إسرائيل لا تؤمن إلا بمنطق القوة ... فهل تنسحب حقاً من غزة؟
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: أبو شريف رباح

من يقرأ تاريخ إسرائيل منذ قيامها يعرف أن جميع الحكومات الإسرائيلية اعتمدت على فرض الوقائع بالقوة العسكرية قبل الذهاب إلى أي مفاوضات، من هذا المنطلق فإن الحديث اليوم عن انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة يطرح تساؤلات كثيرة حول استعداد حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو للتخلي عن المكاسب التي حققتها ميدانيا.

باعتقادي إنه منذ تأسيس دولة إسرائيل ارتبطت سياساتها الأمنية والعسكرية بمبدأ القوة العسكرية وفرض الوقائع على الأرض قبل أي تسوية سياسية، لذلك فإن التساؤل حول إمكانية انسحابها الكامل من قطاع غزة يثير الكثير من الشكوك خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية والإجراءات الميدانية التي تعزز الاعتقاد بأن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى الاحتفاظ بأوراق ضغط استراتيجية داخل القطاع.

من هنا قد يبدو من المشهد السياسي والعسكري أن فرص الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة لا تزال موضع شك كبير وبعيدة المنال خاصة في ظل التصريحات المتباينة والممارسات الميدانية والعدوان المستمر، فالوقائع على الأرض تشير إلى استمرار محاولات تكريس واقع أمني جديد داخل القطاع سواء من خلال السيطرة على مناطق استراتيجية أو إنشاء أحزمة أمنية ومناطق عازلة وهو ما يعزز الانطباع لدى كثير من المحللين بأن الحكومة الإسرائيلية تنظر إلى وجودها العسكري في غزة باعتباره ورقة استراتيجية يصعب التخلي عنها بسهولة.

وفي المقابل تعمل الولايات المتحدة على تثبيت اتفاقات وقف إطلاق النار انطلاقا من رغبتها في احتواء التصعيد وتجنب انفجار إقليمي أوسع، إلا أن هذا التوجه لا يعني بالضرورة تطابق الرؤية الأميركية مع حسابات حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل التي تبدو أولوياتها مرتبطة بإعتبارات الائتلاف الحاكم والتوازنات الداخلية.

من هنا فإن حكومة بنيامين نتنياهو تبدو حريصة على عدم الظهور بمظهر الطرف الذي ينسف أي اتفاق بشكل مباشر لما قد يترتب على ذلك من ضغوط سياسية ودبلوماسية ومن جانب اخر قد تسعى إلى تحميل الطرف الآخر مسؤولية انهيار الاتفاق إذا تعثرت عملية التنفيذ أو تصاعدت الأحداث الميدانية بما يتيح لها تبرير استمرار عملياتها العسكرية أمام الرأي العام الداخلي والخارجي.

لذلك لا يمكن تجاهل البعد السياسي الداخلي في إسرائيل فمستقبل نتنياهو السياسي يرتبط إلى حد كبير بمسار الحرب ونتائجها كما أن شركاءه في الائتلاف اليميني المتشدد يواصلون الدعوة إلى مواقف أكثر صرامة تجاه غزة الأمر الذي يحد من هامش المناورة أمامه ويجعل أي قرار بالانسحاب الكامل معقدا.

وفي ضوء ما ورد فإن الرهان على الضغوط الدولية وحدها قد لا يكون كافيا لإحداث تحول جذري في الموقف الإسرائيلي، فالتجارب السابقة أظهرت أن إسرائيل غالبا ما تربط قراراتها الأمنية والعسكرية بحساباتها الاستراتيجية قبل أي اعتبارات أخرى، الأمر الذي يجعل مستقبل أي اتفاق مرتبطا بمدى وجود ضمانات دولية حقيقية وآليات واضحة تلزم جميع الأطراف بتنفيذه.

من هنا يبدو أن مستقبل قطاع غزة سيبقى مرهونا بقدرة المجتمع الدولي والوسطاء على تحويل اتفاقات وقف إطلاق النار إلى مسار سياسي دائم يضمن إنهاء العدوان وانسحاب جيش الاحتلال وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار بما يحقق الأمن والاستقرار ويحفظ حقوق الشعب الفلسطيني وفق قرارات الشرعية الدولية.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد