شبكة قدس الإخبارية - 8/5/2026 7:03:17 PM - GMT (+2 )
خاص قدس الإخبارية: في صباحٍ متوشحٍ بالسواد، وفي قلب بلدة نحالين الصامدة في فلسطين ، لم تكن آليات الاحتلال العسكرية تجرف مجرد إسمنت وحجارة، بل كانت تطحن بين أنيابها الحديدية سنواتٍ من عمر البشر، وضحكات أطفال، وأحلاماً كُتبت بالدموع والدماء.
استيقظت البلدة المحاطة بسوارٍ من سبع مستوطنات قديمة وأربع بؤر استيطانية جديدة تلتهم أراضيها، على واقعٍ مؤلم يُجرد الإنسان من أبسط حقوقه " أن ينام آمناً تحت سقف بيته" .
في هذا الصباح الفاجع، وقف المواطن أحمد نجاجرة أمام داره التي غدت ركاماً، يعتصر قلبه أساً لا على الحجارة المترامية، بل على الذكريات والعذابات التي اكتوى بجميلها ومرّها.
لم يكن هذا البيت مجرد بناء، بل كان رحلة نضالٍ مضنية ومكلفة؛ رحلة استمات فيها ليجمع شتات حلمه ويدفع "دم قلبه" شيكاً تلو الآخر.
خاض أحمد أثناء بناء جدرانه رحلة علاج زراعة طويلة ومكلفة، أنفق فيها عشرات آلاف الشواقل ليحظى ببناته الثلاث، ثم واصل الليل بالنهار وعرق السنين ليرفع لهن سقفاً يستر طفولتهن.
واليوم، تقف بناته الصغيرات بين غبار الهدم، يصرخن بصوتٍ يفتت الصخر: "أين بيتنا؟ أين ألعابنا التي كانت هنا؟".
لم تكن البكائيات على الأثاث، بل على ألعابٍ كانت تحتضن أحلامهن، وعلى صرخات أطفالٍ لا يفهمون كيف لآلية صماء أن تسرق منهم غرفهم ووسائدهم في لحظة خاطفة.
ولم يكن المشهد لدى جاره المواطن محمد عوض أقل شجناً؛ فبيته الذي بناه بعرق جبينه وتعب سنوات أطفاله، كان يحمل بين ثناياه حديقةً غرس فيها أشجاراً بيده، يراقبها وهي تنمو كما يراقب أطفاله، طامحاً أن يقضي بين ظلالها بقية عمره. لكن الجرافات لم تكتفِ بدكّ السقف والجدران، بل اجتثت تلك الأشجار ونكّلت بكل زاوية شهدت على أحلام العائلة، تاركةً إياهم يذوقون مرارة الفقد والتشريد القسري، وينضمون إلى رحلة البحث عن مأوى بالإيجارات الباهظة في منازل ضيقة لا تتسع لحجم حزنهم.
ولأن المأساة لا تأتي فرادى، امتدت يد التدمير لتطال لقمة العيش المحاصرة أصلاً. المنشأة الصناعية المملوكة للسيد ذيب شكارنة" وهي ورشة حدادة ومحلاً كبير لبيع الحديد " لم تكن مجرد مشروعٍ تجاري، بل كانت نبض الحياة اليومي ومصدر أرزاق عشر أسر كاملة من الأبناء والأقارب والعمال.
بلمحة عين، تقطعت أسباب العيش عن عشرات الأطفال والنساء، ليلتحقوا بقائمة التشريد والقطع المنظم للأرزاق في بلدٍ يُغلق مدخله الوحيد باتجاه حوسان بين الحين والآخر، ليتحول إلى سجنٍ كبير.
إن الوجع الحقيقي في نحالين لا ينتهي مع انسحاب الآليات، بل يبدأ في لحظة "ما بعد الهدم"؛ حين يتساءل الأب بينه وبين نفسه في عتمة الليل: "إلى أين نذهب الآن؟"، وحين تحزم العائلات المهددة منازلها بالهدم أمتعتها مجبرة، تُخلي بيوتها قسراً كي لا يُردم أثاثها تحت الركام. إنها آلية تدميرية ممتدة؛ أكثر من عشرة منازل هُدمت مؤخراً بشكل متسلسل، والعشرات على قائمة الانتظار بحجة وقوعها في المناطق المصنفة (ج)، في محاولة لتهجير الناس وتفريغ الأرض.
لكن، ورغم الحزن الدفين والبكاء الذي يعتصر القلوب على السنين والعذابات التي سبقت البناء وستستمر بعده، يهمس ركام نحالين بالصمود. يمسح أصحاب المنازل دموعهم عن وجناتهم المجهدة، وينظرون إلى المستوطنات المحيطة بصلابةٍ تشبه صخر جبالهم، مكررين بلسانٍ واحد يقينهم الأبدي: "نحن باقون ما بقي الزعتر والزيتون.. سنبنيها من جديد".
هي قصة وجعٍ متجدد في كل شبر من فلسطين المحتلة، لكنها أيضاً قصة شعبٍ يصرّ أن يخرج من تحت الردم، ليزرع الأمل وينبت من جديد في أرضه التي لا تنهزم.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


