شبكة راية الإعلامية - 8/3/2026 12:03:24 PM - GMT (+2 )
قبل الحديث عن الاتفاق "الجديد" حول غزة، تجدر الإشارة إلى أنه ليس اتفاقًا جديدًا، بل هو اتفاق لتنفيذ الاتفاق الذي أُبرم في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
ولكي نعرف مصير الاتفاق "الجديد"، علينا أن نتذكر مصير الاتفاق الأصلي. فقد نجح في وقف حرب الإبادة الشاملة والتهجير الواسع، وصدر قرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي تبنّى الخطة الأميركية، وشُكِّل مجلس السلام واللجنة الإدارية الفلسطينية التابعة له التي لم يسمح الاحتلال لها بالدخول إلى غزة حتى الآن. كما أوفت حركة حماس بالتزاماتها المتعلقة بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، ثم حلت لاحقًا اللجنة الحكومية للطوارئ، وأبدت استعدادها لتسليم إدارة القطاع إلى اللجنة الإدارية الفلسطينية.
كما أظهرت الحركة قدرًا كبيرًا من المرونة، سواء من خلال الحديث عن هدنة طويلة الأمد قد تصل إلى خمسة عشر عامًا، أو فيما يتعلق بملف السلاح، وصولًا إلى موقفها الأخير الذي أبدت فيه استعدادها لتخزين السلاح وتسليمه إلى اللجنة الإدارية الفلسطينية. كذلك لم تُصرّ على تنفيذ التزامات المرحلة الأولى كاملة قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية، بل وافقت على الربط بين المرحلتين، بحيث يجري التنفيذ بصورة متزامنة ومتوازية، بعد اتخاذ قوات الاحتلال خطوات أولية، ولا سيما في ما يتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية.
في المقابل، لم تنفذ الحكومة الإسرائيلية معظم التزامات المرحلة الأولى، وتمسكت بتفسيرها الذي يجعل ملف السلاح أولوية قبل أي شيء آخر. كما لم تنفذ البروتوكول الإنساني، إذ لم يدخل إلى قطاع غزة سوى نحو ثلث الكميات المتفق عليها من المساعدات، وتحكمت في حركة الدخول والخروج من القطاع، فجاءت الأعداد أقل بكثير مما نص عليه الاتفاق، بما في ذلك منع خروج معظم الجرحى للعلاج، وهو ما يرقى إلى تهديد مباشر لحياتهم.
وفي الوقت نفسه، واصلت إسرائيل التوسع العسكري واحتلال المزيد من الأراضي، حتى أصبحت تسيطر على نحو 70% من القطاع، بعد أن كانت تسيطر على 53% عند توقيع اتفاق وقف إطلاق النار. كما قتلت نحو 1300 فلسطيني، وأصابت ما يقارب 3500 آخرين، وهدمت آلاف المنازل والمنشآت، وأقامت قواعد عسكرية وسواتر رملية وإسمنتية، وعززت تقسيم القطاع، وشكلت ميليشيا محلية موالية لها أوكلت إليها مهام تصب في نشر الفوضى وإثارة الفتنة.
وأعلنت، على لسان عدد من الوزراء، بمن فيهم وزير الحرب، أنها تريد استمرار الحرب والتهجير والاحتلال والاستيطان، حتى لو جُرِّد قطاع غزة من السلاح.
وهذا الموقف مفهوم؛ لأن دولة الاحتلال والفصل العنصري وافقت على الخطة الأميركية على مضض وتحت ضغط الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سعى، في تقديره، إلى إنقاذ إسرائيل من سياسات حكومتها، بعدما أدت حرب الإبادة والتهجير التي خاضتها، من دون رؤية سياسية قابلة للتحقيق، إلى تدهور مكانة إسرائيل الدولية، واتساع عزلتها، وانهيار روايتها التاريخية والسياسية بشأن ما يجري وأسبابه.
فلو استمرت حرب الإبادة الشاملة، لكانت إسرائيل عرضة لعزلة دولية خانقة، وربما لعقوبات شديدة من دول ومن مؤسسات الأمم المتحدة والمحاكم الدولية. وقد أصبحت القضية الفلسطينية اليوم قضية الحرية والعدالة على المستوى العالمي، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة، حيث أظهرت استطلاعات الرأي تزايد التعاطف، خصوصًا بين الشباب، مع الحقوق الفلسطينية، وتراجع التأييد للسياسات الإسرائيلية، وفي استطلاع أخير أيد 50% من الأمريكيين اعتقال نتنياهو أثناء وجوده في الولايات المتحدة مؤخرا تطبيقا لمذكرة الاعتقال الدولية ضده.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: الموافقة الشكلية والتفريغ العملي
يقوم هذا السيناريو على أن توافق إسرائيل على الاتفاق شكليًا، لكنها تفرغه من مضمونه عبر سلسلة من الشروط والتحفظات، على غرار ما فعله أريئيل شارون مع "خارطة الطريق" عندما وافق عليها وأرفقها بأربعة عشر تحفظًا نسفتها عمليًا.
وقد تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى تقويض الاتفاق حتى قبل إقراره رسميًا، كما توحي بذلك المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال يوم الأحد الماضي في الوقت الذي كان يُنتظر فيه وقف الاغتيالات والاعتداءات.
ومن المتوقع أن تشمل التحفظات الإسرائيلية الإصرار على تدمير وتسليم السلاح فورًا، بدلًا من تخزينه وتسليمه تدريجيًا خلال عدة أشهر إلى اللجنة الإدارية، ورفض مشاركة قطر وتركيا أو أي دولة لا تربطها بإسرائيل معاهدة سلام في قوة الاستقرار الدولية، والإصرار على احتفاظ الجيش الإسرائيلي بحرية العمل العسكري حتى في المناطق التي تنتشر فيها تلك القوة.
كما قد تستغل إسرائيل حاجة اللجنة الإدارية إلى وقت طويل لتولي إدارة القطاع، وترفض استيعاب معظم الموظفين بحجة انتمائهم إلى حركة حماس أو تعيينهم في عهدها، رغم إدراكها أن تجاهل المؤسسات القائمة، سواء لسلطة حماس أو سلطة الرئيس محمود عباس يمثل وصفة مؤكدة للفشل.
وقد تستفيد كذلك من نقص التمويل اللازم لمجلس السلام والإغاثة وإعادة الإعمار حيث لم تصل المليارات التي جرى الحديث حولها، ومن تردد بعض الدول التي أبدت استعدادها للمشاركة في قوة الاستقرار، في ظل رغبة إسرائيل في أن تكون هذه القوة أداة لفرض الأمن بالقوة وفق رؤيتها، بينما ترى الدول المشاركة أن دورها ينبغي أن يقتصر على حفظ السلام.
ومن المرجح أيضًا أن تعتمد إسرائيل سياسة المماطلة والتسويف، وأن تربط أي انسحاب تدريجي إلى الخط الذي كانت ترابط عليه عند الاتفاق على وقف اطلاق النار بأثمان سياسية وأمنية إضافية.
ويبدو هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا؛ لأن الحكومة الإسرائيلية لا تريد أن تظهر، عشية الانتخابات، بمظهر المهزوم الذي لم ينجح في القضاء على حماس وبقية فصائل المقاومة، بل مطلوب منها وفق الاتفاق تقديم ضمانات بعدم استهدافها، بما يسمح لها بالاستمرار وأداء دور سياسي.
كما أن التجربة منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي تُظهر أن إدارة ترامب لم تمارس ضغطًا جديًا لوقف حرب الإبادة بالتدريج ومختلف الخروقات الإسرائيلية، إذ انصب اهتمامها على منع عودة حرب الإبادة الشاملة، مع الحفاظ على صورة مجلس السلام، حتى لو استمرت إسرائيل في فرض وقائع جديدة على الأرض.
السيناريو الثاني: تنفيذ الاتفاق
يفترض هذا السيناريو أن تضع الإدارة الأميركية، وترامب تحديدًا، ثقلها السياسي وراء تنفيذ الاتفاق. وهو سيناريو ممكن، لكنه مستبعد و ليس الأكثر احتمالًا.
فترامب لا يزال بحاجة إلى إسرائيل في سياق صراعاته الإقليمية وحربه مع إيران، كما يحتاج إلى دعم اللوبيات المؤيدة لها، ولا سيما في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وتراجع شعبيته إلى مستويات متدنية أقل من شعبية بوش واوباما وبايدن في نفس الفترة.
ومع ذلك، فإن إخفاقه في تحقيق إنجازات حاسمة في ملفات إيران وأوكرانيا والاقتصاد قد يدفعه إلى التمسك بما يعتبره إنجازًا في غزة، والعمل على ضمان نجاح الاتفاق.
السيناريو الثالث: العودة إلى حرب الإبادة والتهجير
يبقى هذا السيناريو مستبعدًا، لكنه لا يمكن استبعاده بالكامل، خصوصًا إذا شهد الإقليم تصعيدًا واسعًا، أو تحولت المواجهات الحالية إلى حرب شاملة.
أما إذا انتهت الصراعات الإقليمية إلى تسويات على قاعدة غالب غالب وليس غالب ومهزوم أو إلى نتائج لا تحقق انتصارًا حاسمًا لأي طرف، فإن فرص العودة إلى حرب الإبادة ستظل محدودة للغاية.
خاتمة
تبقى هذه السيناريوهات صالحة حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية، لأن نتائجها سيكون لها أثر كبير في تحديد المسار اللاحق.
فإذا فاز الائتلاف الحاكم، تعززت فرص السيناريو الأول. أما إذا فازت المعارضة، ولا سيما إذا تشكلت حكومة برئاسة غادي آيزنكوت، فإن فرص تنفيذ الاتفاق ستزداد، بحكم سعيها إلى إصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة، والإبقاء على السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وربما تمكينها من لعب دور في غزة بشروط أقل تشددًا.
أما إذا أسفرت الانتخابات عن مشهد سياسي غير حاسم، فإن إسرائيل ستدخل مرحلة انتقالية تبقى فيها جميع السيناريوهات مفتوحة، مع تزايد تأثير العوامل الخارجية، وفي مقدمتها العامل الأميركي.
وفي جميع الأحوال، إذا استمرت الحالة الفلسطينية على ما هي عليه من غياب وتغييب القيادة الفاعلة وتهميشها، فإن أطرافًا فلسطينية وإقليمية ودولية أخرى ستملأ الفراغ، ليصبح الملعب فلسطينيًا، ولكن من دون لاعبين فلسطينيين مؤثرين، ومن دون حضور حقيقي للممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهو الإنجاز التاريخي الأبرز الذي حققته الحركة الوطنية الفلسطينية منذ انطلاقتها الحديثة.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


