شبكة راية الإعلامية - 8/7/2026 3:24:23 PM - GMT (+2 )
غزة – شيماء أبو سعدة:
لم يعد امتحان الثانوية العامة في قطاع غزة اختبارًا للتحصيل الأكاديمي فقط، بل أصبح اختبارًا لقدرة الطلبة على الوصول إلى فرصة متكافئة في ظل واقع فرضته الحرب، فبينما خاض آلاف الطلبة الامتحانات ضمن إجراءات استثنائية أتاحت لهم التقدم إلكترونيًا، واجه كل طالب ظروفًا مختلفة تحددها مكان إقامته، وقدرته على توفير الإنترنت والكهرباء والأجهزة، والبيئة المتاحة للدراسة وتقديم الاختبار.
فقد امتدت آثار الحرب إلى مختلف مكونات العملية التعليمية، في ظل ثلاثة أعوام من الانقطاع عن التعليم النظامي، وتضرر المدارس، وفقدان أعداد كبيرة من الطلبة والمعلمين والكوادر التعليمية، ورغم محاولات توفير بدائل تعليمية لمساندة الطلبة، بقيت هذه البدائل محدودة أمام واقع النزوح المستمر، وضيق أماكن التعلم، وغياب بيئة تعليمية مستقرة.
وفي ظل هذا التفاوت الكبير في ظروف الاستعداد والتقديم، تبرز تساؤلات حول مدى قدرة إدارة امتحانات الثانوية العامة على تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين الطلبة، وما إذا كانت الإجراءات المتخذة استطاعت الحد من تأثير الفجوة التعليمية التي خلفتها الحرب على نتائجهم ومستقبلهم.
الطلبة بين النزوح وضغوط الامتحان..
وراء كل طالب تقدم لامتحانات الثانوية العامة في غزة، حكاية مختلفة فرضتها الحرب، إلا أن القاسم المشترك بينهم كان خوض الامتحانات في ظل ظروف استثنائية، جعلت الوصول إلى فرصة تعليمية متكافئة أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
محمد شاهين، النازح مع عائلته في خيمة غرب مدينة غزة بعد سلسلة نزوح تجاوزت ثلاث عشرة مرة، وجد نفسه يخوض معركة الثانوية العامة في ظروف تختلف كليًا عما عرفه قبل الحرب، فبعد أن اعتاد تحقيق معدلات تجاوزت 90%، انقطع عن الدراسة المنتظمة خلال العامين الماضيين بسبب النزوح المتكرر وتدهور الأوضاع الإنسانية، ولم يتمكن من استئناف التحضير الجدي للامتحانات إلا مع بداية هذا العام.
ويقول إن يومه لم يكن يبدأ بالمذاكرة، بل بتأمين احتياجات أسرته داخل المخيم، من جلب المياه إلى مساعدة والدته في متطلبات الحياة اليومية، قبل أن يحاول استغلال ساعات محدودة للدراسة وسط انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت والضجيج المستمر داخل الخيام، وهي ظروف جعلت التركيز واستمرار الدراسة تحديًا يوميًا.
سباق مع الوقت والتحديات التقنية..
ولا تختلف تجربة ملاك كثيرًا عن محمد؛ فالطالبة التي هُدم منزل أسرتها في مدينة غزة وتعيش اليوم نازحة داخل خيمة في دير البلح، وجدت نفسها مضطرة للاعتماد على حلول فردية لمواصلة تعليمها، بعد غياب المدارس والدعم المؤسسي خلال السنوات الثلاث الماضية.
ملاك خاضت تجربة الثانوية العامة في ظل ظروف استثنائية فرضت عليها الاعتماد الكامل على إمكانياتها الشخصية، فقد اضطرت إلى طباعة الرزم التعليمية على نفقتها الخاصة، والاعتماد على هاتفها المحمول، إلى جانب الالتحاق بمركز تعليمي لتعويض ما فاتها من تعليم.
ومع حلول الامتحانات، لم تجد مكانًا مناسبًا لتقديم الاختبارات الإلكترونية سوى أحد المقاهي التي تبعد نحو نصف ساعة عن مكان نزوحها، على أمل الحصول على اتصال إنترنت أكثر استقرارًا، إلا أن انقطاع الشبكة أكثر من مرة أثناء الامتحان حوّل الدقائق المخصصة للإجابة إلى سباق مع الزمن، في ظل خوف دائم من ضياع عام دراسي كامل بسبب خلل تقني خارج إرادتها.
ولا تقتصر مخاوف الطلبة على ظروف تقديم الامتحان فقط، بل تمتد إلى مرحلة إعلان النتائج ومدى قدرتها على عكس الجهد الحقيقي الذي بذلوه خلال عام دراسي استثنائي، وتقول ملاك إن هناك حالة من القلق بين الطلبة بشأن أن تكون النتائج غير متساوية، خاصة بعد المخاوف التي أثيرت في العام الماضي حول إمكانية استعانة بعض الطلبة بأدوات الذكاء الاصطناعي مثل "شات جي بي تي" أثناء الامتحانات، في الوقت الذي التزم فيه آخرون بالدراسة والتحضير في ظروف صعبة، ويتساءل الطلبة عن آليات ضمان نزاهة النتائج وشفافية التقييم، بما يضمن أن تعكس الدرجات مستوى التحصيل الفعلي وليس اختلاف القدرة على الوصول إلى وسائل مساعدة أو ظروف امتحانية أفضل.
وفق بيانات وزارة التربية والتعليم لعام 2026، يتقدم نحو 37,698 طالباً وطالبة في قطاع غزة لامتحانات الثانوية العامة إلكترونياً، و1941 من طلبة قطاع غزة الموجودين خارج فلسطين إلى قاعات الامتحانات.
الامتحان الإلكتروني محاولة لضمان العدالة في ظروف استثنائية..
أكد المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم العالي في رام الله، صادق الخضور، أن مجرد عقد امتحانات الثانوية العامة في ظل الحرب يمثل خطوة لتحقيق العدالة بين طلبة غزة والضفة الغربية، ومنح الطلبة الذين تأخروا عن المسار التعليمي فرصة للالتحاق واستكمال تعليمهم، مشيرًا إلى أن ذلك يأتي ضمن مسؤولية الوزارة الوطنية والأخلاقية تجاه الطلبة.
وأوضح الخضور أن الوزارة اعتمدت عدة إجراءات لضمان أكبر قدر ممكن من العدالة، أبرزها إتاحة الامتحان إلكترونيًا ومن المنزل، وإنشاء بنك للأسئلة يتيح نماذج متعددة ومتقاربة من حيث المستوى والأوزان، بما يحافظ على تكافؤ مستوى الامتحان بين الطلبة، كما خصصت الوزارة فريقًا للدعم الفني لمتابعة المشكلات التقنية، ومنحت الطلبة مرونة في اختيار الدورة التي يستطيعون التقدم إليها في حال تعذر عليهم خوض الامتحان في موعد محدد.
ويشير الخضور إلى أن الحرب فرضت تعديلات غير مسبوقة على نظام الثانوية العامة، إذ انتقلت الامتحانات من النظام الورقي داخل القاعات إلى الامتحان الإلكتروني المنزلي، بعد أن تبين أن كثيرًا من الطلبة لن يتمكنوا من الوصول إلى مراكز امتحانية بسبب النزوح وصعوبة الحركة، كما اعتمدت الوزارة الرزم التعليمية بدلًا من المنهاج الكامل لطلبة غزة، إلى جانب توفير بدائل تعليمية، باعتبار ذلك محاولة للتعامل مع الفاقد التعليمي والظروف الاستثنائية التي يعيشها الطلبة.
وعن مدى تحقق العدالة والشفافية، يقول الخضور إن الوزارة ترى أنها نجحت في توفير قدر كبير من العدالة من خلال الإجراءات التي اتخذتها، والحفاظ على مستوى عالٍ من الشفافية في تنظيم الامتحانات، ويضيف أن طبيعة الامتحان الإلكتروني المنزلي، باعتباره تجربة فرضتها الظروف الاستثنائية، تستدعي تطوير مزيد من الضوابط والإجراءات التي تعزز الشفافية وتضمن إدارة أكثر فاعلية للعملية الامتحانية مستقبلًا.
ورغم اعتماد الوزارة نماذج مختلفة من الأسئلة، يبقى الامتحان الإلكتروني المنزلي تجربة استثنائية تطرح تساؤلات حول قدرة إجراءات الرقابة الحالية على ضمان تكافؤ ظروف التقديم، في ظل تفاوت وصول الطلبة إلى الأجهزة وخدمات الإنترنت والبيئات المناسبة للاختبار، فبينما تهدف هذه الإجراءات إلى توحيد مستوى الامتحان، تظل الظروف المحيطة بتقديمه عاملًا مؤثرًا في تجربة الطلبة وقدرتهم على الأداء.
وتكشف هذه التحديات أن تحقيق العدالة في الامتحان الإلكتروني لا يرتبط فقط بتوفير فرصة التقدم للاختبار، بل بمدى تقارب الظروف التي يخوض فيها الطلبة هذه التجربة، فإتاحة الامتحان لجميع الطلبة لا تعني بالضرورة تساوي فرصهم، ما لم ترافقها ظروف تساعد كل طالب على الاستعداد والتقدم للاختبار بعيدًا عن تأثير العوامل الخارجة عن مستوى تحصيله الأكاديمي.
مساحة العمل: ملاذ للطلبة لتجاوز تحديات الامتحان الإلكتروني
في ظل التحديات التي فرضتها الحرب على العملية التعليمية في قطاع غزة، استقبلت مساحة "دير هاب"، وهي مساحة عمل مشتركة في مدينة دير البلح، عددًا من طلبة الثانوية العامة من الفرعين العلمي والأدبي لتقديم امتحاناتهم الإلكترونية، بهدف توفير بيئة أكثر ملاءمة تتوفر فيها الكهرباء والإنترنت والهدوء، بما يساعد الطلبة على خوض الاختبارات في ظروف أفضل.
وأوضحت إدارة المساحة أن توفير هذه البيئة ساعد الطلبة على تجاوز بعض التحديات التقنية المرتبطة بالامتحان الإلكتروني، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن لجوء بعض الطلبة إلى مساحات العمل أو المقاهي يكشف جانبًا من التفاوت في ظروف التقديم، إذ تمكن بعض الطلبة من توفير بيئة امتحانية أكثر استقرارًا، بينما اضطر آخرون إلى خوض الاختبارات في ظروف أقل ملاءمة.
وترى الإدارة أن التعليم الإلكتروني، رغم أهميته كحل استثنائي، لا يمكن أن يكون بديلًا كاملًا عن التعليم الوجاهي لما يوفره من تفاعل مباشر مع المعلمين والتواصل بين الطلبة، وهي عناصر أساسية في العملية التعليمية، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذا النظام على ضمان فرص متقاربة لجميع المتقدمين.
مراكز التعليم البديلة ومحاولة سد فجوة الفاقد التعليمي..
يقول أستاذ حسام الدلو، مدير مركز المستر التعليمي، إن برامج التعليم البديلة حاولت تعويض جزء من الفاقد التعليمي الذي تراكم لدى طلبة الثانوية العامة خلال سنوات الانقطاع عن التعليم النظامي، من خلال برامج التأسيس والتقوية والمواد الاستدراكية قبل بدء الامتحانات، إلا أنها بقيت حلولًا مؤقتة لا تستطيع معالجة الفجوة التي خلفها غياب التعليم المنتظم.
وأوضح الدلو أن آثار هذا الفاقد ظهرت لدى عدد من الطلبة، خاصة في المهارات الأساسية مثل القراءة والكتابة والعمليات الحسابية، إضافة إلى الضعف في بعض المواد الدراسية نتيجة طول فترة الانقطاع عن التعليم.
وحول عدالة امتحانات الثانوية العامة، يرى الدلو أن النظام الحالي لم يحقق العدالة بشكل كامل، إذ أثّر تفاوت الظروف بين الطلبة على فرصهم، خاصة مع اعتماد الامتحان الإلكتروني واختلاف جودة الأجهزة وخدمات الإنترنت، إضافة إلى اعتماد بعض الطلبة على مساعدة خارجية أثناء الاختبار.
وأضاف أن إجراءات الثانوية العامة راعت الظروف الاستثنائية إلى حد ما، لكنها واجهت تحديات في التطبيق، داعيًا إلى تنظيم الامتحانات الإلكترونية مستقبلًا داخل قاعات مجهزة ومخصصة من قبل الوزارة، بما يوفر بيئة أكثر عدالة ويعزز الرقابة على سير العملية الامتحانية.
ولا تقاس الفجوة التعليمية فقط بقدرة الطلبة على الوصول إلى الامتحان، بل بما فقدوه قبل الوصول إليه، فثلاثة أعوام من الانقطاع عن التعليم النظامي خلقت تفاوتًا في مستوى التحصيل والمهارات الأساسية، وهو ما يجعل مقارنة نتائج الطلبة بحاجة إلى قراءة تتجاوز العلامة النهائية إلى الظروف التعليمية التي سبقتها.
الأثر النفسي للحرب على طلبة الثانوية العامة
توضح الأخصائية النفسية فاتن أبو عودة أن الحرب والنزوح تركا آثارًا عميقة على طلبة الثانوية العامة، مشيرة إلى أن تأثير الظروف الحالية لم يقتصر على الجانب التعليمي فقط، بل امتد ليشمل الجوانب النفسية والعقلية والاجتماعية والثقافية للطلبة، وأوضحت أن فقدان الأمان والاستقرار، إلى جانب تجربة النزوح المستمر، انعكس على قدرة الطلبة على التركيز والاستعداد للامتحانات.
وتدعم معطيات وزارة التربية والتعليم هذا الواقع، إذ تراجعت الخدمات الإرشادية المقدمة للطلبة من 184,694 خدمة في العام الدراسي 2022/2023 إلى 33,495 خدمة فقط خلال العام الدراسي الحالي، رغم تصاعد الاحتياجات النفسية الناتجة عن الحرب والنزوح.
وحول تأثير الصدمات النفسية على مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلبة، أشارت أبو عودة إلى أن تأثير الصدمة يختلف من طالب إلى آخر، وفقًا لطبيعة التجربة التي مر بها الطالب، وقدرته على التكيف وصلابته النفسية، موضحة أن بعض الطلبة قد يتمكنون من تجاوز آثار الصدمة بشكل أفضل من غيرهم، بينما يواجه آخرون صعوبات تؤثر على أدائهم الأكاديمي.
وأكدت أن دعم الصحة النفسية يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من إدارة العملية التعليمية في هذه الظروف، داعية إلى توفير مرشدين وأخصائيين نفسيين لمساندة الطلبة والتعامل مع مشاعر القلق والتوتر خلال فترة الامتحانات، كما شددت على أهمية تنفيذ برامج توعوية حول أساليب الدراسة وتنظيم الوقت، وتهيئة بيئة نفسية مناسبة داخل المؤسسات التعليمية، إضافة إلى متابعة مشكلات الطلبة وتزويدهم بمهارات تساعدهم على التكيف النفسي والاجتماعي.
مقاعد غائبة خلف عام دراسي استثنائي
تأتي امتحانات الثانوية العامة في غزة هذا العام في سياق تعليمي استثنائي فرضته الحرب، حيث لم تبدأ الفجوة بين الطلبة عند لحظة تقديم الامتحان، بل تشكلت خلال سنوات من الانقطاع عن التعليم النظامي، وتدمير المدارس، وفقدان آلاف الطلبة والمعلمين.
وبحسب معطيات وزارة التربية والتعليم العالي الصادرة في يوليو/تموز الجاري، ارتفعت حصيلة الشهداء في قطاع التعليم منذ بدء الحرب الإسرائيلية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى أكثر من 20,051 طالبًا وطالبة، إضافة إلى استشهاد أكثر من 532 معلمًا وكادرًا تربويًا.
كما تشير معطيات مكتب الإعلام الحكومي في غزة إلى أن 100% من مدارس القطاع تعرضت لأضرار مادية نتيجة القصف والاستهداف، فيما تحتاج 81% من المباني المدرسية إلى إعادة بناء أو تأهيل رئيسي، ما أدى إلى فقدان البيئة التعليمية المستقرة التي يفترض أن توفر فرصًا أكثر تقاربًا بين الطلبة.
وتكشف هذه المعطيات أن تحدي العدالة لا يرتبط فقط بإتاحة الامتحان لجميع الطلبة، بل بقدرة نظام التقييم على الفصل بين التحصيل الأكاديمي والظروف القاسية التي أحاطت بالطلبة قبل وصولهم إلى قاعة الامتحان الافتراضية.
ختاماً، إن التجربة التي خاضها طلبة الثانوية العامة في غزة تطرح سؤالاً يتجاوز نتائج هذا العام: كيف يمكن تصميم أنظمة تقييم عادلة في حالات الطوارئ، بحيث لا تتحول آثار الحرب إلى عامل إضافي يحدد مستقبل الطلبة؟
إقرأ المزيد


