر التاريخ في مراحل كثيرة، عندما وجدت المجتمعات نفسها أمام أزمات أو حروب أو مخاوف كبرى، سواء كانت المخاوف مبررة أم وهمية، ففي مثل هذه اللحظات قد يصبح التضامن الجماعي ضرورة طبيعية، لكنه قد يتحول أحيانًا إلى حالة من الانغلاق تمنع الأسئلة والمراجعة.
ومن هنا يمكن فهم بعض مظاهر السلوك الجماعي لدى شرائح مهمة من المجتمع الإسرائيلي بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، فقد ظهرت حالة من الالتفاف حول الخطاب الأمني العدواني والسياسي السائد، وهي ظاهرة يمكن قراءتها من خلال رمز خِراف بانورج: كيف يمكن للخوف الجماعي والشعور بالخطر الوجودي حتى وان كان وهماً أن يدفعا قطاعات من الناس إلى التمسك برواية واحدة تغاير حتى رؤيتهم التقليدية، قبل أن تبدأ الأسئلة حول المسؤولية والنتائج، رغم أن كثيرين في المجتمع الإسرائيلي يرون في هذا الالتفاف تشجيعًا للتطرف الذي قد يشكل بداية نهاية إسرائيلومن بينهم قيادات وازنة ،امثال اولمرت،باراك و يعلون.
فالمشكلة ليست في وجود الجماعة، لأن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي يحتاج إلى الانتماء والتضامن، بل في اللحظة التي يصبح فيها الانتماء بديلًا عن التفكير، والخوف بديلًا عن البحث، والرواية الجاهزة بديلًا عن السؤال.
إن قصة بانورج لا تقدم اتهامًا للجماعات، بل تقدم تحذيرًا من فقدان الفرد لمسؤوليته العقلية، فالجماعة قد تمنح القوة، لكنها قد تمنح الوهم أيضًا، والفرق بين الاثنين هو قدرة الإنسان على التوقف للحظة والنظر إلى الاتجاه الذي يسير فيه.
إن أخطر مراحل التأثير ليست عندما يُجبر الناس على تبني فكرة بالقوة، بل عندما تصبح الفكرة جزءًا من الوعي العام بحيث يبدو الخروج عنها أمرًا صعبًا، عندها لا يعود السؤال: هل هذه الرواية صحيحة؟ بل يصبح السؤال: هل أستطيع أن أطرح سؤالًا مختلفًا؟
في عصرنا الحديث أصبحت أدوات التأثير أكثر تعقيدًا، فالإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، والخطاب السياسي، كلها أصبحت قادرة على تشكيل صورة بسرعة هائلة،لم يعد المطلوب دائمًا إقناع الجميع بفكرة واحدة، بل يكفي أحيانًا خلق إحساس بأن هذه الفكرة هي السائدة، وأن الجميع يتحركون نحوها.
وهنا تعود صورة الخروف الأول في قصة رابليه، فالخروف الأول لا يحتاج دائمًا إلى إجبار الآخرين على القفز، بل يكفي أن يبدأ الحركة، ثم تتحول الحركة الفردية إلى موجة جماعية، وبعد ذلك يصبح السؤال ليس: لماذا قفزنا؟ بل: لماذا قد يفكر أحد في عدم القفز؟
ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن الجماعات ليست أسيرة دائمًا للاتجاه السائد، فكثير من التحولات الكبرى بدأت بأفراد امتلكوا القدرة على طرح الأسئلة عندما كان الصمت أسهل، ورأوا ما لم يكن الآخرون مستعدين لرؤيته.
فالمجتمع القوي ليس المجتمع الذي يخلو من الخلاف، بل المجتمع الذي يستطيع أن يحتمل الأسئلة الصعبة، وأن يميز بين التضامن الذي يحميه، والانقياد الذي يلغي قدرته على التفكير.
وربما يكون الدرس الأعمق في قصة خِراف بانورج أن السؤال الحقيقي ليس: من هو الخروف الأول؟ بل: من يحدد الاتجاه؟ وكيف نعرف أن الطريق الذي نسير فيه هو طريق اخترناه فعلًا، وليس طريقًا اختير لنا؟
وفي النهاية، لا تكمن قيمة هذه الحكاية في الخراف نفسها، بل في الإنسان الذي تقف أمامه دائمًا لحظة اختبار: هل يكتفي باتباع الحركة، أم يمتلك شجاعة السؤال؟ فالمجتمعات لا تُبنى فقط بما تفعله، بل أيضًا بما تجرؤ على مراجعته ،ففي عصرنا الحاضر كثرَالدنادين،كما كثرت المراييع والبانورجات.حمى الله سفننا من تلويث دندونو،وحمى شعوبنا من المراييع حتى لا يجد بانورج عملاً.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


