شبكة راية الإعلامية - 7/31/2026 1:32:34 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. محمد عودة
تقول حكمة يابانية قديمة ،إذا اكتشفت أنك ركبت القطار الخطأ، فبادر إلى النزول في أول محطة، لأن كل تأخير في النزول سيزيد كلفة الرجوع، قد يبدو هذا المثل للوهلة الأولى نصيحة بسيطة في شؤون الحياة اليومية، لكنه يحمل فلسفة عميقة حول القرارات والمسارات؛ فالخطأ لا يكون دائمًا في لحظة البداية، فقد يبدأ الإنسان طريقًا بناءً على معطيات صحيحة، ثم تتغير الظروف أو تتغير قواعد الرحلة، فيصبح التحدي الحقيقي هو القدرة على اكتشاف أن المسار لم يعد يقود إلى الوجهة التي اختير من أجلها.
وعند إسقاط هذا المثل على التجربة الفلسطينية واتفاقيات أوسلو، فإن المقارنة لا تبدأ من فكرة أن القيادة الفلسطينية ركبت القطار الخطأ، لأن ذلك اختزال لمسار تاريخي معقد، فالقطار الذي صعد إليه الفلسطينيون في بداية التسعينيات لم يكن قطارًا بلا وجهة، بل كان قطارًا له خريطة معلنة ومحطات محددة، كانت الفكرة الأساسية تقوم على مرحلة انتقالية تقود إلى مفاوضات الوضع النهائي، وتنتهي إلى تسوية سياسية تحقق للشعب الفلسطيني تطلعاته الوطنية.
لكن الإشكالية التي ظهرت لاحقًا لم تكن بالضرورة في قرار الصعود إلى القطار، وإنما في أن الرحلة نفسها بدأت تفقد العلاقة بين الخريطة المعلنة والمسار الفعلي، فالركاب الذين صعدوا إليه كانوا ينظرون إلى لوحة الوجهة، لكنهم اكتشفوا مع مرور الوقت أن بعض المحطات التي كان يفترض الوصول إليها تأخرت، وأن الطريق بدأ يأخذ مسارات لم تكن في الخريطة الأولى.
في هذه الرحلة، لم تكن بنود الاتفاق مجرد نصوص سياسية، بل كانت محطات متتابعة،كل محطة كان يفترض أن تقود إلى التي تليها، وكل التزام كان يمثل اختبارًا لقدرة الطرفين على الحفاظ على الاتجاه الأصلي، فإذا وصلت الرحلة إلى المحطة كما هو متفق عليه، استمر القطار في مساره، أما إذا جرى تجاوز المحطة أو تغيير مضمونها، فإن السؤال يصبح: هل ما زال القطار يسير نحو وجهته الأولى؟
كانت محطة الاعتراف المتبادل عام 1993 لحظة الصعود إلى القطار، فقد كان الاعتراف بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل خطوة تاريخية فتحت بابًا جديدًا بعد عقود من الصراع، ولم يكن المقصود منه أن يكون نهاية الرحلة، بل بداية مسار يؤدي إلى إنهاء الاحتلال والوصول إلى حل نهائي.
ثم جاءت محطة المرحلة الانتقالية، حيث أُنشئت السلطة الفلسطينية وبدأ بناء مؤسسات الحكم الذاتي في أجزاء من الأراضي الفلسطينية. كان يفترض أن تكون هذه المرحلة جسرًا نحو الحل النهائي، لكنها حملت منذ البداية سؤالًا جوهريًا: هل ستبقى مرحلة مؤقتة أم ستتحول إلى واقع دائم؟
وجاءت محطة أوسلو الثانية عام 1995 لتحدد ترتيبات المرحلة الانتقالية وتقسيم المناطق والصلاحيات، كان يفترض أن تكون هذه الترتيبات خطوة تنظيمية نحو المرحلة النهائية، لكنها مع مرور الوقت أصبحت إطارًا مستمرًا لإدارة الواقع بدل أن تكون طريقًا عابرًا نحو نهايته.
وكانت محطة الحل النهائي هي المحطة التي انتظرها الجميع؛ حيث كان يفترض بحث القضايا الكبرى: القدس، اللاجئون، المستوطنات، الحدود، الأمن، والعلاقات النهائية. لكن الموعد الذي كان محددًا للوصول إلى هذه المحطة مرّ دون اتفاق، وهنا بدأ يظهر السؤال الحقيقي: هل نحن أمام تأخير في الرحلة أم أمام تغير في الاتجاه؟
وجاء اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين عام 1995 ليكون محطة مؤثرة في مسار الرحلة، فقد كشف الاغتيال حجم الانقسام العميق داخل المجتمع الإسرائيلي حول اتفاق أوسلو، وأظهر أن القطار لم يكن يتحرك فقط وفق الاتفاقات الموقعة، بل كان يحمل داخله صراعًا حول الوجهة النهائية للرحلة. فقد كانت هناك قوى سياسية وفكرية داخل إسرائيل ترى أن هذا المسار يقود إلى تنازلات غير مقبولة، ولم تبقَ هذه القوى خارج القطار تراقب حركته، بل بدأت تدريجيًا في الاقتراب من مقصورة القيادة، في محاولة للتأثير على الإشارات التي تحدد الاتجاه، وعلى السرعة التي تتحرك بها الرحلة.
ثم جاءت انتخابات عام 1996 وصعود حكومة بنيامين نتنياهو الأولى، لتدخل الرحلة مرحلة جديدة، فقد انتقل جزء من القوى الرافضة لمسار أوسلو من موقع الاعتراض على الرحلة إلى موقع التأثير المباشر في إدارتها، ولم يعد الخلاف يتعلق فقط بطريقة تنفيذ الاتفاق، بل بدأ يظهر اختلاف أعمق حول الغاية النهائية منه؛ فبينما كان الجانب الفلسطيني ينظر إلى المرحلة الانتقالية باعتبارها طريقًا يؤدي إلى محطة الحل النهائي، تعاملت قطاعات من اليمين الإسرائيلي معها باعتبارها واقعًا يمكن إدارته دون الالتزام بالضرورة بالوصول إلى تلك المحطة، وهنا بدأ الفارق يتسع بين الخريطة التي صعد الركاب على أساسها، والمسار الذي بدأ القطار يسلكه.
وجاء اتفاق الخليل عام 1997 ومذكرة واي ريفر عام 1998 كمحاولتين لإعادة تحريك القطار، لكنهما أظهرا في الوقت نفسه أن الرحلة أصبحت أكثر تعقيدًا؛ فلم تعد المحطات تأتي تلقائيًا وفق الجدول الأول، بل أصبحت تحتاج إلى مفاوضات وجهود إضافية للوصول إليها.
ثم وصلت الرحلة إلى محطة كامب ديفيد عام 2000، التي كان يفترض أن تكون لحظة الانتقال إلى الاتفاق النهائي، لكن المفاوضات انتهت دون اتفاق، وتلتها الانتفاضة الثانية، فعادت العلاقة بين الطرفين إلى مسار مختلف، وأصبح السؤال لا يتعلق فقط بموعد الوصول، بل بإمكانية إعادة القطار إلى السكة التي خرج عنها.
ثم جاءت محطة الاستيطان، وهي من أكثر المحطات تأثيرًا في مستقبل الرحلة. فكلما توسعت المستوطنات وتغيرت الوقائع على الأرض، أصبح الوصول إلى محطة الحل النهائي أكثر صعوبة، لأن السياسة لا تتحرك في فراغ، والوقائع التي تتراكم أثناء الرحلة قد تغير طبيعة الوجهة نفسها.
وجاءت خطة خارطة الطريق عام 2003 كمحاولة لإعادة إحياء المسار السياسي، لكنها لم تنجح في تحويل التصورات إلى واقع. فقد أصبحت المشكلة أعمق من مجرد غياب خطة؛ إذ تراجع مستوى الثقة بين الأطراف، وأصبحت العودة إلى المسار السابق أكثر صعوبة.
ثم جاءت محطة الانقسام الفلسطيني عام 2007 لتضيف تعقيدًا داخليًا إلى الرحلة ولتشكل شماعة للاحتلال، فقد أصبح القطار الفلسطيني نفسه يعاني من اختلاف داخل عرباته، ما أثر على القدرة على إدارة المسار السياسي في مرحلة كانت تحتاج إلى أكبر قدر من الوحدة والرؤية المشتركة.
ومع مرور السنوات، تحولت المرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تكون مؤقتة إلى واقع ممتد لعقود، أصبحت السلطة الفلسطينية قائمة، لكن دون السيادة الكاملة التي كان يأمل كثيرون الوصول إليها، واستمر الاحتلال، بينما تغيرت البيئة الإقليمية والدولية، وهكذا أصبح القطار يتحرك، لكنه لم يصل إلى المحطة التي انطلق من أجلها.
إن قراءة هذه الرحلة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد محاكمة للماضي، فكل قرار سياسي يُتخذ في ظروف معينة وضمن موازين قوى محددة، لكن التاريخ يطرح دائمًا سؤالًا آخر: هل امتلك أصحاب القرار القدرة على مراجعة المسار عندما بدأت الظروف التي أنتجت القرار تتغير؟
فالمثل الياباني لا يقول إن المسافر أخطأ لأنه صعد إلى القطار، بل يحذر من الاستمرار بعد اكتشاف أن الاتجاه تغير، والسياسة أكثر تعقيدًا من رحلة قطار عادية، لأنها تحمل شعوبًا وحقوقًا وتضحيات، ولذلك فإن تغيير المسار ليس قرارًا بسيطًا.
لكن القاعدة تبقى واضحة: كلما تأخرت مراجعة المسار، ازدادت كلفة التصحيح، فما كان ممكنًا في محطة مبكرة قد يصبح أكثر صعوبة بعد تراكم الوقائع وتغير الظروف.
وربما يكون السؤال الذي سيبقى مفتوحًا أمام التاريخ ليس: لماذا صعد الفلسطينيون إلى القطار؟ بل: متى أصبح واضحًا أن القطار لم يعد يسير نحو المحطة التي انطلقوا إليها؟ وهل كانت هناك محطات كان يمكن عندها إعادة تقييم الرحلة قبل أن تصبح كلفة العودة أكبر؟ فبعض الرحلات لا تفشل لأن نقطة البداية كانت خاطئة، بل لأنها استمرت طويلًا بعد أن تغيرت الوجهة.
وربما تكون الحكمة الأهم من هذه الاستعارة أن الشعوب لا تحتاج فقط إلى من يقودها عند لحظة الانطلاق، بل تحتاج أيضًا إلى من يراقب الطريق، ويقرأ الإشارات، ويمتلك الشجاعة لاتخاذ القرار عندما تصبح السكة القديمة غير قادرة على الوصول إلى الهدف، فالخطر الحقيقي ليس دائمًا في ركوب القطار، بل في الاستمرار داخله بعد أن يصبح السؤال الأصعب: إلى أين يتجه هذا القطار؟
لكن يبقى السؤال الأصعب الذي تفرضه هذه الاستعارة: هل ما زالت هناك محطة يمكن عندها النزول من هذا القطار؟ وهل ما زالت إمكانية تغيير المسار قائمة، أم أن طول الرحلة جعل الخروج منه أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى؟
ففي القطارات العادية يكون النزول قرارًا فرديًا بسيطًا، أما في القطارات السياسية فالأمر مختلف؛ فهذا القطار لا يحمل شخصًا واحدًا، بل يحمل شعبًا ومؤسسات والتزامات وعلاقات دولية وواقعًا اقتصاديًا وأمنيًا نشأ على مدى عقود، ولذلك فإن قرار النزول، إن أصبح خيارًا مطروحًا، لن يكون مجرد مغادرة محطة، بل سيكون انتقالًا تاريخيًا يحمل معه أسئلة كثيرة حول البديل، والقدرة على إدارة المرحلة التالية، والثمن الذي قد يُدفع مقابل تغيير المسار.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: فكما أن الاستمرار في قطار غيّر وجهته يحمل كلفة متزايدة، فإن النزول منه أيضًا ليس قرارًا بلا ثمن، فهل المشكلة اليوم في الاستمرار داخل القطار رغم تغير وجهته؟ أم أن الخروج منه دون وجود مسار بديل قد يؤدي إلى مخاطر أكبر؟ وهل المطلوب العودة إلى السكة الأولى التي انطلقت منها الرحلة، أم أن مرور الزمن وتغير الواقع يفرضان البحث عن سكة جديدة تقود إلى الهدف نفسه؟
وهل ما زالت المحطة التي انطلق الجميع نحوها موجودة كما كانت قبل أكثر من ثلاثة عقود؟ أم أن طول الرحلة غيّر طبيعة المحطة نفسها، بحيث أصبح المطلوب ليس فقط الوصول إليها، بل إعادة تعريف الطريق المؤدي إليها؟
وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا أمام القيادة الفلسطينية اليوم ليس فقط: هل تأخرنا في النزول من القطار؟ بل: إذا قررنا النزول، فأين ستكون المحطة التالية؟ ومن يحدد اتجاه الرحلة الجديدة؟ وهل يمتلك الفلسطينيون اليوم رؤية جماعية قادرة على تحويل لحظة المراجعة من لحظة فقدان إلى لحظة استعادة للمبادرة؟
فالتاريخ لا يحاسب الشعوب فقط على القطارات التي صعدت إليها، بل أيضًا على قدرتها على اكتشاف اللحظة التي تحتاج فيها إلى تغيير المسار، لأن أصعب القرارات ليست دائمًا قرار الانطلاق، وإنما قرار الاعتراف بأن الطريق الذي بدأناه لم يعد يقود إلى المكان الذي أردناه.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


