شبكة قدس الإخبارية - 8/5/2026 10:03:17 AM - GMT (+2 )
خاص - شبكة قُدس: قبل الثالثة فجراً بقليل، كان الهدوء يخيّم على منطقة الإسكان الواقعة بين جالود وتلفيت، قبل أن يقتحم المستوطنون عتمة الليل بإحراق ثلاث مركبات متوقفة أمام منازل الأهالي، في اعتداء جديد يضاف إلى سلسلة من الهجمات التي يقول أهالي جالود إنها باتت جزءاً من حياتهم اليومية.
أحد أصحاب المركبات لم يكن يتوقع أن يستيقظ ليجد وسيلة تنقله وقد تحولت إلى رماد. يقول إن المستوطنين اقتحموا المنطقة قرابة الساعة الثالثة إلا ربعاً، وأشعلوا النار في ثلاث مركبات، من بينها مركبته، كما خطوا شعارات على جدران المنازل.
ومع انتشار الخبر، هبّ شبان جالود والقرى المجاورة إلى المنطقة، وتمكنوا من إخماد النيران قبل أن تمتد إلى المنازل، إلا أن ذلك لم ينقذ المركبات.
يقول صاحب المركبة: «للأسف، تحولت إلى رماد»، مؤكداً أن الخسارة بالنسبة إليه كبيرة، فالمركبة ليست مجرد ممتلك شخصي، وإنما وسيلته الأساسية للتنقل في منطقة يصفها بأنها شبه معزولة، ولا تتوافر فيها المتاجر والخدمات الضرورية.
ويضيف: «لا أستطيع التنقل من دونها»، مشيراً إلى أن التفكير في شراء مركبة جديدة لا يأتي مصحوباً بشعور بالأمان، بل بسؤال آخر: هل ستبقى المركبة الجديدة في مكانها؟
ويقول: «المشكلة أن الإنسان إذا اشترى سيارة أخرى سيظل خائفاً من أن يحدث الأمر نفسه».
أما صاحب المركبة الثانية، فكان نائماً عندما تلقى اتصالاً أيقظه على خبر الاعتداء.
يقول: «أنا مثل أي شاب يريد أن يستيقظ صباحاً ليذهب إلى رزقه، كنت نائماً واستيقظت على صوت الهاتف».
توجه إلى المكان مع شبان القرية والقرى المجاورة، وشارك في إخماد النيران، لكن الحريق كان قد التهم المركبات بالكامل.
«لم يتبقَّ منها أي شيء»، يقول، مؤكداً أن أحداً لم يصب بأذى.
ورغم عدم وقوع إصابات، فإن الخوف الذي خلفه الاعتداء يتجاوز خسارة المركبات، إذ تقع منطقة الإسكان على شارع رئيسي بين جالود وتلفيت، وتوجد فيها منازل قريبة، ما يجعل سكانها يشعرون بأنهم مكشوفون أمام هجمات قد تقع في أي وقت.
اعتداء يتكرر وقرية تدفع الثمن
رئيس مجلس قروي جالود رائد حج محمد يقول إن مجموعة من المستوطنين هاجمت القرية عند نحو الساعة الثالثة فجراً من جهتها الشمالية، في المنطقة الواقعة بين جالود وتلفيت، وأحرقت ثلاث مركبات في منطقة وادي الخليل.
وبعد وصول شبان القرية والقرى المجاورة، اضطر المستوطنون إلى الانسحاب باتجاه البؤر الاستيطانية المقامة على أراضي جالود، وتحديداً في منطقتي عين عينا والظهر.
ويرجح حج محمد أن يكون المهاجمون قد قدموا من مستوطنات «إشكوديش» و«أحيا» و«كيدة»، المقامة على أراضي القرية.
ولا يرى رئيس المجلس في الاعتداء الأخير حادثة منفصلة، بل حلقة جديدة ضمن تصعيد استيطاني يقول إنه تضاعف بشكل كبير منذ السابع من أكتوبر.
وتقع جالود على بعد نحو 27 كيلومتراً جنوب نابلس، وتمتد أراضيها على مساحة تقارب 23 ألف دونم، منها نحو 17 ألف دونم مصنفة ضمن المنطقة «C»، ونحو ستة آلاف دونم ضمن المنطقة «B».
ويقول حج محمد إن نحو 12 مستوطنة وبؤرة استيطانية كانت قائمة على أراضي جالود قبل السابع من أكتوبر، إلا أن السيطرة على الأرض توسعت بعد ذلك، إذ استولى المستوطنون، وفق تقديراته، على ما بين ثلاثة وأربعة آلاف دونم، وأقيمت ثلاث بؤر استيطانية جديدة في مناطق النجمة والظهر وعين عينا.
ومع التوسع الاستيطاني، تراجعت قدرة الأهالي على الوصول إلى أراضيهم الزراعية، فيما تصاعدت الاعتداءات على الأهالي وممتلكاتهم، بما فيها مزارع الدواجن والمحاصيل الزراعية.
ويشير رئيس المجلس كذلك إلى تصاعد الاستيطان الرعوي، حيث يدخل المستوطنون بأبقارهم وأغنامهم إلى أراضي الأهالي وحقولهم القريبة من المنازل، ويرعون فيها تحت تهديد السلاح.
كما تم الاستيلاء مؤخراً على ثلاثة مبانٍ تعود لفلسطينيين من القرية وطرد أصحابها منها، قبل أن يسكنها مستوطنون وعائلاتهم.
مدارس ومنازل ومركبات تحت النار
خلال عام 2026، يقول رئيس المجلس إن جالود تعرضت لخمسة اعتداءات كبيرة، كان من بينها إحراق غرفة صفية وغرفة مخصصة للتدريب الرياضي في مدرسة القرية، إلى جانب إحراق سبعة منازل مأهولة بالسكان.
كما شهدت القرية سلسلة من عمليات إحراق المركبات، بينها نحو سبع مركبات قبل شهرين، فضلاً عن المركبات الثلاث التي أحرقت في الاعتداء الأخير.
ولم يسلم مبنى مجلس القرية من الهجمات، إذ أُحرقت غرفة الطوارئ التابعة له في وسط البلدة.
ويقول حج محمد إن الاعتداءات اليومية تتجاوز المنازل والمركبات، وتصل إلى الممتلكات العامة والخاصة، حتى إن حاويات النفايات الموضوعة على جوانب الطرق لم تسلم من السرقة.
الماء والكهرباء والطرق.. مقومات الحياة تحت الاستهداف
لم تتوقف آثار الاعتداءات عند الممتلكات، بل طالت البنية التحتية التي تقوم عليها حياة السكان.
ويقول حج محمد إن النبع الوحيد الذي يغذي القرية تعرض للتخريب والإغلاق، ما أدى إلى عدم وصول المياه إلى خزان القرية منذ أربعة أشهر، فيما تعرضت شبكات المياه للتخريب أيضاً.
كما تعرضت خطوط الكهرباء في المنطقة الشرقية للقطع مرات عدة، وهي منطقة تضم مساكن ومزارع للدواجن، ما أدى إلى تفاقم خسائر المزارعين والسكان.
أما الطرق، فلم تسلم من التضييق، إذ يقول رئيس المجلس إن الطرق التي تربط جالود بالقرى المحيطة، ومنها قصرة ودومة والمغير، قُطعت، ما زاد من عزلة القرية وصعّب حركة السكان.
وبحسب حج محمد، فإن ما بعد السابع من أكتوبر لا يشبه ما قبله، فقد ارتفعت وتيرة الاستيطان والاعتداءات «أضعافاً مضاعفة»، وأصبح المستوطنون يسيطرون على أجزاء واسعة من أراضي القرية.
ويقول إن الضغط لا يقتصر على الأرض، بل يستهدف السكان أنفسهم، خصوصاً أصحاب المنازل القريبة من المستوطنات والبؤر، في محاولة لدفعهم إلى إخلائها.
وفي جالود، تتراكم الخسائر بصمت: سيارة تحترق، منزل يُهاجم، مدرسة تُحرق، نبع يُغلق، طريق يُقطع، وكهرباء تنطفئ.
لكن خلف كل حادثة حياة كاملة تتعطل.
فصاحب السيارة المحترقة لا يخسر وسيلة نقل فحسب، بل يخسر قدرته على الوصول إلى عمله وتأمين احتياجات أسرته. والمزارع الذي تنقطع عنه الكهرباء أو يُمنع من الوصول إلى أرضه يخسر مصدر رزقه. والقرية التي يُغلق نبعها وتُقطع طرقها لا تُحاصر في جغرافيتها فقط، بل في تفاصيل حياتها اليومية.
وفي جالود، يبدو أن السؤال لم يعد عن حجم الضرر الذي سيحدثه الاعتداء التالي، بل عن المساحة التي ستبقى للسكان ليعيشوا فيها بأمان، ويتمسكوا بأرضهم، ويواصلوا حياتهم دون أن يتحول كل ليل إلى انتظار جديد للنيران.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


