شبكة راية الإعلامية - 8/4/2026 9:50:25 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. محمد عودة
بكل أسف بقلك أنا عتبان عليكِي يا ست فيروز، ومع هيك بدي استأذنكِ أنه غنياتك ترافقنا في هرحلة؛ مو بس عشان ننطرب ، كمان اضافة للطرب بدنا نستعير منها بعض الصور التي بقيت محفورة في الملايين الي حبوكي، فصوتكِ ما كان مجرد صوت غنائي، بل كان ذاكرة للمكان؛ للقرية، والطريق، والبيوت، والناس الذين كانت تجمعهم المسافات قبل أن تصبح الطرق أكثر صعوبة، وقبل أن يصبح الوصول إلى المكان نفسه يحتاج إلى إرادة وصمود.
بوسطتنا يا ست فيروز منا طلعة من حملايا ولا هي رايحة لتنورين ،بوسطتنا طالعة من رام الله للمغير، ركابا لا بيوكلو خس ولا تين ،بقولو رايحين وين بدو اياهن الوطن . وعلى الطريق نسَمُّ عليهم الهواء بس منو هوا غنيتك لانه جايي من صوب الحقول والبيوت القديمة، هوا حامل معه أسئلة كثيرة عن قرى فلسطينية عايشه بين جمال الأرض وثقل الواقع، المغير يا ست فيروز منها مجرد اسم على الخريطة، هيي قرية إلها أهل وذاكرة وأرض، وبتواجه مثل غيرها من القرى اعتداءات المستوطنين ومحاولات تحويل حياة الناس إلى حالة دائمة من القلق والانتظار.
قلتلك انه بوسطتنا منها رايحة تنورين ،بس ما قلتلك انا البوسطة عاملة جولة طويلة ،من المغير رايحة لترمسعيا، وقبل اتوصل مرت بسنجل . هناك كانت الحكاية حكاية ؛ ناس تنطر ناس ، وضِيع كثيرة بتستنى من يصل إليها، وشباب ناطرين اللحظة التي يتحول فيها التضامن من شعور إلى حضور، فالأرض لا يحميها التعاطف من بعيد فقط، بل تحتاج إلى من يصل إليها ويقف مع أهلها.
وفي ترمسعيا ناس صافين على الجنبين، البوسطة اعادتلهم صورة القرية التي كانت قايمة على العمل والأرض والبساطة، فالطاحونة التي عرفتها الأجيال ما كانت مجرد حجر، بل كانت رمزًا لدورة الحياة، وللعلاقة العميقة بين الإنسان ومكانه، لكن السؤال اليوم ما عاد فقط عن الماضي الجميل، بل عن قدرة القرية على الحفاظ على صورتها عندما تصبح الأرض نفسها موضع تهديد.
ومن ترمسعيا طلعت بوسطتنا على تل، ما كانت تحمل ركاب من اهالي تل ، ، كانت محمله شبابً متطوعين بدهن يوصلوا تل ويوقفوا مع اهلها دفاعا عنها في مواجهة اعتداءات المستوطنين، يحملون معهم إرادة الحضور، لكن هدير محرك البوسطة فتح سؤال مختلف: هل سيكفي الوقود للوصول لتل والعودة؟
يمكن ما بتعرفي انه صرنا مثل لبنان عندنا أزمة محروقات ،مش مجرد ارتفاع في الأسعار أو نقص عابر في مادة أساسية، فالوقود صار جزء من تفاصيل الحياة اليومية، ومن قدرة الناس على الحركة والوصول، ولما يصير الوقود عبئًئ إضافيً، بصير الطريق التضامن أكثر صعوبة، فالمواطن يلي بده يوصل لقرية مهددة بحتاج وسيلة نقل، ووسيلة النقل بتحتاج وقود، والوقود صار جزءً من معادلة الصمود.
وفي نص الرحلة، صدح صوتك ست فيروز من مذياع البوسطة "وحدن"، الشباب بعدن صغيرين وما بيعرفوا شي عن وحدن ، أما نحن أبناء ذلك الجيل فتذكرنا طلال حيدر، وعملية كريات شمونة، وذلك المشهد يللي امتزجت فيو دماء عربية من ثلاث جنسيات،ظلت الغنية تحمل وجع يتجاوز كل الحدود، وبحكم عدم المعرفة، اعتقد الشباب أنه "وحدن" بتحكي عن اهل تل، فصرخ أحدهم: إن تل لن تبقى وحدها بعد اليوم، وأهل تل لن يبقوا وحيدين، فالمدد قادم.
شباب البوسطة منن مثل شباب "وحدن"، فهم منهم رايحين على مواجهة عسكرية، هن رايحين يجسدو مقوله بسيطه وعميقه: ما لازم تضل القرى وحدها أمام الخطر، وفي طريق العودة، اختارت البوسطة طريق الأغوار لانها ناوية تنضم لبوسطة تانية متجهة إلى قصرى وعقربا، وبينما كانت تمر بين القرى، عادت صورة الصيف الفلسطيني إلى الذاكرة؛ التين والعنب والتفاح، والكروم التي كانت تختزل حكايات العائلات والأجيال، لكن المشهد تغير، فبعض الكروم احترقت، وبعض الأرض فقدت لونها، وأصبحت الذكريات الجميلة تحاول الصمود أمام واقع قاسٍ.
ولما وصلت البوسطة لعقربا، بدت الحقول وكأنها ترتدي لونًا آخر، لم يكن اصفرار الأوراق إعلانًا عن نضج موسم جديد، كانت من آثار الحرائق يلي تركت بصمتها على الأرض، دخان الحرائق غطى سما السهل، وكأن هناك من يحاول تغيير ملامح المكان، وليس السيطرة على الأرض فقط، بل حتى العبث بعلاقة الإنسان بالفصول وذاكرتها،
وفي طريق العودة إلى المحطة الأولى، بدأ رذاذ المطر يتساقط، معلنًا عن تجدد الحياة، فالأرض التي يحاول البعض اقتلاع جذورها تعرف كيف تستعيد عافيتها، والماء الذي يمنح الحياة يبقى أقوى من كل محاولات إطفائها،وكما قال قائد المسيرة، هناك من يحاول اقتلاع الحياة، لكن الحياة تجد دائمًا طريقها إلى العودة.
وقبل ما توصل البوسطة إلى رام الله ، نفد وقودها، فاضطر الشباب إلى دفشها بأيديهن كي تكمل الطريق، ومن غير ميعاد، صدح صوت فيروز من مذياع البوسطة "هالسيارة مش عم تمشي: بدنا حدا يدفشها دفشة، بيحكوا عن ورشة تصليح، وما عرفنا وينية الورشة، فصرخ أحدهم: "بنعرف وين الورشة.
وفي النهاية بتوصل البوسطةلرام الله دفش، وهناك كان في رجال بملابس رثة ينطر هل البوسطة وما حدة عارف ليش، إنه حنا السكران، لكنه لم يعد كما كان، فمن ما صارت بنت الجيران تصور حالها بنفسها، تغير الزمن، وتغيرت الحكاية، لم يعد الإنسان قادرًا على الوقوف متفرجًا، لأن الأرض لم تعد تقبل أن تُحب من بعيد، بل تحتاج إلى من يصل إليها ويحضر فيها.
لقد تغير شكل القرى، وتغيرت الطرق، لكن الحكاية بقيت واحدة: قرى بتنطر، وأرض بتنادي، وطريق بيحتاج مين يسلكه، فالأرض لا يحميها قول انها لنا فقط ، بل عندما نستطيع الوصول إليها، والوقوف إلى جانب أهلها، والحفاظ على حضور الإنسان فيها، وعلى صوت هدير تلك البوسطة، بين ذاكرة أغنية وواقع طريق، تبقى الرحلة مستمرة ومتجددة.
في الختام يا ست فيروز والله خجلان قلّك بترجاكي لا عاد تقولي ردّني الى بلادي، لأنّه إذا ما رديتي حالك ما حيردّك حدا، لأنّهم منهم فاضيين عشان مشغولين باعتراض كل شي جاي من إيران، وإذا بدك تيجي على تِل خبريني ببعتلك خارطة الطريق ويمكن اجمع من الشباب أجرة ومحروقات البوسطة يلي راح تجيبك، وإذا سمحتي وإنتِ جايي لعندنا مري على قبر صاحبي أبو الزوز الله يرحمه وقوليلو إنّه فعلاً كان على حق (فالجوع كافردون ادنى شك ).
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


