اي اتفاق نريد لغزة؟ أسئلة لا بد منها قبل اتخاذ القرار
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: بسام زكارنة

‎لا يختلف فلسطينيان على أن الأولوية الأولى اليوم هي وقف إطلاق النار وإنقاذ أهلنا في قطاع غزة ووقف المجازر وإدخال المساعدات وإعادة الإعمار فهذا حق إنساني لا يجوز ربطه بأي خلاف سياسي.

لكن في المقابل فإن من حق كل فلسطيني أن يسأل: ما طبيعة الاتفاق؟ ومن يضمن تنفيذه؟

لقد علمتنا التجارب أن المشكلة ليست في توقيع الاتفاقات بل في تنفيذها فإذا التزمت الفصائل بكل ما يُطلب منها فمن يضمن عدم عودة الحرب؟ ومن يضمن عدم اجتياح غزة مرة أخرى؟ ومن يضمن عدم فرض واقع جديد بالقوة أو ترك أهل غزة يواجهون الفوضى والانتقام بعد انتهاء القتال؟

وإذا رفضنا الاتفاق فما هو البديل؟

هل الإمكانات المتوفرة اليوم قادرة على ردع إسرائيل ومنعها من فرض ما تريد؟ وهل استمرار الحرب سيحقق أهدافا سياسية واضحة أم سيضاعف معاناة شعبنا؟ وفي المقابل هل القبول باتفاق بلا ضمانات سيمنع إسرائيل من تنفيذ ما تخطط له أم سيجعل ذلك أسهل؟

لهذا فإن القضية ليست الاختيار بين حرب بلا نهاية أو اتفاق بأي ثمن بل الوصول إلى اتفاق يحمي الإنسان الفلسطيني ويحفظ الحقوق الوطنية ويستند إلى ضمانات حقيقية.

ولا يمكن الاكتفاء بضمان طرف واحد بل نحتاج إلى إطار دولي متعدد يضم الأمم المتحدة والدول العربية والإسلامية وقوى دولية مؤثرة مثل الصين وروسيا وغيرها مع آليات واضحة للرقابة والتنفيذ حتى لا يبقى الاتفاق مجرد وعود قابلة للانهيار.

وفي هذا السياق يثير قرار مجلس الأمن رقم 2803 (2025) الذي أقر إطارا دوليا لتنفيذ الخطة الشاملة لإنهاء الحرب في غزة بما في ذلك إنشاء ما يُعرف بـ”مجلس السلام” برئاسة الرئيس الأمريكي ترامب تساؤلات سياسية وقانونية وأخلاقية بشأن حيادية الجهة المشرفة على تنفيذ أي اتفاق في ظل اعتبار الولايات المتحدة من قبل قطاع واسع من الفلسطينيين الداعم السياسي والعسكري الرئيسي لإسرائيل خلال الحرب.

كما أن التجربة العملية منذ صدور القرار أظهرت محدودية قدرته على إلزام إسرائيل بوقف القصف والاغتيالات أو منع توسيع العمليات العسكرية وتجاوز الخطوط الحمراء أو ضمان إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية بصورة كافية وآمنة إلى قطاع غزة ورغم ما يتضمنه القرار من دعوات عامة فإنه لا ينص على آليات تنفيذ ملزمة أو إجراءات ردع وعقوبات واضحة تضمن احترام إسرائيل لالتزاماتها في حال الإخلال بها.

ومن هنا فإن من الضروري إعادة النظر في آليات الإشراف والضمان بما يعزز الدور المركزي للأمم المتحدة ويضمن مشاركة متوازنة للدول العربية والإسلامية إلى جانب القوى الدولية المؤثرة مثل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي مع إنشاء آلية دولية مستقلة للرقابة والمساءلة تكون قادرة على توثيق الانتهاكات واتخاذ إجراءات عملية بحق أي طرف يخرق الاتفاق بما يحول دون تكرار انهيار اتفاقات وقف إطلاق النار كما حدث في مرات سابقة .

وفي الوقت نفسه يجب أن ندرك أن مستقبل فلسطين لا يصنعه طرف واحد فمن الخطأ أن يفرح أي فصيل بغياب فصيل آخر عن طاولة القرار فإذا غابت حركة فتح أو السلطة الفلسطينية فعلى الجميع العمل لإشراكهما وإذا غابت فصائل المقاومة فعلى الجميع أيضا العمل لضمان مشاركتها فلا مستقبل لغزة دون القوى الفلسطينية الفاعلة فيها ولا مستقبل للضفة الغربية دون السلطة الفلسطينية وحركة فتح ولا يجوز أن يتحول الانقسام إلى واقع دائم أو أن يكون بديلاً عن الشراكة الوطنية.

إن إنقاذ أهلنا في غزة مسؤولية عاجلة لا تحتمل التأجيل أما مستقبل القضية الفلسطينية فلا يجوز أن يُرسم إلا بإجماع وطني يحفظ وحدة الشعب ووحدة الأرض ووحدة القرار.

اليوم لا يحتاج شعبنا إلى خطابات انتصار ولا إلى تبادل الاتهامات بل يحتاج إلى إجابات صريحة عن الأسئلة الكبرى: ما الضمانات؟ ما البديل؟ ومن يتحمل مسؤولية القرار؟

فالقرار الوطني الحكيم هو الذي يجمع بين إنقاذ الإنسان الفلسطيني اليوم وحماية حقوقه ومستقبله غدا ويضع مصلحة الشعب فوق مصالح الفصائل لأن المنتصر الحقيقي ليس فصيلا بل فلسطين.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد