الصراع مع الفلسطينيين لم يعد مجرد تهديد أمني لإسرائيل بل هو معضلة إستراتيجية وسيناريوهات حله تنطوي على مخاطر أمنية للدولة
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب:  احمد عيسى

اختتم معهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي INSS يوم الثلاثاء الماضي مؤتمرا خاصا عقد تحت عنوان مؤتمر الأمن القومي والذي استمر ليومين 27-28/7/2026، وذلك لعرض مؤشر التهديات الأمنية التي تواجه إسرائيل للسنوات الخمس القادمة.

ويتضح من خلال متابعة جلسات المؤتمر المنشورة، ان هذا المؤتمر يمثل بداية تفكير جديد للمعهد مختلفة عن الفترة التي سبقت السابع من اكتوبر العام 2023، إذ يختلف هذا المؤتمر وما تضمنه من موضوعات طرحت خلال جلسات المؤتمر، عن المؤتمر السنوي الذي درج المعهد على تنظيمه على مدى الثماني عشرة عاما الماضية، حيث ركز المؤتمر هذه المرة على قياس إدراك الجمهور الإسرائيلي للتهديات الأمنية التي تواجه الدولة وربط نتائج هذا الإدراك بصنع السياسات الأمنية، الأمر الذي لم يكن محوراً رئيسياُ في المؤتمرات الدولية السابقة.

ويظهر اللقاء الخاص الذي عقد مع العميد يوفال الون (Yuval Alon) رئيس مشروع مؤشر التهديدات الأمنية في المعهد خلال جلسات المؤتمر أن المعهد قد إستحدث بنية خاصة لدراسة التهديدات ضمن هيكله التنظيمي تحت إسم مشروع مؤشر التهديدات الأمنية، الأمر الذي يشير أنه لم يعد كافيا الإعتماد على استطلاعات الرأي السنوية التي كان ينفذها المعهد لقياس التهديدات التي تواجه إسرائيل، خلال العقدين الماضيين.

وكشف العميد الون في لقائه عن إختلاف في منهجية تحديد التهديدات وكذلك عن إختلاف في إعداد وتوقيت تنفيذ إستطلاعات الرأي لغرض مؤشر قياس التهديات، إذ أفاد ان الطاقم المختص في المشروع التقى وجها لوجه بـــ 147 شخص ممن وصفهم بالخبراء من الجيش والأمن والأوساط الأكاديمية والصناعات الدفاعية والحكومة وأوساط أخرى في الدولة للوقوف على التهديدات التي تواجه إسرائيل في السنوات الخمس القادمة، وعلى ضوء إجابات الخبراء صمم الطاقم إستطلاع رأي نفذ على شريحة الخبراء لمرة واحدة في شباط الماضي، ثم جرى تنفيذه مرتين على الجمهور، الأولى كانت في شهر شباط/فبراير الماضي، والثانية كانت في شهر تموز/يوليو.

وحول التهديدات اضاف العميد انه لم يتم حصرها بالتهديدات الخارحية فقط، بل جرى التطرق اليها بشكل عام، ومن خلال الإجابات تبين ان هناك ثلاثة مستويات من التهديدات (خارجية وداخلية ودولية)، حيث جرى حصر هذه التهديدات بمستوياتها الثلاثة في أربع عشرة تهديد كالتالي: (1- صراع عنيف بين مكونات المجتمع الإسرائيلي، 2- امتلاك إيران سلاح نووي، 3- هجوم صاروخي واسع على الجبهة الداخلية، 4- تقويض الطابع الديمقراطي للدولة، 5- حرب طويلة على أحد الجبهات، 6- هزلة دولية وعقوبات، 7- فقدان الدعم الأمريكي، 8- تقويض الطابع اليهودي للدولة، 9- كارثة طبيعية كبرى، 10- حرب مع تحالف إقليمي، 11- تراجع الإنتاجية الاقتصادية بسبب التحولات الديموغرافية، 12- هجمات سيبرانية وتأثير رقمي أجنبي، 13- تضرر البنية التحتية وسلاسل الإمداد، 14- تفاقم أثار التغير المناخي.

ينبغي هنا التوضيح أن هذا المقال سيكتفي بالإشارة للتهديدات كما يراها الخبراء والجمهور ولن يتطرق لنسبها كما وردت في الإجابات، حيث سيتم التطرق اليها في مقال آخر قريباً، وسيكتفي هذا المقال بتوضيح النسب الخاصة المتعلقة بالصراع مع الفلسطينيين.

وفي هذا السياق تظهر قائمة التهديدات المشار اليها اعلاه أنها لا تشمل الصراع مع الفلسطينييين، إذ جرى دراسة الصراع هذه المرة بشكل منفصل عن باقي التهديدات، ولكنه اي الصراع قُدم في الإستطلاعات التي اعدت لغرض دراسته كنهديد، وكان لافتاً أنه جرى اضافة سؤال للسؤال التقليدي الذي كانت استطلاعات الرأي المخصصة لمؤشر قياس التهديدات التي كان ينفذها المعهد سنويا المتمثل بسؤال "هل الصراع مع الفلسطينيين تهديد؟"، حيث كان السؤال الجديد "أي من الحلول التالية: ( دولة فلسطينية، ضم دون منح حقوق كاملة، دولة ثنائية القومية) أكثر خطورة على إسرائيل؟ الأمر الذي يتطلب فحص لماذا جرى فصل التهديد الذي مصدره الصراع عن باقي التهديدات الخارجية؟ وماذا كان موقعه في قائمة التهديدات؟ وكيف سيبدو الصراع في العقد القادم؟ وما العمل أمام الفلسطينيين على ضوء هذه النتائج؟

وينبغي التوضيح هنا أن هذا المقال سيلقي الضوء موقع الصراع مع الفلسطينيين في قائمة التهديدات كما كان يراها الجمهور الإسرائيلي قبل تطوير المؤشر الجديد، وتحديدا خلال سنوات 2021، 2022، 2023.

يكشف الجدول أعلاه أن نسبة ادراك المجتمع الإسرائيلي للتهديد الذي مصدره الصراع مع الفلسطينيين تزداد سنوياً، ووصلت هذه الزيادة ذروتها العام 2023 أي قبل السابع من أكتوبر، ويعود ذلك الى جمع كل (حماس والعمليات العسكرية) في محور (الصراع مع الفلسطينيين).

وبعد تطوير المؤشر الجديد فقد أتت اجابات الخبراء والجمهور على سؤال: إلى أي مدى ينظر للصراع مع الفلسطينيين كتهديد؟ على النحو التالي:

وحول سؤال أي من التهديدات هو الأول، الصراع مع الفلسطينيين أو التهديد العام (ايران او الانقسام الداخلي) اتت الإجابات على النحو التالي:

وحول لماذا جرى فصل الصراع مع الفلسطينيين عن باقي التهديدات التي تهدد إسرائيل، فتكمن الإجابة في بنية مؤشر الأمن القومي الجديد وكذلك في طبيعة جلسات النقاش التي دارت على مدي أيام انعقاد المؤتمر، حيث أظهرت النقاشات وكذلك بنية المؤشر أن هناك تحولاً واضحا في مقاربة القضية الفلسطينية، إذ لم تدرج ضمن التهديدات الأمنية المباشرة بل نوقشت بوصفها ليست مجرد تهديد فحسب، بل كمعضلة إستراتيجية تجعل من الصراع مصدر كل، أو غالبية التهديدات الأمنية الخارجية والداخلية والدولية التي تواجه إسرائيل، ويشمل ذلك سيناريوهات حلها، إذ ينعكس ذلك على هوية الدولة ودعمها الدولي ومستقبل اندماجها الإقليمي وعقلاقاتها المستقبلية مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي السياق ذاته يكشف الفصل ونتائج المؤشر الخاصة بالصراع عن ثلاثة حقائق مهمة في التتفكير الأمني الإسرائيلي.

أولا: الصراع مع الفلسطينيين ينظر اليه كتهديد كبير جداً سواء من قبل الجمهور أم الخبراء، وأن مؤشر اعتباره كتهديد آخذ في الإزدياد، إذ فيما بلغت نسبة من يرونه كتهديد 52% العام 2023 اي قبل شن إسرائيل لحرب الإبادة على الفلسطينيين لا سيما في غزة، بلغت العام 2026 أي بعد الإبادة 55%، والأهم في هذا السياق انه لم يعد ينظر للصراع كتهديد فحسب، بل بات ينظر اليه كمعضلة إستراتيجية يبدو أنها غير قابلة للحل على الأقل في السنوات الخمس القادمة، إذ تظهر النتائج أن ثلث المجتمع والخبراء يرون في سيناريوهات الحل الثلاثة (الدولة الواحدة، الضم دون منح حقوق، حل الدولتين) خطر على إسرائيل.

ثانياً: الخلاف داخل إسرائيل لا يدور حول اعتبار الصراع تهديد فحسب، بل يتعدى ذلك الى طبيعة التسوية أكثر من وجود التهديد.

ثالثاً: النخبة الأمنية في إسرائيل تختلف عن الرأي العام فيما يتعلق بالصراع ومعالجته، إذ يرى 59% من الخبراء أن الضم كما يسوقه اليمين المتطرف في إسرائيل هو السيناريو الأكثر تهديدا، في حين يرى الجمهور أن ايران والإنقسام الداخلي يتصدران قائمة التهديدات التي تواجه إسرائيل.

أما حول تطورات الصراع في العقد القادم فتظهر النتائج أن سيناريو مزيد من القائم هو السيناريو الأكثر ترجيحا، إذ رغم كل ستة أشخاص من كل عشرة اشخاص في إسرائيل يرون في الصراع تهديد بل مضلة استراتيجية هي مصدر كل التهديدات، إلا ان معالجته سياسيا لا تشكل أولوية لهم، حيث تتقدم عليه أولوية أيران والإنقسام الداخلي.

وحول سؤال ما المظلوب عمله فلسطينيا، فيترك هذا المقال الإجابة للقارئ.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد