شبكة قدس الإخبارية - 8/5/2026 12:02:16 PM - GMT (+2 )
ترجمات - خاص قدس الإخبارية: رغم أن شريحة واسعة من الأميركيين باتت ترى أن دولة الاحتلال ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، فإن الجهود الرامية إلى فهم ما جرى ومحاسبة المسؤولين عنه لم تحقق نتائج ملموسة حتى الآن. فقد تعثرت القضية المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية بفعل المعارضة الأميركية والأوروبية، فيما تحول الجدل حول توصيف "الإبادة الجماعية" إلى سجال سياسي وقانوني، وتراجعت احتجاجات الجامعات الأميركية التي بلغت ذروتها في ربيع عام 2024 بعد تعرضها للقمع.
يسعى المعماري والباحث البريطاني-الإسرائيلي إيال وايزمان، في كتابه الجديد «اقتلاع الأرض: هندسة الإبادة الجماعية» (Ungrounding: The Architecture of Genocide)، إلى سد هذه الفجوة عبر توثيق التدمير المنهجي الذي تعرض له قطاع غزة، شارعًا بعد شارع، ومزرعة بعد مزرعة، ومستشفى بعد آخر.
ويميز الكتاب تركيزه على البعد المادي والفيزيائي للدمار، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي. ويعتمد وايزمان وفريقه على تسجيلات صوتية ومرئية، وصور أقمار صناعية، ومقابلات ميدانية، خضعت لتحليل جنائي دقيق، ما أسفر عن مشروع تفاعلي يحمل اسم «خرائط الإبادة الجماعية»، يوثق ما يصفه بأنه "حملة منظمة ومصممة لتدمير الحياة الفلسطينية في غزة". ويخلص المؤلف إلى أن القضية لم تعد تقتصر على توصيف ما جرى بالإبادة الجماعية، بل تتعلق بفهم مشروع يستهدف إزالة شعب بالكامل وإعادة تشكيل الأرض بصورة دائمة.
ويُعد وايزمان مؤلف كتاب «الأرض المجوفة» (Hollow Land)، الذي تناول أساليب السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية، كما أنه أحد مؤسسي مؤسسة Forensic Architecture المتخصصة في التحقيقات المعمارية والجنائية المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، والتي ساهمت في توثيق جرائم في غواتيمالا وناميبيا وسوريا والمكسيك، إضافة إلى مشاركتها في إعداد الأدلة التي استندت إليها جنوب أفريقيا في دعواها أمام محكمة العدل الدولية ضد دولة الاحتلال.
ويقدم الكتاب قراءة لتاريخ غزة من خلال علاقتها بالأرض والتربة، موضحًا أن القطاع كان من أكثر المناطق الزراعية خصوبة في الشرق الأوسط قبل النكبة عام 1948، حين فُصل المزارعون الفلسطينيون عن أراضيهم، وانتقلت مساحات واسعة من الأراضي الخصبة إلى المستوطنات الزراعية الإسرائيلية. كما يتتبع التحولات التي فرضتها دولة الاحتلال على القطاع منذ احتلال عام 1956، ثم احتلال 1967، وصولًا إلى الحصار الذي أعقب الانسحاب الإسرائيلي عام 2005، حيث انتقلت السيطرة -بحسب المؤلف- من داخل القطاع إلى حدوده ومجاله الجوي.
ورغم أن الهجوم الذي شنته حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 شكّل الشرارة المباشرة للحرب، يرى وايزمان أن جذور الكارثة تعود إلى الحصار المفروض على غزة منذ عام 2007، والذي يصفه بأنه "نموذج غير مسبوق للسيطرة على السكان، وشكل بطيء من القتل المستمر". ويشير إلى أن سنوات الحصار تخللتها جولات عسكرية مدمرة لم تنجح في القضاء على البنية العسكرية لحماس، لكنها خلّفت دمارًا واسعًا في حياة المدنيين.
ويتناول الكتاب أيضًا محاولات دولة الاحتلال تدمير شبكة الأنفاق الفلسطينية، بدءًا من حرب 2008، مرورًا بعدوان 2014، ووصولًا إلى القصف المكثف بالقنابل الخارقة للتحصينات عام 2021، مشيرًا إلى أن هذه العمليات لم تحقق أهدافها العسكرية المعلنة، وفق ما يورده المؤلف.
ويجعل وايزمان من التربة محورًا أساسيًا في تحليله، معتبرًا أن أرض غزة بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023 تحولت إلى خليط من الخرسانة المطحونة والزجاج والبلاستيك وبقايا النباتات والرمال، وأن الفلسطينيين "أصبحوا يتنفسون غبار مدنهم ومنازلهم المدمرة".
ويضع هذا الطرح ضمن تيار أكاديمي حديث يربط بين الحرب والبيئة، مستشهدًا بأبحاث تناولت آثار الحروب على الأراضي الزراعية والأنظمة البيئية في العراق ولبنان والضفة الغربية.
ولا يكتفي الكتاب بالسرد التاريخي، بل يقدم تحقيقات تفصيلية في عدد من الهجمات التي استهدفت المدنيين، مثل قصف المستشفى الأهلي العربي ومقتل الطفلة هند رجب، موضحًا الأساليب التي استخدمها فريقه لإعادة بناء الوقائع وتحليل الروايات الرسمية ومقارنتها بالأدلة الميدانية.
ويخلص وايزمان إلى أن ما جرى في غزة تجاوز حدود العمليات العسكرية التقليدية، ليصبح مشروعًا يستهدف تدمير مقومات الحياة الفلسطينية وإعادة تشكيل المكان. ويوضح أن الجرافات العسكرية شقت طرقًا جديدة عبر الأحياء السكنية والأراضي الزراعية، وأقامت مناطق عازلة اتسعت تدريجيًا حتى غطت، بحسب الكتاب، نحو 82% من مساحة القطاع بحلول يوليو/تموز 2025، بينما حُشر السكان في مناطق ضيقة تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية.
وفي المقابل، تعرضت المناطق التي أُخليت من سكانها لقصف مكثف طال الأبراج السكنية والمراكز التجارية والمدارس والمساجد والمخابز والمستشفيات والجامعات والمكتبات والمرافق العامة، فيما أدى تجريف الأراضي الزراعية وتدمير شبكات المياه والصرف الصحي إلى كارثة بيئية واسعة، شملت تلوث التربة والمياه الجوفية.
ويشير الكتاب إلى أن آلاف البيوت البلاستيكية والبساتين دُمّرت، ونفقت معظم الثروة الحيوانية في القطاع، فيما تجاوزت نسبة الأراضي الزراعية المدمرة 80% بحلول أبريل/نيسان 2025، في مشهد يصفه المؤلف بأنه إعادة تشكيل قسرية للأرض تستهدف محو الحياة الفلسطينية من جذورها.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


