نقطة ضوء.. من اختطف فتح الثورة ؟
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د. عدنان ملحم

▪️ تقف حركة فتح اليوم أمام لحظة تاريخية شديدة التعقيد؛ فهي تحمل إرث حركة تحرر وطني قادت مشروعًا ثوريًا لعقود، وتخوض في الوقت ذاته امتحان الحكم وإدارة السلطة، وسط عواصف سياسية وإدارية ووطنية وتنظيمية عاتية. ويفرض التاريخ سؤاله الكبير: هل تستطيع حركة ثورية أن تمارس السلطة دون أن تفقد روح الثورة، وحضن الشعب، ووضوح البوصلة ؟. 

 انقسمت حركة فتح، في واقعها الراهن، إلى مسارين : 

الأول: فتح الحزب، وهدفه قيادة النظام السياسي الفلسطيني الحاكم، والحفاظ على رموزه ورؤيته وبوصلته ومكتسباته. وتعمل جميع هياكل هذا القسم ومؤسساته من أجل ذلك.
والثاني: فتح الحركة؛ فتح الفكرة والتاريخ والذاكرة النضالية؛ حراس الفكر والثقافة، والشبيبة، ومجالس الطلبة، والنقابات، والاتحادات، والأسرى في السجون؛ أولئك الذين حملوا راية البدايات، وقبضوا على جمر الثورة، وما زالوا يؤمنون بأن فتح التي ولجوا إلى عوالمها الأولى تختلف كثيرًا عن واقعها الماثل أمامهم اليوم .

لقد أحدث اتفاق أوسلو عام 1993 وقيام السلطة الفلسطينية تحولًا عميقًا في مسار الحركة؛ فانتقلت فتح تدريجيًا من حركة تحرر وطني تقود مشروعًا ثوريًا إلى حركة تخوض تجربة الحكم وإدارة السلطة. وفي خضم هذا التحول، بدأت تفقد جزءًا من حضورها الجماهيري والمجتمعي والثقافي والفكري، وأصبحت أسيرة لتعقيدات السلطة، واضعةً معظم رهاناتها في قنِّ السياسة المتحرك، على حساب الفعل التنظيمي والجماهيري المتين .

▪️عندما تصل الحركات الثورية إلى سدة الحكم، تتحول تدريجيًا إلى كيانات شمولية مغلقة، تتكئ على المال والوظائف والأمن، ولا تتقبل الرأي الآخر. وتعمل جاهدة على هندسة مجتمعاتها وهياكلها بصورة منظمة، وتعتبر المصالح، بشتى أشكالها، الوسيلة الأساسية لتحقيق ذلك. كما تستحضر التنظيم، والتاريخ، والمبادئ، والأهداف الثورية، بصورة دائمة؛ حفاظًا على نفسها واستقرارها .

وغالبًا ما تتغير نظرة الثوار، بعد اعتلائهم سدة الحكم، إلى قضايا العدالة، والشورى، والشفافية، والعمل الجماعي؛ فيصبحون أكثر تمسكًا بواقعهم ومصالحهم، ويحرصون على الابتعاد عن المخاطرة والمجازفة، ويميلون إلى المركزية الحديدية، واللون الواحد، والعصبة المتجانسة، ويضيقون ذرعًا بالتغيير والتجديد .

وجل الأحزاب الثورية العربية التي وصلت إلى الحكم مرت بهذه التجربة، فسقطت بسببها، واندثرت، وأصبحت هباءً منثورًا. ولنا في تجربة حزب البعث في سوريا خير مثال؛ إذ جمع بين الفكر القومي، والتنظيم المغلق، والنظام الديكتاتوري الطائفي، ورفض الإصلاح والتغيير، حتى انتهى إلى ما انتهى إليه.

▪️وكتب الزعيم الفيتنامي الكبير هو شي منه (1890–1969) عن الصراع بين الحكم والثورة، فقال:

“مقصلة الثورات: المال والحكم.”

“الفساد والظلم طريق الشعوب إلى اللامبالاة.”

“الصراع بين المبادئ والواقع يطيح بالثوابت، والثوار، والثورات.”

▪️ويجب الاعتراف، وبصراحة، بما يأتي:

💢لم تنجح مؤسسات حركة فتح التنظيمية، حتى الآن، في إيجاد صيغة توفق بين نموذج الثورة ونموذج السلطة.

💢غالبًا ما حسمت حركة فتح الصراع، أو الخلاف، بين القسمين بالإقصاء، بأشكاله المختلفة.

💢معظم -وليس كل- القابضين على القسم الأول هم أبناء تجربة الساحات الثورية الفلسطينية في الخارج، بينما كان معظم -وليس كل- القابضين على القسم الثاني أبناء ساحة القطاع الغربي، أو الضفة الغربية وقطاع غزة.

💢لعبت اتفاقية أوسلو، وقيام السلطة الفلسطينية، دورًا محوريًا في زيادة حدة الصراع بين القسمين.

💢فشل الفلسطينيون، بصورة عامة، في صناعة نموذج سياسي وإداري ينسجم مع تطلعاتهم؛ بسبب الصراع المستمر بين متطلبات السلطة وثوابت الثورة.

💢حركة فتح، في شكلها الحالي، أقرب إلى حزبٍ حاكمٍ منها إلى حركةٍ ثورية، وما يزال أهم عوامل بقائها هو الاتكاء على تاريخ الثورة ورصيدها النضالي، أكثر من الاتكاء على تجربة السلطة.

💢هدف إسرائيل، منذ عام 1993 وحتى اليوم، يتمثل في إنهاء فتح الفكرة والوعي، وتذويبها في مرجل الحكم والسلطة، وإبعادها عن عمقها الجماهيري والمجتمعي.

💢تمر حركة فتح، في وضعها الراهن، بأضعف مراحلها التنظيمية والسياسية، وأكثرها ظلمة.

💢معظم هياكل حركة فتح التنظيمية لا تعبر عن جمهورها، وتقبع في زوايا الشعبوية، منفلتة المهام والأدوار، وأسيرة لحظية ردود الأفعال.

💢الديمقراطية دواء فتح، والديكتاتورية كفنها.

ورغم كل ما سبق، ما زالت حركة فتح، فكرةً وجمهورًا، تمتلك روحًا متجددة، قادرة على بث الحياة في أي تجربة وطنية جماهيرية؛ لأنها تمثل جزءًا أصيلًا من تاريخ الشعب الفلسطيني، وذاكرته الوطنية، وثوابته، ونضاله الطويل.

لكن هذه الحقيقة ليست قاعدة مفتوحة، ولا شيكًا على بياض؛ فالتاريخ لا يمنح أحدًا حصانة دائمة، والشعوب لا تبقى أسيرة للماضي مهما كان مجيدًا. وما تزال أمام حركة فتح فرصة تاريخية لإجراء مراجعة عميقة، وإحداث ثورة داخلية تعيد بناء التنظيم، وتستعيد ثقة الجماهير، وتصل الماضي بالحاضر والمستقبل.

لكنني أخشى، بصراحة، أن تكون قدرة الحركة على القيام بهذه المراجعة قد تراجعت كثيرًا، وأن يكون الوقت المتاح أمامها أقصر مما يظن كثيرون  . 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد