شبكة قدس الإخبارية - 8/3/2026 11:00:19 AM - GMT (+2 )
خاص - شبكة قُدس: منذ سنوات، تتصاعد اعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية في الضفة الغربية، ضمن مشروع استيطاني يسعى إلى توسيع السيطرة على الأرض وفرض وقائع جديدة على الفلسطينيين. وخلال الأشهر الأخيرة، ازدادت وتيرة هذه الاعتداءات واتسع نطاقها، من مهاجمة القرى وإحراق المنازل والمركبات والأراضي الزراعية، إلى الاعتداء المباشر على السكان، في مشهد أصبح أكثر تكراراً وحِدة من مراحل سابقة.
في المقابل، لم تكن المقاومة الفلسطينية غائبة عن هذا الواقع، لكنها، كما في مختلف مراحل المواجهة، تتأثر بالظروف السياسية والميدانية، وتتغير أشكالها ومستوياتها من مرحلة إلى أخرى. ومع تصاعد اعتداءات المستوطنين، عاد سؤال الدفاع عن القرى الفلسطينية إلى الواجهة، لا باعتباره رد فعل على حادثة منفردة، بل باعتباره جزءاً من مواجهة مستمرة مع مشروع استيطاني يعتمد على السيطرة على الأرض، وتوسيع البؤر، وتحويل الاعتداءات إلى جزء من الحياة اليومية للفلسطينيين.
ضمن هذا السياق جاءت أحداث بلدة تل، جنوب غرب نابلس، في الرابع والعشرين من تموز/يوليو 2026. فأهمية ما جرى لا تُقاس بنتائجه المباشرة فقط، وإنما بالدلالة التي حملها. إذ أعاد الحدث اختبار واحدة من أهم المعادلات التي سعت اعتداءات المستوطنين إلى ترسيخها في الضفة الغربية: أن تبقى كلفة الاعتداء محصورة بالفلسطيني، وأن يتحرك المستوطن وهو يفترض أن مهاجمة القرى الفلسطينية يمكن أن تتم من دون تبعات مباشرة عليه.
حدث تل: حين عادت كلفة الاعتداء إلى المستوطن
بدأت الأحداث بهجوم نفذه مستوطنون على البلدة، فتصدى لهم الأهالي وأجبروهم على التراجع. وبعد نحو نصف ساعة، عاد المستوطنون من الجهة الغربية القريبة من بؤرة "حفات جلعاد" الاستيطانية، بالتزامن مع وجود قوات من جيش الاحتلال، لتتطور المواجهة إلى اشتباك مباشر بين الأهالي والمستوطنين المسلحين.
ارتبطت لحظة التحول في المواجهة بالشهيد فاروق عدنان علي رمضان، الذي تمكن خلال الاشتباك من انتزاع سلاح أحد حراس البؤرة الاستيطانية المشاركين في الهجوم على البلدة. ولم تقتصر دلالة هذا الفعل على لحظته الميدانية فقط، بل أعادت طرح مسألة أساسية في واقع الضفة الغربية: هل ستبقى اعتداءات المستوطنين منخفضة الكِلفة، أم يمكن أن تواجه مقاومة تنزع عنها هذا الافتراض وتفرض كلفة على المستوطنين؟
لماذا كان حدث تل مختلفاً؟
ما أعطى أحداث تل أهميتها لم يكن حجم المواجهة وحده، وإنما أنها أعادت كلفة الاعتداء إلى المستوطنين، بعدما ترسخ خلال الفترة الأخيرة شعور بأن هذه الاعتداءات يمكن أن تُنفذ ضمن مساحة واسعة من حرية الحركة، ومن دون كِلفة مباشرة عليهم. وفي المقابل، عاش الفلسطيني تحت توقع دائم للهجوم، ودفع الكلفة الأكبر في الدفاع عن منزله وأرضه ووجوده.
بهذا المعنى، لم تغير أحداث تل ميزان القوى في الضفة الغربية، لكنها أعادت تشكيل واقع ميداني ونفسي حاول المستوطنون تثبيته: أن يبقى الفلسطيني محاصر، وأن تبقى القرية مكشوفة أمام الاعتداء، بينما يتحرك المستوطن من موقع أكثر أمناً وثقة. وما جرى في تل أعاد ترتيب معادلة الأمن والحركة، ضمن حدود الحدث، وأظهر أن الاعتداء على القرى الفلسطينية قد يواجه مقاومة تفرض كلفة على المستوطنين الذين ينفذون هذه الاعتداءات.
الرد الإسرائيلي: محاولة استعادة المعادلة
تفسر هذه الدلالة حجم الرد الإسرائيلي الذي أعقب المواجهة. فبعد استشهاد الشيخ فاروق رمضان وثلاثة من أقاربه، عمران أحمد علي رمضان، وإبراهيم حسين علي رمضان، وجواد حسين علي رمضان، فرضت قوات الاحتلال حصاراً على بلدة تل ومدينة نابلس، وأرسلت تعزيزات عسكرية إضافية، واقتحمت مستشفى نابلس التخصصي واعتقلت فلسطينيين من داخله. كما عقد رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو اجتماعاً مع وزير جيش الاحتلال وقادة الأجهزة الأمنية، وأُعلن عن إجراءات عسكرية واستيطانية وعقابية واسعة في الضفة الغربية.
لم يكن هذا الرد مرتبطاً فقط بنتائج المواجهة، بل بدلالتها وإمكانية تحولها إلى نموذج قابل للتكرار في قرى أخرى. فبالنسبة إلى منظومة الاحتلال، لا تكمن الخطورة في حادثة منفردة بقدر ما تكمن في انتقال فكرة المقاومة من حالة محلية إلى سلوك أوسع منظم، وفي تحول القرى الفلسطينية من أماكن تتلقى اعتداءات المستوطنين إلى مساحات قادرة على تنظيم الدفاع عن نفسها وفرض كِلفة على المستوطنين.
هنا يصبح فعل الشهيد فاروق رمضان أوسع من لحظته الفردية. فهو لم يكن فعلاً منفصلاً عن سياقه، بل جاء خلال هجوم استيطاني على بلدته، وضمن مواجهة شارك فيها الأهالي دفاعاً عن أراضيهم ومنازلهم. ولهذا، فإن التعامل معه باعتباره رد فعل فردي فقط يؤدي إلى نزع الحدث من سياقه السياسي، وتحويل المقاومة إلى حادثة دفاع ذاتي معزولة، بدلاً من قراءتها باعتبارها جزءاً من المواجهة ضد الاعتداءات الاستيطانية.
من الميدان إلى السردية الإعلامية
هذه النقطة ضرورية لفهم الطريقة التي جرت بها معالجة الحدث إعلامياً. فإذا كانت المواجهة في تل قد أعادت طرح أسئلة تتعلق بكلفة اعتداءات المستوطنين وإمكانية مواجهتها، فإن مرحلة أخرى بدأت بعد انتهاء الحدث، تمثلت في الطريقة التي رُويت بها الوقائع وأُعيد ترتيبها إعلامياً.
فطريقة تقديم الحدث لا تقل أهمية عن الحدث نفسه، لأن اختيار نقطة البداية، وترتيب الوقائع، وصياغة السؤال المباشر، كلها عناصر تؤثر في تفسير ما جرى. ومن هذا المنطلق، يصبح تحليل التغطية الإعلامية جزءاً من فهم حدث تل، لا بوصفها مجرد نقل للوقائع، وإنما بوصفها عملية تعيد بناء الحدث ضمن إطار معين، وتحدد أي العناصر ستبقى في مركز السرد، وأيها سيتراجع إلى الخلفية.
ومن هنا، يمكن الانتقال إلى قراءة الطريقة التي عالج بها تقرير قناة "العربية فلسطين" أحداث تل، وتحليل الكيفية التي أعاد بها ترتيب الحدث، وصاغ التساؤلات، والإطار الذي وضع فيه فعل الشهيد فاروق رمضان. وينطلق هذا التحليل من تساؤل: هل حافظت المعالجة الإعلامية على الحدث بوصفه مقاومة جاءت في سياق التصدي لهجوم نفذه مستوطنون على بلدة فلسطينية، أم أنها أعادت بناء السرد حول فعل فردي، بما غيّب سياق المقاومة وأعاد تعريف الحدث خارج الإطار الذي أفرزه؟
كيف أعاد تقرير "العربية فلسطين" بناء الحدث؟
يفتتح تقرير قناة "العربية فلسطين" معالجته بسؤال مباشر: هل قتل الشيخ فاروق الإسرائيليين... أم أن الفيديوهات تكشف رواية مختلفة؟. هذا الاختيار التحريري لا يقتصر على كونه عنواناً، بل يحدد منذ البداية زاوية النظر إلى الحدث. فبدل أن يبدأ التقرير عرض تسلسل الأحداث التي سبقت المواجهة، يضع في مركز الاهتمام سؤالاً يتعلق بالمسؤولية المباشرة عن "إطلاق النار". ويؤثر هذا الاختيار في بناء السرد اللاحق. إذ ينتقل التقرير إلى تحليل المقاطع المصورة ومحاولة إعادة تركيب مسار الأحداث من خلال اللقطات المتاحة، مع تركيز واضح على تحديد من "أطلق النار"، وكيف تحرك الأشخاص في موقع المواجهة. وبهذا يصبح التحقيق في التفاصيل البصرية هو المحور الرئيس للمعالجة.
ومن الناحية التحريرية، يمارس هذا الاختيار عملية "إزاحة في الإطار" تؤثر جذرياً في كيفية تلقي المعلومة، فعندما تُعطى الأولوية لسؤال المسؤولية الفردية عن إطلاق النار، يتراجع تلقائياً السياق السياسي الأوسع للمواجهة. ورغم أن هذا السياق (المتمثل في هجوم المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال) هو المحرك الفعلي لكل ما تبعه، إلا أن التقرير وضعه في مرتبة "الخلفية الثانوية"، مما أدى إلى تجريد الفعل المقاوم من دافعه الأخلاقي والوطني وتحويله إلى مادة للشك والتدقيق، وكأن المقاومة فعل يحتاج إلى براءة بصرية أمام الكاميرا ليكون مشروعاً.
تكمن الإشكالية الكبرى في "هندسة الأولويات" داخل التقرير، فتقديم "المراجعة البصرية والسردية للروايات المتعارضة" كمدخل وحيد لفهم الحدث، يفرض على المشاهد حصر رؤيته في "اللحظة المجتزأة" لإطلاق النار، معزولة عن التسلسل التاريخي واليومي للاعتداءات الاستيطانية في بدلة تل. إن هذا الترتيب الذي يُقدم "الاشتباه" ويؤخر العدوان\الاعتداء من قبل المستوطنين يساهم في "إخفاء" القيمة النضالية لحدث تل، فبينما كانت المواجهة على الأرض تسعى لكسر معادلة الأمان المطلق للمستوطن وفرض ثمن حقيقي عليه، كان التقرير يعمل على إعادة إنتاج حالة من "التضليل" حول هذا الفعل، واضعاً المقاوم الفلسطيني دائماً في موقع "المتهم" الذي يحتاج إلى تبرير، بدلاً من إظهاره كصاحب حق يدافع عن وجوده ويفرض كلفة اعتداءات المستوطنين.
تحرير السؤال؟: تحويل المستوطن إلى ضحية محتملة
إن المدخل الذي اختاره التقرير يوضح ما لا يُقال مباشرة في التقرير وهو الرغبة في "أنسنة" المستوطن المعتدي من خلال وضعه في خانة "الضحية التي قُتلت" والبحث عن "القاتل" بدل صورة المُقاوم والمتمثلة بالشهيد فاروق. هذا التوجه يغفل حقيقة أن وجود المستوطن المسلح داخل حدود بلدة تل هو بحد ذاته "جريمة مستمرة"، وأن أي فعل يصدر عن الأهالي هو رد فعل طبيعي وشرعي. ومن هنا، فإن التركيز على "من أطلق النار" و"من أين أتت الرصاصة" يهدف إلى تفتيت القضية الكبرى (العدوان الاستيطاني) إلى جزيئات صغيرة، تضيع فيها الحقيقة السياسية والأخلاقية للحدث، وتتحول فيها المواجهة إلى "اشتباك ضبابي" بدلاً من أن تكون دفاعاً بطولياً فرض كلفة واضحة على المستوطن.
إزاحة السياق: جعل الاحتلال الاستيطاني "خلفية" صامتة:
في الوقت الذي يسعى فيه هذا المقال لتثبيت حقيقة أن "حدث تل" مثل خطوة في فرض الكلفة على المستوطنين، كان تقرير "العربية" يعمل لتمييع هذا السياق. لقد تراجع العدوان الاستيطاني المنظم، المدعوم بقوات جيش الاحتلال، ليصبح مجرد "خلفية" صامتة، بينما تصدرت "اللقطات المُختارة" المشهد التحريري. فتقديم التفاصيل البصرية المجتزأة على السياق التاريخي واليومي للاعتداءات الاستيطانية، يحاول خدمة فكرة "المساواة بين الطرفين"؛ فالمشاهد يُدفع قسراً للتساؤل عن "دقة الروايات" بدلاً من التفكير في حتمية المقاومة. هذا النوع من التغطية يساهم في التقليل من فعل المقاومة الذي حققه سكان تل، عبر تحويل الفعل المُقاوِم إلى "جدل إعلامي".
التلاعب بالتسلسل الزمني: التضليل عبر الترتيب
يكمن الخطر الأكبر في الطريقة التي أعاد بها التقرير بناء الجدول الزمني للحدث. فبدلاً من الالتزام بالتسلسل المنطقي الذي يبدأ بـ (اقتحام المستوطنين، وتهديد المنازل، ثم تصدي الأهالي، وصولاً للمواجهة والاشتباك)، اعتمد التقرير "ترتيب الحلقات"، حيث يتم القفز مباشرة إلى لحظة إطلاق النار وجعلها هي "المركز". هذا التلاعب الزمني يهدف إلى خلق حالة من التضليل التفسيري، حيث تُستدعى الأحداث فقط لخدمة سؤال "من بدأ ومن قتل؟"، مما يفرغ الحدث من مضمونه السياسي. إن التقرير لا يسعى للفهم والتغطية، بل يسعى إلى التضليل فمن خلال وضع المشاهد في قلب "الشك"، يتم تحييد العاطفة الوطنية والوعي السياسي تجاه فعل المقاومة، ويصبح الفعل المقاوم مُعرفاً بـ "الاشتباه" حتى تثبت براءته، وهو ما يتناقض تماماً مع جوهر الحدث الذي أثبت أن الكِلفة لم تعد معنوية فحسب، بل مادية وجسدية يفرضها أصحاب الأرض رغماً عن أدوات التمييع الإعلامي.
وبذلك يكون تقرير "العربية فلسطين" قد عمل كأداة للتقليل من الأهمية والقيمة النضالية لحدث تل، محاولاً إعادة الاعتبار لسياسة "الحصار والسيطرة الاستيطانية" التي سعى أهالي تل لتحطيمها. إن كشف هذه الآليات الإعلامية هو جزء لا يتجزأ من المواجهة، فالمقاومة التي تفرض كلفة على الأرض، يجب أن تُحمى بسردية ترفض الخضوع لقواعد "الحياد الزائف" وتصر على تسمية الأشياء بمسمياتها: استعمارٌ يعتدي، وشعبٌ يقاوم ويفرض ثمنه.
ويمثل ما جرى في بلدة "تل" إعادة تعريف العلاقة الميدانية بين القرى الفلسطينية والمشروع الاستيطاني في الوقت الحالي، حيث تجاوز الفعل المقاوم كونه مجرد رد فعل آني، لينتقل إلى المواجهة المنتجة بالتكلفة. إن الأهمية لهذا النموذج تكمن في قدرته على تعطيل منطق التمدد الاستيطاني بسهولة، فالمستوطن الذي اعتاد أن يتحرك ضمن "مساحة آمنة" وبتكلفة صفرية، اصطدم بواقع ميداني يعيد صياغة أمنه الشخصي كمتغير خاضع لإرادة أصحاب الأرض، وليس كمعطى ثابت تضمنه قوة الاحتلال.
وفرض الحدث أيضاً تحدياً موازياً على مستوى "التمثيل الإعلامي، فبينما كان الواقع على الأرض يكرس معادلة الندية، حاولت المقاربات التحريرية، مثل ما ظهر في نموذج "العربية فلسطين" حصار الحدث في زوايا "التدقيق المجتزأ". إن هذا النوع من التغطية لا يكتفي بمحاولة تفتيت الحدث إلى جزيئات بصرية معزولة، بل يسعى موضوعياً إلى عزل الفعل المقاوم عن سياقه التاريخي بوصفه ممارسة شرعية للدفاع عن الوجود. وبذلك، تصبح المواجهة على الرواية هي الوجه الآخر للمواجهة على الأرض، فالميدان يفرض الكِلفة، بينما يحاول الخطاب الإعلامي "التقني والحيادي" تسييل هذه الكلفة وتحويلها إلى تساؤلات حول التفاصيل بدلاً من الاعتراف بالنتائج.
وبذلك، فإن كسر استراتيجية "السيطرة السريعة" لا يتم عبر انتظار تبدل الظروف السياسية، بل من خلال خلق بيئة ميدانية تجعل من الاعتداء الاستيطاني عبئاً غير محتمل. وبهذا، يظل حدث تل قائم كدليل على أن استعادة الفاعلية الفلسطينية تبدأ من القدرة على جعل الأرض المستباحة مكاناً يجبَر المستوطن فيه على دفع ثمن وجوده، بعيداً عن محاولات التنميط الإعلامي التي تسعى لإخفاء هذا الحق المشروع.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


