الانتخابات الفلسطينية... أكثر من صناديق اقتراع
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: م. معتصم حميدة

في تاريخ الشعوب، لا تُعدّ الانتخابات مجرد محطة دورية لتجديد السلطات، بل غالباُ ما تشكّل لحظة سياسية مفصلية يُعاد فيها تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وتتعزز فيها الثقة بالمؤسسات، وتتبلور ملامح المرحلة المقبلة. لذلك، لا تُقاس قيمة الانتخابات بعدد المشاركين أو حتى بالنتائج وحدها، بل بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في بنية النظام السياسي، وتحسين أداء مؤسساته، وترسيخ أسس الحكم الرشيد.

وفي الحالة الفلسطينية، يكتسب هذا الموضوع تعقيداً إضافياً مقارنةً بتجارب أخرى، إذ تجري الانتخابات في ظل احتلال مستمر، وانقسام سياسي ممتد، وتغيرات إقليمية ودولية متسارعة. وهذا ما يجعلها ليست مجرد استحقاق انتخابي دوري، بل قضية وطنية ذات أبعاد استراتيجية.

ومع صدور المرسوم الرئاسي بتاريخ 9 تموز/يوليو 2026، الذي حدد موعد الانتخابات التشريعية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وفقاً لأحكام القرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته، عاد النقاش مجدداً حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني وقدرته على إحداث تغيير فعلي.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تكفي الانتخابات وحدها لإعادة بناء الشرعية السياسية، أم أن نجاحها مرهون بإصلاح أوسع يشمل بنية النظام السياسي ومؤسساته؟

تشير الأدبيات السياسية إلى أن الانتخابات، رغم أهميتها، تُعد جزءاً من عملية التحول الديمقراطي وليست التحول ذاته. وكما يوضح Samuel P. Huntington في كتابه The Third Wave (1991)، فإن الانتخابات قد تمثل نقطة انطلاق لمسار ديمقراطي، لكنها لا تتحول إلى أداة لترسيخ الديمقراطية إلا إذا اقترنت ببناء مؤسسات قوية، واحترام سيادة القانون، وتداول حقيقي للسلطة.

كما يؤكد Juan J. Linz وAlfred Stepan في كتابهما Problems of Democratic Transition and Consolidation (1996)، أن نجاح التحول الديمقراطي يرتبط بقدرة الدولة على بناء مؤسسات مستقرة وفعّالة وذات شرعية، وليس بمجرد إجراء انتخابات دورية.

وتدعم التجارب الدولية هذا الفهم؛ ففي جنوب أفريقيا، شكّلت انتخابات 27 نيسان/أبريل 1994 تتويجاً لمسار أنهى نظام الفصل العنصري، وفتح الباب أمام مشروع وطني للمصالحة وإعادة بناء الدولة.

وفي البوسنة والهرسك، مهّد اتفاق دايتون الموقع في 14 كانون الأول/ديسمبر 1995 لإجراء أول انتخابات عامة عام 1996، ضمن عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد الحرب.

أما في أيرلندا الشمالية، فقد أسس اتفاق الجمعة العظيمة في 10 نيسان/أبريل 1998 لشراكة سياسية جعلت من الانتخابات جزءاً من تسوية وطنية شاملة، لا مجرد تنافس على السلطة.

وتُظهر هذه التجارب أن الانتخابات تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تكون جزءاً من مشروع وطني شامل للإصلاح، لا عندما تُختزل في كونها هدفاً بحد ذاته. فالشرعية لا تكتمل عبر صناديق الاقتراع فقط، بل تنعكس في مخرجاتها: مؤسسات أكثر قوة، وتمثيل أكثر فاعلية، وقدرة أعلى على صنع القرار وتطبيق القانون.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح الانتخابات الفلسطينية لا يقاس بنسبة المشاركة أو بعدد المقاعد التي تحصل عليها القوى السياسية، بقدر ما يقاس بقدرتها على إعادة تفعيل المجلس التشريعي، وتعزيز استقلال القضاء، وتطوير الإدارة العامة، وترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات، ورفع مستوى المساءلة والشفافية، بما يعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.

وتكتسب هذه الأهداف أهمية مضاعفة في الحالة الفلسطينية، لأن أي عملية إصلاح سياسي تجري في ظل الاحتلال تواجه تحديات استثنائية لا تعرفها معظم التجارب الديمقراطية الأخرى. فالاحتلال لا يفرض قيوداً على حرية الحركة والتنظيم فحسب، بل يؤثر أيضاً في البيئة السياسية والأمنية والاقتصادية التي تجري فيها الانتخابات، وهو ما يجعل نجاحها مرتبطاً بقدرة المؤسسات الوطنية على إدارة هذا الواقع والتكيف مع هذه الظروف، والحفاظ على استمرارية عملها رغم القيود المفروضة عليها.

وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب الانتخابات بعداً إضافياً، لأنها لا تجري في إطار دولة مكتملة السيادة، وإنما في ظل واقع سياسي يفرض قيوداً مباشرة على المجال العام وصناعة القرار. ولذلك، فإن نجاحها لا يرتبط فقط بنزاهة العملية الانتخابية، بل أيضاً بقدرة النظام السياسي على إدارة هذا الواقع المعقد وتحويل الشرعية الانتخابية إلى قدرة مؤسسية على العمل والتأثير.

ولأن تطوير النظام السياسي الفلسطيني لا ينفصل عن البنية الوطنية الجامعة، فإن أي مسار إصلاحي يكتسب قوته من الحفاظ على الدور التاريخي لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهو الموقع الذي كرسته قرارات القمم العربية، وحظي باعتراف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

ومن ثم، فإن أي عملية تطوير للنظام السياسي ينبغي أن تستند إلى تعزيز التكامل بين مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، بما يحافظ على وحدة التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ويعزز قدرة النظام السياسي على التعبير عن الإرادة الوطنية في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.

ولا ينبغي النظر إلى الانتخابات بوصفها غاية في ذاتها، وإنما باعتبارها مدخلاً لإطلاق مرحلة جديدة من العمل الوطني تقوم على تحديث الأداء المؤسسي، وتعزيز الشفافية، وترسيخ المساءلة، وتوسيع المشاركة السياسية، واحترام التعددية وسيادة القانون. فنجاح أي تجربة انتخابية يقاس بما تنتجه من مؤسسات أكثر كفاءة، لا بمجرد تغير الأشخاص أو تبدل موازين القوى.

وتشير التجربة الفلسطينية إلى أن الشرعية الانتخابية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان الاستقرار السياسي إذا لم تقترن بإدارة رشيدة، ومؤسسات فاعلة، وسيادة القانون، وثقافة سياسية تؤمن بالشراكة وتحترم نتائج العملية الديمقراطية. لذلك، فإن تقييم انتخابات عام 2026 ينبغي ألا يقتصر على نتائج صناديق الاقتراع، وإنما يمتد إلى ما إذا كانت ستفتح الباب أمام إصلاحات حقيقية في بنية النظام السياسي وآليات عمله وقدرته على الاستجابة لتطلعات المواطنين.

وتفرض التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة على الفلسطينيين إعادة قراءة أدواتهم السياسية بما ينسجم مع طبيعة المرحلة. فالقضية الفلسطينية تواجه اليوم تحديات تتجاوز حدود الصراع التقليدي، وتمتد إلى تداعيات الحرب على قطاع غزة، ومتطلبات إعادة الإعمار، وتصاعد الاستيطان والاعتداءات على القدس، واستمرار الانقسام، وتغير أولويات الفاعلين الدوليين.

وفي ظل هذه البيئة المعقدة، لا تقتصر أهمية الانتخابات على تجديد الشرعية، وإنما تمتد إلى تعزيز قدرة النظام السياسي على إدارة هذه الملفات، وتوحيد الجهد الوطني، وصياغة رؤية أكثر فاعلية لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة.

فالتاريخ لا يتوقف طويلاً عند نتائج صناديق الاقتراع، بقدر ما يتوقف عند ما تصنعه تلك النتائج من تحولات في مسار الدول والشعوب. لذلك، لن يكون السؤال الأهم بعد إعلان النتائج: من فاز في الانتخابات؟ بل: هل نجح الفلسطينيون في تحويل هذا الاستحقاق إلى نقطة انطلاق لتطوير نظامهم السياسي، وتعزيز كفاءة مؤسساتهم، وترسيخ الشراكة الوطنية، بما يخدم المشروع الوطني ويعزز قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة تحديات المستقبل؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تُكتب يوم الاقتراع، وإنما ستصوغها السنوات التي تليه بما تحمله من إصلاحات وسياسات وإرادة وطنية قادرة على تحويل الشرعية الانتخابية إلى إنجاز مؤسسي مستدام.

فالانتخابات تصنع الشرعية، أما قوة النظام السياسي فتُبنى بالمؤسسات التي تحسن توظيف هذه الشرعية في خدمة المواطنين، وصون المشروع الوطني، وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات. وستبقى قيمة الانتخابات بما تتركه من أثر في بنية النظام السياسي، لا بما تفرزه من أسماء.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد